عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 
 

 

عارف النايض، وتجربته الخاصة

في النشأة والتفكير والتأمل

 

كان اليوم الثالث من أيام مهرجان الأسطى للفكر والفنون في دورته الثانية 22/4/2010م موعدا مع الشعر المحكي لشعراء من درنة، ولكن لظروف بعض الشعراء المدعوين، قررت إدارة المهرجان أن تكون محاضرة للدكتور عارف النايض أستاذ الفلسفة والمستشار في جامعة كمبردج.
هاجر عارف النايض هو وإخوته للولايات المتحدة الأمريكية إبان الزحف على أملاك والده على النايض الورفلي، وعمره ست عشرة سنة، ونزل بمدينة أيوا الأمريكية، ثم انتقل لكندا،ودرس الهندسة البيولوجية بجامعة جويلف عام 1985م، وتحصل على ماجستير في فلسفة العلوم الطبيعية من نفس الجامعة عام 1986م، ونال شهادة الدكتوراة في علم التأويل من نفس الجامعة عام 1994م، مع دراسات موازية في الفلسفة الإسلامية من جامعة تورنتو بكندا،والجامعة البابوية الغريغورية في فلسفة ومقارنة الأديان.
درّس بجامعة جويلف بكندا، وبجامعات أمريكية لها فروع بروما كجامعة لايولا شيكاغو، وجامعة دالاس، وعمل لمدة سنة خدمة إنتاجية بجامعة الفاتح، ودرس بجامعة سرت بني وليد، ثم انتقل للعمل بالمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية بإيطاليا، ومعهد الفكر والحضارة الإسلامية –كوالا لامبور.
دعاه والده للعودة لليبيا لمساندته في قطاع الأعمال، ثم أسس مجموعة شركات تعمل في مجال البنية التحتية المعلوماتية، وأصبح وكيلا لشركة I B M وشركة NCR .
وأسس مؤسسة الكلام للبحوث والإعلام بدبي،وهي مؤسسة متخصصة في تجديد علم الكلام والحوار مع الفلسفات والأديان المعاصرة، ولها تعاون مع جمعية الدعوة الإسلامية، ودار الإفتاء المصرية، ومؤسسةآل البيت بالأردن، ويشغل الآن مستشار بكلية الإلهيات بجامعة كمبردج .
وكان عنوان المحاضرة المفترض أن يلقيها د عارف بعنوان تاريخ الهيرمونطيقا، الوعود والمخاطر، ولكن بطلب من الدكتور نجيب الحصادي وافق على أن يكون الحديث عن تجربته الخاصة، في النشأة والتفكير والتأمل، بعد أن أبدى إحراجا من الحديث عن نفسه، وفي كلتا الحالتين كان عارف لا يحمل أوراقا، وإنما كل ذلك من بنيات أفكاره.

الأمر الذي أمرني به سيدي الدكتور نجيب الحصادي أمر مخيف.

بدأ د عارف بالقول: الحمد لله، اللهم صلي على محمد الذي ملأت قلبه من جلالك، وعينه من جمالك،فأصبح فرحا مسرورا، مؤيدا منصورا، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله على ذلك، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، في كل لمحة ونفس ما وسعه علم الله.
وأضاف عارف: حقيقة لا أخفيكم أني خائف جدا، لأن هذا الأمر الذي أمرني به سيدي الدكتور نجيب الحصادي أمر مخيف، وفي نفس الوقت لا يمكن رفضه، لأنه شيخي، وأنا اعتقد بطاعة المشايخ خلافا لكثير من المعاصرين، ومن هذا المنطلق سأحاول الوقوف عند بعض المحطات في حياة الفقير- يقول عارف- .
كما قال: أتذكر وأنا في العاشرة من العمر تقريبا، كنت أحب أن العب لعبة تسمى ليجو، وهي مجموعة من المربعات والمكعبات البلاستكية التي تُبنى بها بيوت وطائرات وغير ذلك، وكنت من هول الكمية المتاحة، استطيع أن ابني مدنا صغيرة، وإن نجت هذه المدن من أخي إبراهيم أو أحمد، كانت لا تنجو مني، فكنت اكسر هذه الألعاب وأعيد بناءها مرة أخرى، واعتقد عندما أفكر في حياتي، أظن أني ما زلت مستمرا في لعبة التركيب والتحطيم، إلا أن قطع البلاستيك تحولت إلى رؤى وأفكار وقراءات وسماع للآخرين، هنا في درنه وفي هذه الأيام العجيبة الغريبة( أيام المهرجان) أجد نفسي أجمع قطعا من هنا ومن هناك، من أناس ما كنت اعتقد أني سأستمع إليهم كثيرا، بسبب اختلاف الرؤى والخلفيات وبسبب اختلاف المجالات،إلا أن التكسير ليس دائما من قبل الفقير-عارف- بل يأتي من موجات وتيارات وتصادم مع أراء وأفكار. وفي السادسة عشر من عمري، وبعد الزحف على أملاك والدي رحمة الله عليه-يقول عارف- رأى الوالد أن يرسل أبنائه إلى أمريكا،فوجدت نفسي في منتصف أمريكا في آيوا، فوجدت نفسي في مكان جديد تحطم فيه كل كنت أعيش فيه من بيوت وديار، أي أن البنى الفكرية والعقدية والاجتماعية تغيرت بسبب هذا الاختلاف، إذ وجدت نفسي مع أناس مختلفين في عقائدهم وأفكارهم، وفي تلك المدينة الصغيرة كان الناس على استعداد لأن يعطوك بيوتا بديلة عن تلك التي تحطمت، فأذكر أنه أثناء تناول وجبة الغداء بالجامعة، كان هناك أخوة من الحزب الشيوعي العراقي يحاولون أن يستقطبوا الشباب للشيوعية، وكذلك فعل الأخوان المسلمون والقوميون العرب، وكانوا يتجادلون كل يوم في أثناء فترات الراحة، أذكر في تلك السن المبكرة أني أُعطيت كثيرا من الكتب لقراءتها، منها أدبيات يسارية كثيرة، من البيان الشيوعي إلى كتابات ماركس ولينين، وكتابات سيد قطب ومحمد قطب والمودودي وجمال عبد الناصر(فلسفة الثورة) وأشعار يساري مصر وغير ذلك، كان زخما حقيقيا وكنت مندهشا من ذلك، وكانت عندي أسئلة شخصية، فمثلا مسألة الزحف على والدي رحمه الله، إذ كنت أرى الوالد رجلا طيبا، فلماذا يسمونه برجوازيا؟ وما معنى برجوازي؟ وكان أخوة العراق لهم مقدرة عجيبة على شرح كلمة برجوازي وديالكتيك والصراع الطبقي، فهذه التصادمات والأحداث سببت لي أرقا فكريا وحيرة بحيث لم استطع أن أقرر ماذا أريد أن أكون؟ وما هو الفكر الجدير بالإتباع والإنضمام إليه؟، فتعرفت على شخص كان زائرا لأحد أخوي، وبعد أن رأى ما أنا فيه من تخبط ، قال لي، عليك أن تدرس المنطق والفلسفة وتاريخها، وأهدى لي كتاب فيه محاورات أفلاطون وكتاب قصة الفلسفة لوِل ديورانت، وهو كتاب تاريخ بسيط، لكن هذين الكتابين كانا لهما دور كبير في اتجاهي لدراسة الفلسفة، وكنت أدرس الهندسة البيولوجية، لكنك تستطيع أن تأخذ مواد إنسانية، فدرست هذه المواد، وبسبب محاولات الرد على الماركسيين، بدأت في قراءة كتاب (محمد باقر الصدر، اقتصادنا) لأنه كان ردا محكما على الماركسية- وأعتقد أنه مازال أحد أفضل الردود على الماركسية، على تبسيطه لبعض المسائل، وقرأت له أيضا كتاب فلسفتنا، ولخصت هذا الكتاب، إذ كانت لدي كراسة من التلخيصات،وذات مرة قال لي أخي الكبير إننا مدعوون للعشاء عند صديق ليبي، وأن هناك شخص عائد إلى ليبيا بعد أن أنهى الدكتوراه، وهناك تعرفت لأول مرة على سيدي الدكتور نجيب الحصادي، وتجاذبنا أطراف الحديث، وأعطيته تلك الكراسة من التلخيصات، وقال لي يجب أن تدرس الفلسفة، وأن لي موهبة في هذا، وأن الفلسفة مهمة لتوضيح الأفكار والتخلص من أوهام الخلط، ومعظم ما نصحني به تحول إلى كتب من قبله، وللآسف لا توجد كتب من قبلي، فأنا أدين للدكتور نجيب بتوجيهي للفلسفة، وانتقلنا لكندا واتجهت لدراسة الفلسفة بعد أن أنهيت دراسة الهندسة، ثم حضرت الماجستير في فلسفة العلوم الطبيعية، وفلسفة العلوم كانت وقفة مهمة، لأنها حطمت أي نوع من اليقين أو ما يسمى بالحقائق العلمية الفيزيقية، ففي تلك الفترة كانت أفكار توماس كون- الذي تأثر به الدكتور نجيب،يقول عارف- تؤكد على أن فكرة الحقائق المجردة في فلسفة العلوم الطبيعية فكرة طموحة لكنها خاطئة، وأن تأويل أو تفسير الحقائق جزء لا يتجزأ من المنهجية البحثية. وبعد دراسة فلسفة العلوم الطبيعية، وصلت إلى نتيجة أن التأويل أهم ما يُدرس، خاصة وأن الحضارة الإسلامية تتمركز حول القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ولذلك فهي حضارة تتعامل مع نصوص، فتراءى لي أن التأويلية أو ما يُسمى بالهرمونطيقا أهم فرع من فروع الفلسفة، فحضرت فيه الدكتوراه بعد تخبط، إذ كان من المفترض أن تكون الدكتوراه في مفهوم التصور عند الغزالي وبن تيمية.

وكان السؤال الرئيسي عند كانط هو، كيف يكون العلم ممكنا؟ وفردريك شلاير ماخر سأل سؤالا مشابه فقال، كيف يكون الفهم ممكنا؟

وأكد عارف على ضرورة الوقوف عند بعض المحطات من التأويلية بالقول: الهيرمونطيقا مشتقة من كلمة هرمز، وهِرمِز كان رسول بين الآلهة والبشر حسب أساطير اليونان القديمة، فكان جزء من واجب هرمز أن يفسر تلك الرسائل التي يأتي بها من الآلهة إلى البشر، فأرتبط إسم هرمز بالتأويل أو التفسير أو الشرح، حتى أن كتاب العبارة عند أرسطو طاليس يسمى باليونانية بيري هيرمنياس، وهو مشتق من نفس الكلمة. وهذا المجال من الفلسفة التأويلية له رافدان أساسيان، الأول: كلاسيكي يأتي من البلاغة اليونانية أو ما يسمى بالروتريك، حيث بدأ بأرسطو طاليس وتطور في العصر الهلنستي، ثم في العصر الروماني عند سيسرو، حتى وصل إلى عصر النهضة الأوروبية وما بعدها خاصة عند ايرازموس وما يسمى بالنزعة الإنسانية وأيضا بالفنون النقدية. والرافد الثاني : لاهوتي، فعندما جاءت المسيحية حدث تصادم بين مدرستين مبكرتين، والمدرسة الأولى التي فازت هي التي انبثقت منها معظم كنائس اليوم أو ما يُسمى بالأرثوذكسية بصفة عامة لا الأرثوذكسية اليونانية، بل الأرثوذكسية القائلة بالمجامع الكنسية. أما المدرسة الثانية هي ما يسمى بالكنيسة الغنوصية، والتي كانت ترفض كل الكتب التي بأيدي اليهود التي سماها المسيحيون بالعهد القديم، وكانت تقول أن العهد الجديد هو المقدس الوحيد، وأن العهد القديم كُتب من قبل الشياطين، والمدرسة التي فازت هي تلك الجامعة بين العهدين، وتمركزت أولا في إنطاكيا ثم في الإسكندرية، وكان عليها أن تأتي بمنظومة من المنهجيات التي تمكنها من تأويل وتعديل معاني العهد القديم التي لا تتماشى مع ما يريد منه أتباع العهد الجديد، فخرجوا بفكرة الأليجورية أو التأويل، ثم حصلت عندهم إشكالية وهي تقنين هذا التأويل، فخرجوا بمنظومة من الضوابط خاصة في كتابات فلمنت الاسكندراني واورج الاسكندراني، وتبلورت هذه الكتابات ووصلت ذروتها عند القديس اغسطونيوس في كتابه العقيدة المسيحية، إذ حاول أن يضبط التأويل ويعطيه قوانين، فالهيرمونطيقا الإنجيلية المتعلقة بالكتب المقدسة عند النصارى رافد من روافد الهيرمونطيقا الحديثة. فلدينا تيار نقدي أدبي يوناني، وتيار كنسي، وهذان التياران كانا منفصلين حتى زمن مارتن لوثر والذي سبب إشكالية كبيرة للكنيسة الكاثوليكية ولنفسه ولإتباعه، لأنه رفض أن يقبل سلطة الكنيسة على التأويل والتفسير، فأضطر أن يأتي بضوابط جديدة غير ضوابط سلطة الكنيسة، فخرجت أدبيات كثيرة عند البروتستانت تحاول أن تعتني بقوانين التأويل، فجمعت بين الجانب النقدي اليوناني والجانب الكنسي، وتطورت هذه المدرسة كجزء من المنظومة البروتستانتية المسيحية حتى وصلت إلى زمن فردريك شلاير ماخر في بداية القرن التاسع عشر في 1805م و1806م، وفردريك شلاير ماخر كان متأثرا بإيمانويل كانط ، وكان السؤال الرئيسي عند كانط هو، كيف يكون العلم ممكنا؟ وفردريك شلاير ماخر سأل سؤالا مشابه فقال، كيف يكون الفهم ممكنا؟ أي فهم النص، وخرج بأول نظرية عامة للتأويل أو التفسير والتي جمعت وفاقت خلاصة ما وصلت إليه الهيرمونطيقا التي تتعامل مع المقدس، والهيرمونطيقا التي تتعامل مع الكتب غير المقدسة، فجمع فردريك شلاير ماخر هذين الاتجاهين في بمنظومة فلسفية، ومنذ تلك اللحظة صارت الهيرمونطيقا فرع من الفلسفة. وسبب تعرضي لهذا التاريخ الغريب لهذا العلم هو التنبيه على مصادره، فأنا اعتقد واجزم أن اللاهوت وكثيرا من أفكار اليونان عن المعنى والأدب ما زال كامنا في الهيرمونطيقا الفلسفية، ولذلك من يريد أن يستعين بالهيرمونطيقا في تفسير القرآن، عليه أن يعلم أنه يستعين بمنظومة لها تاريخ كنسي وهلنستي واضح، لا ضير في التأثير والتأثر، فلا أقول أنه يجب أن نرفض كل ما هو آخر، لكن في نفس الوقت يجب أن نعرف ماذا نستورد، ومع معرفتي بخلفية الهيرمونطيقا كنت اعتقد كغيري من الناس، أنها قد تنفعنا في تجديد الخطاب الإسلامي، لأنها من الممكن أن تعطينا منهجيات وآليات جديدة للتعامل مع القرآن والسنة، وهذا ما حصل لأمثال نصر حامد أبو زيد في كتاباته مثلا عن مفهوم النص، وفي كتابه عن الإمام الشافعي، وكذلك حصل لفضل الرحمن الباكستاني، ولمحمد أركون الجزائري الفرنسي، فإعجابهم بالهرمونطيقا جعلهم يسلطونها على نصوص هذه الأمة بشكل فيه ظلم كبير لهذه النصوص وفيه أخطاء ونتائج ليست بالمحمودة، واعتقد أن السبب في ذلك هو تاريخ وفرضيات هذا العلم الأولى. وكنت معجبا بهذا الفرع من العلم، فدرسته عن كثب ولسنوات طويلة، لكن الذي حصل هو أنني كنت محظوظا بأن سندي في هذا العلم أو سندي في الكفريات كان عاليا، بمعنى أني تعلمت على أيدي تلامذة غادامير وتعلمت على أيدي تلامذة إيمليو بتي، فلم تكن قراءة سطحية، بل ذهبت إلى هايدن برج بألمانيا لزيارة هنس غادامير، وتناقشت مع غادامير في عدة مسائل، وانتقلت إلى روما وعملت في مكتبة إيمليو بتي لمدة سنتين، وكنت سكرتيرا لمؤسسة إيمليو بتي للتأويل. والخلاصة التي وصلت إليها، أن هذه المنظومة خليط، فيها النافع وفيها الضار، والضار أكثر من النافع، خاصة في مدرسة هانس غادامير لأنها تخلت عن المنهجية أصلا، فكتاب غادامير المنهج والحقيقة خلاصته، أن فكرة المفسر يتبع منهجا للوصول إلى الحقائق هي فكرة خاطئة، لأنه يعتقد أن اللغة نفسها هي التي تنتج الفهوم عند القارئ، وكأنها نوع من الروحانية اللغوية، وهي شبيهة بإنكار هيجل في فلولوجيا الروح، حيث يعتقد هيجل أن هذا الروح وهذا الفكر يتطور هكذا تلقائيا في ديالكتيك مستمر، حتى يصل إلى ان يعرف نفسه، فهانس غادامير عبارة عن صورة مختلفة لهيجل، كما أنه تأثر ايضا بهايدجر. فأنا اعتقد- يقول عارف- أن هذه الضبابية اللغوية الروحية لا تجدي شيئا في التعامل مع القرآن والسنة، لأنها تنكر فكرة المنهج من الأساس، وهذا فيه خطورة شديدة، لأن فكرة العلوم الإسلامية قائمة على المنهجية، وأن هناك طرق وأسباب للمعرفة، وأن حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق، فهذه البنية الهيرمونطيقية لهانس غادامير تؤدي إلى اليأس من قدرة الإنسان للوصول إلى الحقائق من خلال إتباع المنهج، وقد خسرت وللآسف مدرسة إيمليو بتي المعركة عام 1962م، ومدرسة بتي أرقى من مدرسة غادامير وأسلم وفيها فوائد كثيرة، لأنها لا تقول بموت المؤلف وتحترم مقصده كما تقول المدرسة الفرنسية أو الألمانية، وهي تواصل مع مدرسة فيلهن دلتا الذي كان تلميذا لفردريك شلاير ماخر، وأُجهضت مدرسة بتي لأن غادامير تعامل معها بشكل استبدادي، ولم تنتج إلا مفكرا أمريكيا واحدا اسمه ايرك تي هرش والذي كتب كتابا في السبعينات يقول فيه أن التأويل قد يوصل إلى الحقائق. فوصلت إلى نتيجة أنه لا مناص من هيرمونطيقا إسلامية محضة، فشرعت في تركيب علم الإستفهام، أي طلب الفهم، وحاولت أن الملم من التراث الإسلامي من هنا ومن هناك، بمعنى لملمة عناصر لتركيبة جديدة تستطيع أن تقف أمام الهيرمونطيقا الغربية، واستغرق هذا سنوات ومازال المشروع مستمرا .

الفكرة الأساسية في نظرية الإستفهام الإسلامية يجب أن تنطلق من هذه المفارقة الكبيرة لما هو وحي، ولما هو نتيجة لإعمال الفكر الإنساني.

وتابع عارف حديثه عن بعض المحطات في مشروع مؤسسة الكلام بالقول: اعتقد جازما بأن أكبر مشكلة في الهيرمونطيقا الغربية هي أن هناك هيرمونطيقا عامة لكل شيء، أي أن هناك نظرية عامة للفهم يندرج تحتها كل أنواع النصوص، بينما النص المقدس حسب تعبيراتهم أو النص القرآني لا يمكن أن يُتعامل معه كأي نص آخر، فالنصوص ليست متساوية، وهذه فرضية للآسف يفترضها فردريك شلاير ماخر ، وهو في مخطوطاته عام 1806م يقول( كانت هيرمونطيقا المقدس تختص بالمقدس، وكانت هيرمونطيقا غير المقدس تختص بغير المقدس، ولكن من الآن فصاعدا هناك هيرمونطيقا واحدة تندرج تحتها كل النصوص) وهذه الفرضية تغلق تقبل الإنسان لتميز الوحي عن كل ما يأتي به العقل الإنساني، حتى عند بن سينا غفر الله له هناك فكرة أن الوحي درجة من درجات العقل، وهذا مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة من الماتريريدية والأشاعرة والحنابلة، إذ يقولون أن الوحي ظاهرة متميزة عن التعقل الفكري الإنساني، وليس درجة من درجات التعقل كما عند بن سينا في الأضحوية في المعاد وبعض فلاسفة الأفلاطونية الجديدة،وهذه الفكرة الحديثة عبارة عن امتداد لتلك الفكرة القديمة بأنه ليس هناك تميز للنبوة أصلا ولا للوحي ولا للموحى به، لذلك يسلطون نفس المنهجيات التي يسلطونها على النص الأدبي على الكتب المقدسة عندهم، وهو ما يُسمى عندهم بالمنهجية التاريخية النقدية، وهم يعترفون أن كتاباتهم التي بين أيديهم تغيرت وتبدلت وتحرفت على مدى قرون طويلة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن. لكن ذلك هو خلاف لما عند المسلمين بالنسبة للقرآن والسنة، ويجب أن لا نحصر الوحي في القرآن فقط، فالسنة أيضا وحي ، خلافا لما يقول به مدرسة القرآنيين، حيث أن أهل السنة والجماعة عند الإمام الشافعي في الرسالة ومن تبعهم من السادة العلماء يصرون بأن السنة أيضا وحي. فالفكرة الأساسية في نظرية الإستفهام الإسلامية يجب أن تنطلق من هذه المفارقة الكبيرة لما هو وحي، ولما هو نتيجة لإعمال الفكر الإنساني، ويجب أن لا يُعامل النص القرآني بالمنهجيات التي يُعامل بها النص الأدبي أو الشعري أو المسرحي. فالجمع بين المنقول والمعقول عَمِل عليه الفلاسفة كما عند بن رشد في فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، وعمل عليه السادة الأشاعرة في عدة كتب منها، الإنصاف والتمهيد، وكتابات الإمام الغزالي والرازي، وعمل عليها الحنابلة مثل بن تيمية في الجمع بين صحيح المنقول وصريح المعقول، وعمل عليه الماتريدية في كتاب التوحيد وتوارث الأدلة للإمام النسفي، وغيرهم. هذا المشروع أي الجمع بين المنقول والمعقول، لا يجب بأي حال من الأحوال أن ينتج تسلط المعقول على المنقول، ولا تسلط العقل على الوحي، وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه كثير من فلاسفة الإسلام، وأيضا المدرسة الاعتزالية، فالشرع أمر بالتعقل وشجع على التفكر، ولكن باحترام الوحي وتحت رعايته وهدايته، فالعقل عند المسلمين عقل اتبع هداه لا عقل اتبع هواه كما يقول الإمام التفتازاني ، فلابد من هداية ووحي يقود للعقل، أو ما يسميه الإمام أبو الحارث المحاسبي العقل عن الله، فمشروع بناء بديل للهيرمونطيقا الغربية بدأ عندي بهذه المفارقة، وساعدني في هذا كثير من كتب العلماء، منهم أبو الحارث المحاسبي في كتابه (ماهية العقل) والإمام الغزالي في كتابه(إحياء علوم الدين) باب العلم، وكتاب (آداب التلاوة) للإمام الغزالي، وكتاب (آداب حملة القرآن للإمام النووي، وكتاب (أخلاق العلماء) للإمام الآجري، فكل هذه الكتب تقود إلى أخلاقيات تلقي النص الديني، وتختلف تماما عن أخلاقيات التلقي الفلسفي أو العقلي المجرد، وهي تتسم بالتقى والافتقار والاستكانة إلى الله، فالفهم ليس عملية فكرية عقلية مجردة بمعنى العقل اليوناني، ولكنه العقل كفعل من أفعال القلب، حيث أن مناط الفهم هو القلب السليم الذي يعقل عن الله حسب مصطلح المحاسبي، هذه النظرة تثبت فرقا شاسعا بين المنحى الإسلامي في التعامل مع النصوص والمنحى الغربي في الهيرمونطيقا الغربية.

الرد على المنطقيين لابن تيمية، يعتبر أفضل كتاب في الرد على المنطقيين، لأنه منطق رواقي مضاد لمنطق أرسطو طاليس.

وأشار عارف إلى أنه كأي مسلم آخر حاول أن يبحث عن المنطق الإسلامي، كما فعل سامي نشار وتلك المدرسة التي ينتمي إليها، بحثت في علم أصول الفقه خاصة ما يتعلق بالدلالة، فنظرت في المحصول لعلم الأصول للإمام الرازي، لعلي أجد منهجية للفهم في كتب أصول الفقه، ولقد وجدت هذه المنهجية ولكنها منهجية فقهية صرفة، فوجدت ما يعين على بناء هذه المنهجية في علم الكلام، خاصة ما يتعلق بالنظر في بدايات كتاب التمهيد والإنصاف للإمام الباقلاني، فالنظر في الظواهر وما هو معلوم للوصول لما هو غائب، وشروط النظر الصحيح، والفرق بين النظر الصحيح والنظر السقيم، فهذه المنهجيات المذكورة في كتب علم الكلام مهم جدا أن تُضم إلى أبواب الدلالة في علم أصول الفقه، ووجدت أيضا ما يعين على بناء هذه المنهجية في شروح المنطق عند المسلمين، خاصة في كتب الإمام الغزالي، ككتاب معيار العلم وكتاب القسطاس المستقيم ومدخل المستصفى، وحتى في كتاب الرد على المنطقيين لابن تيمية، وهو يعتبر أفضل كتاب في الرد على المنطقيين، لأنه منطق رواقي مضاد لمنطق أرسطو طاليس، وهناك أبواب مهمة في علم المنطق، خاصة في الحواشي المتأخرة، كحواشي الشمسية وحواشي السلم المرونق، وكثير من الناس يعتقدون أن الحواشي والمتون ظاهرة مرضية، وتنتمي إلى ما يسمى بالعصور المظلمة في تاريخ الفكر الإسلامي، وهذه نظرية باطلة ومجحفة، فالشروح على السكاكي والتلخيص للقزويني، بها نظريات متكاملة عن الفرق بين الخبر والإنشاء تضاهي ما جاء في الفلسفة الغربية عند جون أوستن في نظرية الأفعال الكلامية، وتضاهي ما جاء به سيرل تلميذ أوستن، وتضاهي ما يسمى بعلم البرجمتكس الآن، وهي علوم تتعلق بالمساجلات والنشاطات اللغوية، فاستفدت من كل هذه الحواشي المتأخرة، إلا أنني كنت أشعر أن هناك شيئا مفقودا، وأن هذه المنهجيات تفتقد إلى شيء، حتى وصلت بفضل المولى عز وجل، وبإرشاد من إنسان بسيط جدا اسمه الشيخ مفتاح بن علي من قبيلة الزيادات في ورفلة، إذ سألته مرة، كيف يعيش الإنسان حياة إسلامية صحيحة وعلى هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، فأجاب بإجابة بسيطة جدا وقال لي( شوف يا عروفه، وين ما فيه حن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم) بمعنى حيثما وجدت رحمة، وجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت هذه العبارة فاصلة في حياتي، لأنه منذ ذلك الوقت عرفت الفرق بين ابستمولوجيا الغرب ونظرية المعرفة الإسلامية، لأن العلم في الإسلام رحمة، عطيةٌ من الله عز وجل، فالعلم ليس نشاطا ذهنيا وإنما هو منحة ربانية. والسر في منهجية الفهم في الإسلام في الحديث الشريف المسلسل بالأولية، وسُمي بهذا الاسم، لأنه عادة أول حديث يسمعه الطالب من شيخه في الحديث، وقد أخذت هذا الحديث من عدة مشايخ منهم، سيدي محمد العلوي المالكي رحمه الله، وسيدي على جمعة مفتي الديار المصرية حفظه الله، والحديث يقول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) وهناك حديث آخر يقول ( من لا يرحم لا يُرحم ) فأنت عندما تريد أن تفهم، فأنت تريد أن تُرحم، لأن الفهم رحمة، وهذا يعني أنك لن تستطيع أن تفهم إلا بأن ترحم، فهناك وصلة عجيبة بين الأخلاق وبين المعرفة في الإسلام، لانفصل بين الابستومولوجيا وبين الاكسيولوجيا كما يفعل الغرب ( واتقوا الله ويعلمكم الله )( الرحمن علم القرآن ) فعندما يتحقق الإنسان بأن الفهم رحمة، فستختلف منهجية الفهم والتي ستصبح صدقات، هشاشة وبشاشة، تيسير، معاملة الناس بالحسنى، حسن معاملة الزوجة والأطفال، وعندما تمسح على رأس يتيم، فأنت تفتح لنفسك باب من أبواب الفهم. يُقال أن بن رشد كان يغار من ولي صالح اسمه السبتي، وهو من الرجال السبعة في مراكش، فأرسل بن رشد جاسوسا من طلبته يتجسس على السبتي، لمعرفة سبب استجابة دعاء السبتي، فرجع الجاسوس وقال لابن رشد، لم أجد له كثير دعاء أو ذكر، ولكني وجدته كلما أتاه شخص يطلب الدعاء فيقول له، اذهب وتصدق، فيدعو له، فيُستجاب الدعاء، فقال بن رشد، ذلك رجل عرف أن الوجود ينفعل بالجود، أي أن الكرم وحسن الخلق والرحمة مؤثرة في الوجود لا على مستوى المعرفة فقط، ولكن في الوجود أصلا. وعندما سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها عن خلق رسول الله عليه وسلم، قالت، كان خلقه القرآن، فلاحظ كيف يتحقق نص في كيان شخص، هذا ليس موجود في الهيرمونطيقا الغربية، هذا الفهم الذي يتحول إلى تحقق وإلى رحمة من رحمات الله في خُلق، وهناك من العلوم في الإسلام ما يساعد على ذلك، كعلم القلوب عند السادة الصوفية، وأقصد بهم أساطين الصوفية الذين هم على السنية الحقيقية، كسيدي عبد القادر الجيلاني، وسيدي أحمد البدوي، وسيدي أحمد الرفاعي في كتاب البرهان المؤيد، وفي كتاب النظام الخاص لأهل الاختصاص وكتاب حال أهل الله، وكتب الإمام المحاسبي، كالوصايا، وكتاب الرعاية لحقوق الله، وأبو طالب المكي في قوت القلوب، فهذه الكتب مليئة بإرشادات ونصائح بكيفية التحقق بهذا التراحم، والذي يؤدي إلى أن يُرحم الإنسان بالفهم، فالنور الذي يقذفه الله في القلب والذي تحدث عنه الإمام مالك في تعريفه للعلم، واشار إليه الإمام الغزالي في المنقذ من الضلال عندما قال (أنه لم يخرجه من تلبيس السفسطة وإنكار الحقائق إلا نور يقذفه الله في القلب)، ومثلما نأخذ بالأسباب في الاسترزاق الحسي، فهناك أسباب لاستقبال الرزق المعنوي، بما في ذلك الفهم والرحمة الإلهية، ومن هذه الأسباب الرحمة والتراحم، فلا فصل بين التراحم والتفاهم.

اعتقد أن ما يحصل الآن للبابا من مشاكل كبيرة في تشويهه وتشويه سمعته وكنيسته له علاقة مباشرة بمحاولته الفاشلة تشويه المقام المحمدي.


كما قال عارف النايض: وصلت إلى قناعة، أن هذا المشروع أكبر من إمكانياتي وبسبب ذنوبي وتقصيري وشكوكي وأوهامي، أنني لست قادرا على إكمال هذا المشروع أو على الأقل توسيع هذا المشروع، فاتجهت للعمل الجماعي، وكان سبب هذا الاتجاه الجماعي محاضرة للبابا بندكتس السادس عشر في ألمانيا، حيث حاول فيها أن يتجنى على مقام المصطفى صلى الله عليه وسلم بطريقة غير مباشرة بكلامه عن الأمبراور البزنطي، واعتقد أن ما يحصل الآن للبابا من مشاكل كبيرة في تشويهه وتشويه سمعته وكنيسته له علاقة مباشرة بمحاولته الفاشلة تشويه المقام المحمدي، وازعجتني محاضرته كثيرا، أذكر أنها جاءت قبيل شهر رمضان، وكنت في زيارة لمقام سيدي سليمان الفيتوري بطرابلس( وأنا ممن يزور مقامات الأولياء، وأقول بذلك، وأجد فيه الخير الكثير والحمد لله- يقول عارف-) وقرأت حزب النصر للإمام الشاذلي بنية أن ينصر الله الإسلام والمسلمين على هذه الأكاذيب التي طُرحت في ألمانيا، فالهمني الباري عز وجل أن اتفرغ بدلا من صلاة التروايح لكتابة رد على البابا، وكان فيه توفيق إلهي وانتشر وتُرجم لست لغات، وفرح به كثير من المسلمينن وممن فرح بهذا الرد الأمير غازي بن محمد من الأردن، فدعاني الأمير بواسطة صديق، وقال لي، (نحن عندنا مشروع لكتابة رد جماعي على البابا، واريد منك أن تساهم فيه) فوقعت على الرسالة التي وُقعت من علماء المسلمين كخادم لهؤلاء العلماء. وبعد سنة لم يرد البابا على خطاب المسلمين، فوقعت على رسالة أخرى اسمها كلمة سواء، وكنت جزء من فريق العمل الذي كتب كلمة سواء، حيث وقع مائتا بروتستانتي بالاعتذار للمسلمين عن الحروب الصليبية، وعن تجاوزات الحرب على الارهاب ضد المسلمين في أمريكا، ونشروا ذلك في جريدة النيويورك تايمز ردا على رسالة كلمة سواء،وهناك أكثر من أربعمائة رد على رسالة كلمة سواء من بعض الكنائس، إلا أن البعض لام علينا عدم مقاطعة البابا منهم الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، وشرحنا للشيخ يوسف، أنه عندما ذهبت إلى روما وكان هناك مؤتمرا صحفيا، وشرحنا فيه للصحافة بأن من يقاطع له الحق، ولكننا نخاطب البابا المرة تلو الأخرى، لا من باب محاولة إرضائه أو التسامح معه، بل من باب أن الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتبليغ وإيصال رسالة الإسلام، وان نصل من قطعنا ونعفو عمن ظلمنا، لذلك فنحن نرد ونكتب، مع احترامنا لمن يقول بالمقاطعة، وشرحت ذلك للشيخ يوسف عندما دُعيت لمؤتمر مكة بسبب موضوع الحوار، ومن خلال كلمة سواء تعرفت على الإمام الشيخ علي جمعة، والشيخ نوح القضاة مفتي الديار الأردنية، والشيخ عبد الله بن بيه من موريتانيا، والشيخ حبيب عمر بن عبد الحفيظ، والشيخ علي الجفري من اليمن، والشيخ عمرو خالد من مصر، وبدأت اكتشف من خلال هؤلاء السادة وتلاميذهم أن هناك حلقات من الناس تبحث في مثل ما ابحث عنه، وأنا على صلة بطلبة الشيخ الحبيب عمر والشيخ علي جمعة والشيخ البوطي من سوريا والمفتي مصطفى تشارش من بوسنيا، فأصبح العمل جماعيا، وقد أرهقني موضوع التنسيق بين كل هذه المؤسسات بما في ذلك جمعية الدعوة الإسلامية بليبيا التي يرأسها الدكتور محمد أحمد الشريف، وايضا مجموعة من المشايخ بمدرسة عثمان باشا الساقزلي بطرابلس، وهي مدرسة جُددت حديثا من أربع سنوات، وفيها تُدرس العقيدة على الطريقة الأشعرية، والفقه على رسالة أبي زيد القيرواني، وفي الحديث الشريف مختصر ابن أبي جمرة، فتطلب التنسيق مع كل هذه الشبكة وجود مؤسسة تعتني بذلك، فاسست وبوقف شخصي- لأني ما زلت أدير مجموعة شركات، يقول عارف- مركز دراسات صغير جدا يتكون من غرفة واحدة في دبي بقرية المعرفة، يُسمى مؤسسة كلام للبحوث والإعلام، وسُميت كلام، لأنها تعني بتجديد علم الكلام بالمعنى الواسع لعلم الكلام، وهو علم يعتني بإعادة التعبير عن حقائق الإسلام وتجديد الخطاب الإسلامي، وبموضوع الحوار مع الآخر، بحيث يستطيع الإسلام أن يعبر عن حقائقه كما في زمن الماتريدي والاشعري، هذه المؤسسة الآن في تواصل مع دار الإفتاء المصرية ومع الأزهر الشريف، وتنسيق مع جامعة برنستن، ومع كلية الإلهيات بجامعة يل، وجامعة كمبردج، حيث أعمل مستشار بكلية الإلهيات، ونحن على تواصل مع أهل اللاهوت المسيحي، ومع كثير من الفلاسفة سواء من المدرسة الهيرمونطيقية من أمثال بروفسور جيك ميتشل، وأيضا الفلاسفة الأنجلوسكسونيين ، ودخلنا في تعاون مع مؤسسة جون تمبل التي تعني بالتحليل اللغوي، ولدينا صداقات في تركيا مع جامعة مرمرة كلية الإلهيات،التي بها الأستاذ بيكر كارلجه والذي يتعاون معنا.

أحسست بضرورة التواصل مع كافة المدارس، لا بروح الندية، بل بروح التتلمذ على الجميع.

وختم عارف النايض محاضرته بالقول: عندما دعاني سيدي الدكتور نجيب الحصادي إلى هذا المهرجان، أعلم أنه يضم كثيرا من الأطياف، ويضم أناسا قد لا يكون الاتجاه الديني هو الغالب على فكرهم، لكنني أحسست بضرورة التواصل مع كافة المدارس، لا بروح الندية، بل بروح التتلمذ على الجميع. إن الباري تعالى والمصطفى صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نرى الآيات في كل شيء، في الآفاق وفي الأنفس، ومن الأنفس البشر بكافة أطيافهم، فاحترام الآخر لا يأتي على المستوى الفكري، بل يأتي على مستوى الكيان البشري، لأن كل إنسان يحمل الفطرة الأصلية، ويحمل بلى التي قيلت قبل أن تكون العوالم( ألست بربكم، قالوا بلى) فتلك البلى التي في كل إنسان جديرة بالاحترام والتقدير، وهي التي تحفز الإنسان للبحث عن الحق والخير والجمال والرحمة والود، والكل في شوق للبحث عن الرحمة الإلهية، لأن المولى عز وجل أرسل رحمة مهداة، بكتاب هدى ورحمة يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، ويطلب من الإنسان المرحمة، وأن يتراحم مع أخيه الإنسان، فمؤسسة الكلام لها تواصل مع المؤسسات الأخرى، ولنا لقاء نهاية شهر إبريل عن الإمام الغزالي عن كتاب فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، سيأتيه شيرمن جاكسون من أمريكا، عبد الحكيم مراد من بريطانيا، عدلي ساكي من ماليزيا، سعيد اوزفيرل من تركيا، وأسامة السيد من مصر، الذي أقصده أنه يمكن للمسلمين أن يتساندوا وأن لا تنحصر هذه المساندة بين أصحاب المدرسة الواحدة، وإنما تتعدى لجميع الأطياف، حيث كان معنا في مبادرة كلمة سواء من السادة الإباضية والسادة الأثنى عشرية(آية الله داماد) وكان معنا من السادة الإسماعيلية، والأغلب كانوا من أهل السنة والجماعة من السادة الأشاعرة والماتريدية والحنابلة. يعتقد الناس أن أزمة هذه الأمة مادية أو أزمة قوة أو أزمة سياسية، لكني أعتقد أن أزمة هذه الأمة هي أزمة الرحمة، فالقسوة موجودة بين الحاكم والمحكوم، بين الزوج والزوجة، بين الطالب والمعلم، بين الناس في الشارع، وهذه الرحمة لا تتأتى إلا بالافتقار إلى الله، يقول بن عطاء الله السكندري( إلهي أنا الفقير في غنايا، فكيف لا أكون فقيرا في فقري، إلهي أنا الجهول في علمي، فكيف لا أكون جهولا في جهلي) ويقول سيدي أحمد الرفاعي ( طريقتنا طريقة العجز والانكسار)، ما يحدث الآن للأمة من عذابات وآلام واستبداد وأحزان تتقطع لها القلوب، تقيم هذه الأمة في مقام مهم وهو مقام الانكسار، ولعل الباري عز وجل يمتحننا بهذه الامتحانات لننكسر ولنتواضع ولنطلب المدد منه، ولنطلب وساطة المصطفى صلى الله عليه وسلم شفيع هذه الأمة.

الككلي: أريد إجابة صريحة من الدكتور عارف، وهو مدى اقتناعه بالحرية الفكرية؟

فتح نجيب الحصادي الباب للنقاش، فقال عمر الككلي : في الحقيقة أنا اغبط الدكتور عارف على المستوى الشخصي على ما أُتيح له من فرص، وأغبطه أيضا على هذا العمق المعرفي وهذه الإحاطة الواسعة.
وأضاف: لي استفساران، الأول معرفي، حيث أن الدكتور عارف تكلم عن الفهم والرحمة، فهل لهذه النقطة علاقة بالغنوصية المعرفية؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فكيف سُوي هذا الخلاف التقليدي بين الفقهاء والمتصوفة؟.
وختم الككلي : سؤالي الآخر ليس معرفيا، لكنني أريد إجابة صريحة من الدكتور عارف، وهو مدى اقتناعه بالحرية الفكرية؟ وإلى أي حد يتقبل الدكتور عارف الآخر؟ وهل لديه خطوط حمراء في موضوع الحرية الفكرية؟.
قال محسن البناني : أؤكد أن القرآن وحد، كما قال بن رشد تناسبت فيه الدعوة مع المعجز، فكل الرسل كانت معجزاتهم من خارج دعواتهم.
وأضاف: كما أن في القرآن تناسب داخل التناسب، أي تناسب داخل الآيات.

سالم ابريك هابيل: حُطمت مدرسة الاعتزال بالكامل ووصلت عائلات من المعتزلة إلى درنة.

قال سالم ابريك هابيل: لقد استمتعت كثيرا بما سمعت، وأبدي كثيرا من الإعجاب لهذه الخلطة المعرفية بين الشرق والغرب، والدكتور عارف منحاز للفكر الديني، وهذا يجعل الدخول معه في حوار أو الوصول لاتفاق معه أمر صعب، وأتفق معه بصعوبة الوصول إلى نظرية عامة معرفية لكل شيء، وهناك مشروع يطرحه عارف لفهم المنظومة الدينية العربية المعقدة جدا، لكنه نسي مدرسة ضخمة وعظيمة، شُتت وأُزيلت بالكامل من الفكر العربي، وهي مدرسة المعتزلة، وهم مثقفون عرب ببغداد والبصرة حاولوا أن ينقذوا العرب من سيطرة الفكر الديني، وقالوا أن القرآن مجرد كلام مخلوق لعصره وأوانه، فحطمت مدرسة الاعتزال بالكامل ووصلت عائلات من المعتزلة إلى درنه.
وأضاف : أن القرآن ليس كلام الله، بل هو كلام لوقته ولعصره ولأمته العربية، ولا يخصنا نحن كليبيين.

المالكي : هل توقف مشروع الاستفهام ؟

أشار عبد الحكيم المالكي : إلى أنه لاحظ على المستوى النقدي، أن هناك تحول من العمل الفردي إلى العمل المؤسساتي، فسؤالي هل توقف مشروع الاستفهام ؟ لأنه بدخولك للمؤسسات كالأزهر الشريف مع احترامي له وجمعية الدعوة الإسلامية، فهذه المؤسسات اعتقد- يقول المالكي- إنها بعيدة عن السؤال الاستفهامي الذي تتحدث عنه.
وختم : ألا تفكر باعتبارك مطلع على هذه العلوم، أن تمارس كتابة نقدية تقدم من خلالها هذه العلوم؟ لأننا محتاجون لها.

الشويهدي : كيف تحاور الآخر الديني وهو لا يعترف بك كدين سماوي؟ فالحوار مفقود.

قال سمير الشويهدي: لدي استفسار، وهي أن مسألة التأويل يجب أن تكون محاولة للخلاص الفردي، وعندما سمعتك تتحدث عن مسيرتك التي خضتها، كنت معجبا أنك تعمل على الصعيد الفردي، فالدخول للمسألة الجماعية له محاذيره الكثيرة، وخاصة ارتباطها بالمؤسسات التي تخص الدول، لأن لها توجهات، أيضا كيف تحاور الآخر الديني وهو لا يعترف بك كدين سماوي؟ فالحوار مفقود.

أعتيقة : الاقتراب من الهم السياسي بالدرجة الأولى محظور.

من جهته أشار د. جمعة أعتيقة : إلى أن الدكتور عارف بدا بداية جيدة، وتناول المسألة المعرفية، وحاول أن يحدد موقفه منها، لكن أرجو أن لا يكون هو ومن معه قد وقع في أسر المؤسسات التي خُلقت أو تُخلق بطرائق عدة لصرف التوجه الفكري والاستفهامي والمعرفي والثقافي لملامسة الواقع ولمعالجة قضاياه وللجدل معه والاشتباك معهن فتتحول إلى مؤسسات دراسات معرفية رغم أهميتها، إلا أنها ليست تنويرية، بمعنى أن الفكر التنويري يهتم بتفاصيل الواقع وبهموم الناس بالدرجة الأولى، ثم يرتقي بها إلى التأصيل المعرفي، ويقودها من أجل تحقيق أهداف كبرى سياسية.
وقال: نحن نجد في منطقتنا العربية عموما، أن الاقتراب من الهم السياسي بالدرجة الأولى محظور، لكن هناك تفريغات كثيرا ما تأخذ هذا الشكل من المؤسساتية، والتي ربما تكون في النهاية نوع من صرف الجهود عن الهدف الذي من المفروض أن يكون لدى الجميع.
قال علي اللافي : أتمنى أن يتناول مشروعك كيفية وصول السادة الصوفية للذوق وللكشف الذي وصلوا إليه على المستوى الفردي.

قاطش : قال عائض القرني في أحد مقالاته، ليس هناك في الدين لا بابا ولا ماما.

نوه هشام قاطش : إلى أن أوروبا تقدمت عندما تخلت عن الدين المحرف، لأنه بالنسبة لهم مناف للعقل، لكن لدينا بعض بني جلدتنا يريدون تطبيق ما حدث في أوروبا على العالم الإسلامي، بمعنى التخلي عن الدين، ويقولون انظروا إلى ماليزيا، عندما فرضت الفكر العلماني تقدمت، وأصبحت عاشر دولة صناعية، فسؤالي هو كيف نصل للنهضة مع تطبيق الشريعة الإسلامية؟
وأضاف: أنه لا يوجد رجال دين في الإسلام،حيث قال عائض القرني في أحد مقالاته، ليس هناك في الدين لا بابا ولا ماما.

الكريمي : العرب لم يسيروا على النهج الإسلامي الصحيح.

وطرح سليمان الكريمي على الدكتور عارف سؤالا وهو: أن الفلاسفة العرب لم يسيروا على النهج الإسلامي الصحيح، فتكلموا عن أزلية العالم، ووحدة الوجود، وأن الله يعلم بالجزئيات ولا يعلم بالكليات، فما هو موقفك من أفكار الفلاسفة العرب؟

الشلوي : ابن رشد أول من علمن الفكر في الإسلام.

وقال هشام الشلوي: الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه تجديد المنهج وتقويم التراث قال، بأن ابن رشد أول من علمن الفكر في الإسلام، وان حقيقة كتابه، فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، يجب أن يكون، فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الانفصال، فما رأي الدكتور عارف في هذا الطرح؟

سالمه: الدكتور عارف لامس كبد الوجع عندما تحدث عن الرحمة ونقيضها القسوة.

وأكدت سالمه المدني: أنه لا تفهم في الفلسفة وان كثيرا من المصطلحات التي قيلت لا تعرف معناها، ولكن الدكتور عارف- قالت سالمه- لامس كبد الوجع عندما تحدث عن الرحمة ونقيضها القسوة، ولعل معانتنا كبشر أننا صرنا نفتخر بالقسوة والغلظة والتهميش حد التحقير، فلعل الدكتور عارف حرك هذا الساكن بحديثه عن الرحمة.

بورواق: فنحب أن نعرف منه جدوى النشاط بين المؤسسات والعمل الفردي.

وقال عبد الفتاح بورواق: الدكتور عارف خاض النشاط الفردي واخترق المؤسسات، فنحب أن نعرف منه جدوى النشاط بين المؤسسات والعمل الفردي.

الحاسي: طوائف وعلماء من أهل السنة والجماعة ليس لهم دور.

بينما أشار شكري الحاسي : إلى أن عظماء الإسلام الأوائل كالإمام الرازي وغيرهم أدركوا وقالوا، مثل الإمام أبو بكر بن العربي عندما تحدث عن الإمام الغزالي في قضية الفلسفة وقال، دخل شيخنا بطن الفلسفة ولم يستطع الخروج منها، وكذلك الإمام الرازي عند موته عندما قال، هأنا أموت على عقيدة جدتي، فهل يستطيع المثقفون الذين لا دراية لهم بالعلوم الشرعية أن يتجنبوا الوقوع في هذه المشاكل؟ كذلك ارى تركيز الدكتور عارف على نوعية واحدة من الخطاب الديني، وهذه من ضمن الإشكاليات التي عانتها أغلب البلاد العربية وخاصة عندنا في ليبيا، وهي عدم فتح باب الحريات، وخلق مؤسسات حقيقية، وإعطاء دور للعلماء، وأن لا يقتصر الأمر على نوعية من العلماء ترغب الدولة في إعطاء دور لهم، لأنني أرى أن طوائف وعلماء من أهل السنة والجماعة ليس لهم دور، وأن الدور للمدرسة الصوفية في الدولة.

منصور: نرى حربا بين كافة الطوائف كالسلفية والصوفية والجهادية.

بينما قال منصور عاطف: ذكرت د عارف أن الكلمة التي وجهتموها للبابا كانت تحت عنوان كلمة سواء، فهل بالإمكان أن تكون لنا كلمة سواء في ليبيا؟ حيث نرى حربا بين كافة الطوائف كالسلفية والصوفية والجهادية، إذ أن اختلاف العلماء سبب الكثير من المشاكل للأمة.

الحصادي: العلمانية كانت أسلم وأفضل لأوروبا.

ومن جهته قال منصور الحصادي: القرآن أعلن وبكل صراحة أن لا خطوط حمراء،( لكم دينكم ولي دين)( لا إكراه في الدين)، واود أن اسمع رأي الدكتور في أن العلمانية كانت أسلم وأفضل لأوروبا، حيث أنقذت فرنسا نفسها وأنقذتنا معها من الفكر الديني، فهل هذا صحيح؟

الماقني: هذه الدعوة الرائعة أحالتنا إلى دعاة، ولدينا الكثير منهم، لكن عندنا القليل من الفلاسفة.

وكان أخر المتحدثين نوري الماقني الذي قال : أحي الدكتور عارف على دعوته إلى الأخلاق لإنجاز مشروع معرفي، واتمنى أن ينجح في ذلك، مع اعتقادي عدم إمكانية ذلك- يقول الماقني- وهل قفله لباب التأويل كما فعل الغزالي في قفله باب الاجتهاد هو في صالح الدلالة لإنتاج معنى وحيد، ولصالح العلامة للإحالة على شهادة معينة؟ كما اتمنى أن أرى الدكتور عارف الفيلسوف، لأن هذه الدعوة الرائعة أحالتنا إلى دعاة، ولدينا الكثير منهم، لكن عندنا القليل من الفلاسفة.
قال نجيب الحصادي في نهاية المداخلات : على عارف أن ينتقي من الأسئلة ليجيب عنها خلال ثمان دقائق وهي كل ما تبقى من وقت.
رد عارف بالقول: هناك دعاء علمني إياه شيخ، وهو يا حي اطوي لنا الأرض طي، فأتمنى أن يطوي لنا الله المسافات في ثمان دقائق.

عارف: أقوالها الشريعة، أفعالها الطريقة، أحوالها الحقيقة، مددها عناية.

ثم قال: بالنسبة لسؤال الككلي، فإنه في تاريخ الأمة ولا شك صراع بين بعض الفقهاء والمتصوفة، ولكن هناك أيضا منحىً أصيلاً في تاريخ هذه الأمة يجمع ما بين الفقه والتصوف، وهذا المنحى قديم منذ مدرسة خراسان وفروعها، ومدرسة بغداد خاصة مدرسة الجنيد البغدادي، ومن كبار أعلام هذه المدرسة شيخ دُفن في مصراتة، وهو الشيخ احمد زروق رحمه الله والذي يرى الجمع بين الفقه والتصوف، وحتى هناك مدارس حديثة ترى هذا الرأي كالدرقاوية في المغرب وفروعها في سوريا، وكما يقول بن يلس في قصيدته( أقوالها الشريعة، أفعالها الطريقة، أحوالها الحقيقة، مددها عناية).
وأضاف: بالنسبة للغنوصية، فهي حركة معقدة جدا، كما أنها حركة غير إسلامية، فالغنوصية نصرانية والتصوف إسلامي، إلا أنه كانت هناك بعض فروع الغنوصية تعتمد على ما ذكرت بالنسبة للرحمة والفهم، وهذه الفكرة موجودة أيضا في نوع معين من الرهبنة المسيحية، مثلا عند اغسطينوس ، وعند سانت بون بونتورا في العصور الوسطى خاصة في كتابه ( طريق العقل إلى الله ) وكذلك يوجد مثل هذا في البوذية والهندوسية، وسبب هذا التشابه أن الفطرة الإنسانية واحدة، وأن المولى عز وجل خلق كل الخلائق وتجلى عليها وليس على المسلمين فقط، فكل هذه الأمم لها نصيب من رحمة الباري عز وجل. أما بالنسبة لمسألة الخطوط الحمراء، فقلب الإنسان بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، لا أحد يستطيع أن يسيطر على القلب، وهناك من الخلائق من يقول لا للإيمان حتى مع البلى الأصلية، لكن في نفس الوقت هناك خطوط حمراء بالمعنى الاجتماعي، فلو تصرف أحدنا بتصرف يتلف عما هو معهود في هذه المجامع، فسننزعج جميعا، فيجب على الإنسان أن يراعي الآخرين ومشاعرهم، هناك نوع من الثقافة تحاول أن تبدع -إن صح التعبير- بطريقة الصدمة للآخرين، وكأنها تفرح بكسر خاطر الآخر، أو أن تخالف المجتمع، فليس هناك خطوط حمراء في القلوب ولكن هناك خطوط حمراء في المجتمعات، نعم درجات هذه الخطوط قابلة للحوار والنقاش مع الآخر بآداب الحوار والمناظرة.
ورد عارف على البناني بالقول: كلامك عن التناسب في القرآن كلام جليل، ويتفق مع كلام الإمام الباقلاني والشريف الجرجاني في كتاباتهم عن أهمية النظم في القرآن.

من واجبي الشرعي أن أحذرك من الكفر البواح.

ورد عارف على هابيل بالقول: شكرا لتحيتك على هذه الخلطة، والتي اعتبرها سلطة أكثر منها خلطة وهي تسبب لي كثيرا من الصعوبات، وبالنسبة لما ذكرت عن المعتزلة، فأنا من الأشاعرة، وغمامي الأشعري رفض الاعتزال، وخرج منه، وخاصم المعتزلة، وأئمة مدرستي يخاصمون المعتزلة في كل عصر، وهم موجودون الآن، فنصر حامد أبو زيد شبيه بالاعتزال، وهناك فروع للاعتزال في اندونيسيا، لكني احترمهم رغم خلافي معهم، لأن منهم الزمخشري صاحب الكشاف، والجبائي وابنه، والجاحظ، والقاضي عبد الجبار، وهؤلاء أئمة أعلام كبار ردوا على النصارى والثنوية واليهود والملاحدة، نختلف معهم في مسألة خلق القرآن وإنكارهم للشفاعة وقولهم بعدم رؤية الباري عز وجل، ولكن الاحترام يبقى موجود واحترام السلم واجب شرعا. وأما قولك أن القرآن ليس كلام الله، فأرجو من المولى عز وجل أن يتوب علينا وعليك، لأن هذا الكلام من الكفر البواح والعياذ بالله، وقال بعض الأئمة الأعلام يُستتاب منه، وقال آخرون لا يُستتاب منه، فكن حذرا من هذه الألفاظ، فربما يقول الإنسان بكلمة لا يلقي لها بالا، والعياذ بالله تكون خطيرة، وقد قابلت كثيرا من الملاحدة وتناقشت معهم، وليس لدي مشكلة في الحوار مع أي ملحد، ولكن من واجبي الشرعي أن أحذرك من الكفر البواح.

عُرضت علي وظائف كثيرة في المؤسسات الإسلامية ولم التحق بأي منها.

وعلق على مداخلة المالكي قائلا: حذر المالكي من عواقب الانتقال من العمل الفردي إلى العمل المؤسساتي، وكذلك فعل أعتيقة وأخوان آخران ،فأنا-يقول عارف- عُرضت علي وظائف كثيرة في المؤسسات الإسلامية ولم التحق بأي منها، ولقد عملت مع جمعية الدعوة الإسلامية ومؤسسة آل البيت ودار الإفتاء المصرية بدون مقابل، ومع تواضع المؤسسة التي أسستها، إلا أن الغرفة الوحيدة التي عندي أفضل لي من مؤسسات أي دولة كانت سواء غربية أو شرقية، وأئمة الإسلام كانوا على نوع من الاستقلالية عن السلطان أو الدولة، فالإمام أبو حنيفة كان تاجرا، والإمام سحنون كان له زيتون، وأنا اشتغل بمقاولات الاتصالات والبنية التحتية المعلوماتية، ووكيل لشركة IBM وشركة NCR ، حتى لا اضطر للعمل في مؤسسات الدولة ، كما أنني على يقين بأن كل مؤسسة لها توجهات ولها مآرب، لكنني لست من القائلين بنظرية المؤامرة، واعمل مع تلك المؤسسات بقدر ما تتلاءم تلك المؤسسة مع الجزئية التي اعمل فيها، وفي نفس الوقت اعتقد أن اكبر أزمات الأمة الإسلامية هو فقدان القدرة على بناء المؤسسات، فقد كنا أمة مؤسسات، فالوقف الإسلامي كان مؤسسة عظيمة وتعطي رجل الدين استقلالية عن السلطان، وعندما أصبحت الأوقاف وزارات وأصبح الحاكم هو الذي يعين المفتي والإمام والقاضي، حصلت مشكلة كبيرة في المؤسسة الدينية الإسلامية، ونسأل المولى أن يعيد للأوقاف الإسلامية هيبتها، ولكن ذلك لا يتأتى بالهروب للفردية، أو البقاء في المكتبة الخاصة للشخص، حيث تضيع مجهودات الفرد بسبب عدم التواصل وعدم الأرشيف والتتابع والاستمرارية .
ورد على استفسار سمير الشويهدي: نعم الحوار مجدٍ مع من لا يعترف بنا، لأنه من واجبك الشرعي أن تبلغ حتى ولو لم يعترف بك، ومن خلال تجربتي الشخصية المحدودة، أقول أن الحوار مجدٍ مع البابا، إذ أنه في خطابه الثاني لم يسب المصطفى، وفي خطابه الثالث قال كلاما أجمل، والفائدة عن لم يسلم، على الأقل لم يؤذ، فقد يسمع شاب أوروبي كلاما محترما عن الإسلام فيقوده ذلك إلى قراءة جادة عن الإسلام أو الدخول فيه.
وعلق على مداخلة أعتيقة بالقول: نعم الدكتور جمعة محق، فهناك من السياسية ما هو محظور، ولكني لا أؤمن بالساسة الحزبية الجزئية، واعتقد أننا بحاجة إلى سياسة شرعية عامة تقود هذه الأمة لمبادئ هامة قد نكون نسيناها تحقق المقاصد الشرعية، وهي مما يجب أن يعتني به أهل الإسلام، وهذا هو جهدي وربما يستطيع غيري أن يعمل في السياسة الجزئية، ورحمة الله على الوالد حذرني منها كثيرا، فلا أدخل فيها.
وعقب على علي اللافي: أنا أؤمن بالوراثة المحمدية، ولكنها ماذا تعني؟ إنها تعني وراثة الرحمة والتراحم، فلا يصح أن يتخاصم صوفي مع آخر على مشيخة زاوية، ولا يصح لصوفي أن يكون قاسيا مع مريده، أو أن يتخذها محبة في الرئاسة أو التعيش، وقد أخذت عهد الصوفية على أكثر من شيخ وسندي فيه متصل، إلا أنني على دراية بكثير من تجاوزات من يدعي التصوف، وبكثير من الخرافات والترهات التي دخلت عليه، فتعريف التصوف عندي هو تعريف الإمام أحمد زروق عندما قال( التصوف هو صدق التوجه، فمن كان له نصيب من صدق التوجه كان له نصيب من التصوف) والتصوف هو علم الإحسان، والقطب من كان خادما لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل خادما للإنسانية، فالسيادة بالخدمة.

عندما أتى أتاتورك وحاول تطبيق علمانية منافية للدين، عذب الأتراك وعذبنا معهم، وفشل.

وقال تعليقا على كلام هشام قاطش: اعتقد أن أوروبا لم تتقدم لولا ثورتها على الكهنوت الكاثوليكي، حيث كانوا يحرقون الناس على الخلاف، أما خلاص أهل الإسلام فهو في الدين، ولكن أي دين، وبأي طريقة؟ فهل الدين تقتيل الأبرياء، والعبوس والغلظة مع الآخرين.
وأضاف أما بالنسبة لماليزيا : فهي مؤسسة على فكر مهاتير، وفكر مهاتير فكر إسلامي ، صحيح أنه فيه قومية ملاوية، لكنه فكر ديني ومهاتير مفكر إسلامي، وتركيا ليست ببعيد، عندما أتى أتاتورك وحاول تطبيق علمانية منافية للدين، عذب الأتراك وعذبنا معهم، وفشل، وببركة سيدي بديع الزمان النورسي، وببركة السادة النقشبندية، استطاعوا أن يعيدوا الإيمان والإسلام إلى تركيا، وهي الآن في مصاف الدول الإسلامية الكبيرة، ومنهجية الحكومة التركية فيها الخير الكثير، وما كان هذا ليتأتى لولا الحركة الإسلامية. أما بالنسبة لرجال الدين، فغير صحيح أنه لا يوجد في الإسلام رجال دين، صحيح أنه ليس عندنا كهنوت بالمعنى الكنسي، ولكن لدينا أناس تخصصهم في الدين، ومن طامات هذه الأمة القول بعدم وجود رجال دين وأن الإسلام مباح للجميع، فمثلا لو قلنا أن الطب علم إنساني ومباح للجميع أن يعمل الجراحات ويعالج الناس، لحدثت مشاكل كبيرة، وبالنسبة لكلام الشيخ عائض القرني الذي قال أنه في الإسلام لا يوجد بابا ولا ماما، فالشيخ نفسه ينتمي لشريحة معينة من رجال الدين، فضرب المؤسسات الدينية وعدم احترام العلماء من أسباب أزمات هذه الأمة.
وعقب على كلام سليمان الكريمي بالقول: الإمام الغزالي كفر مقولات فلسفية بعينها، لا أفراد معينين في كتابه تهافت الفلاسفة، لكن يجب أن لا نأخذ تهافت الفلاسفة على أنه تهافت لجميع أنواع الفلسفة، والإمام الغزالي نفسه في كتاب المنقذ من الضلال يستثني المنطق و ما هو من حقائق علم الطبيعة، وكتابات الإمام الغزالي ( محك النظر، معيار العلم، مقدمة المستصفى ) إنما هي تلخيصات لكتاب الشفاء لابن سينا وكتابات الفارابي، ولذلك لا ننكر فضل فلاسفة المسلمين حتى لو كفرنا بعض المسائل الفلسفية المعينة، والفلسفة اليوم خضم واسع فيها أشياء مفيدة، لا نستطيع أن ننكر فضل الناس، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، حتى ولو كان ذلك الشخص كافر، فنحن نجلس ونتبجح ونعادي الغرب ونحن نأخذ الدواء منه وكثير من الأشياء، فالإنسان يجب أن يكون عنده إنصاف.
وعلق على مداخلة هشام الشلوي بالقول: رأي الدكتور طه عبد الرحمن في ابن رشد كان فيه نوع من ردة الفعل، حيث هناك نوع من الرشدية في المغرب العربي متأثرة بالرشدية الغربية، ومحاولة إحياء بن رشد كفيلسوف عقلاني تنويري على نمط التنوير الغربي، فالدكتور طه يرد على هذا الاتجاه الرشدي، ولا يرد على بن رشد نفسه ومقاصده، وإن كان فعل-أي طه عبد الرحمن- فانا اختلف معه، فسيدي الوليد بن رشد الحفيد، فقيه وفيلسوف وقاض من قضاة المسلمين، ولا نستطيع أن نبدعه، كما اعتقد أن الدكتور طه عبد الرحمن يعتقد ذلك.
وأشار إلى ما قالته سالمه المدني: أرجو أن نتذكر أن الابتسامة صدقة، ومسألة أن يتعلق التدين بالعبوس مسألة عويصة جدا، إذ أصبح هناك نوع من التسنن الداعي إلى العبوس، وهذا دليل على عدم وجود حن أي رحمة.
وعقب على شكري الحاسي بالقول: كلام أبو بكر بن العربي عن الإمام الغزالي كلام معتبر، ولكن أحذر من كلام بعض الفقهاء في زمن المرابطين عن الإمام الغزالي، ولا ننسى أن أبا بكر بن العربي في كتابه قانون التأويل إنما هو موسع وناقل لرسالة قانون التأويل للإمام الغزالي، وهذه الرسالة لم تكن ممكنة لولا المنطق الفلسفي الذي أتى به الإمام الغزالي من طريق ابن سينا والفارابي، والمدرسة السلفية تحاول القول أن الإمام أبو بكر الرازي تاب، وكذلك فعل الإمام أبو الحسن الأشعري وكتب الإبانة، يحاولون أن يُتَوبوا الأشاعرة عن كلامهم ليرجعوهم إلى المدرسة السلفية، وهذا فيه تجني، فالغزالي والرازي من علماء هذه الأمة ولم يأمروا بحرق كتبهم أو إتلافها، بل يدرسوا هذه الكتب، وليس من العيب أن يلقى المرء ربه على إيمان العجائز، لكن ليس بمعنى أن ينفي جدية العمل الذي قام به طيلة حياته. وقولك- أي الحاسي- أني أركز على مدرسة واحدة، فأنا أشعري، مالكي، صوفي، وهذه هي المدرسة التي أمثلها ولا استطيع أن أتحدث بلسان آخر، وقد حاولت أن أبين أني احترم بن تيمية رحمة الله عليه، مع خلافي معه في كثير من المسائل، ولقد استفدت كثيرا من كتابه الرد على المنطقيين، بل وقرأت كل فتاوى بن تيمية، وقرأت منهاج السنة، وأما قضية أن الدولة تقرب الصوفية فقط، فهذا غير صحيح، فالدكتور الصادق الغرياني لديه منبر في الإذاعة والتليفزيون، والأخوان المسلمين عندهم أصوات مهمة جدا، حتى الجهاديين لم يُطلق سراحهم فقط،بل لديهم ندوات وكذا، واعتقد أنه على الجميع أن يعبر بما يستطيع بقدر محبته لله ولرسوله، وأن يحترم الآخرين.

نحتاج إلى سلام فيما بين كل الأصوات التي في داخلنا.

وعلق على منصور عاطف بالقول: نعم نحتاج إلى كلمة سواء في ليبيا، وحتى في بيوتنا بل نحتاج إلى كلمة سواء مع أنفسنا، ونحتاج إلى سلام فيما بين كل الأصوات التي في داخلنا، وهذا لا يتأتى إلا برحمة المولى وهداه، وبالرحمة المهداة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وأشار إلى تعليق منصور الحصادي بالقول: هناك نوعيات من العلمانية، فالعلمانية في الثورة الفرنسية كانت نوع بئيس من العلمانية، حيث حدثت مذابح عجيبة وغريبة، ولكن هناك العلمانية الإنجليزية والأمريكية فتحت أبوابا للناس للعيش بسلام بما في ذلك المسلمين، ولا ننسى أنه يعيش في أوروبا 20 مليون مسلم، ولذا يجب أن لا نحتقر كل صنوف العلمانية، بل يجب أن نتحاور معها، نتفق في نقاط ونختلف في أخرى.
وعقب على الماقني قائلا: الأستاذ نوري لا يعتقد بإمكانية الجمع بين الأخلاق والمعرفة، وأقول لك، أن المسلم ليس مطالبا بالنجاح، بل المسلم مأمور بالنية الصادقة وبالمحاولة فقط ، ولو تحققنا بهذا الأمر لزال عنا كثير من الاكتئاب والغم، ولنظرنا إلى الأمور برجاء، حيث الرجاء مرتبط بالعمل والسعي، بينما الأمل فكرة فارغة من الأمان. أما بالنسبة لقفل باب التأويل، فأنا لم أفعل ولست قادرا على ذلك، ولا الغزالي أقفل باب الاجتهاد خلافا لما يُشاع، بل إنه رحمة الله عليه فتح كثيرا من أبواب الاجتهاد. وأما كونك لا تريد مزيدا من الدعاة وتريد الفيلسوف، فأنا اعتقد أن الفيلسوف يجب أن يكون داعية، والداعية فيلسوفا، وأحاول أن انجح في ذلك قدر المستطاع.
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية