عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 
 

 

يوم له ما قبله

إن الذين تمت لهم الدراية الكافية بأحداث التاريخ المعاصر يعلمون حق العلم جدارة الحادي عشر من هذا الشهر الميلادي باكتساب المكانة غير العادية في الذاكرة الشعبية منذ الأشهر الأولى من سبعينيات القرن الماضي، عندما شهد إنزال العلم الأمريكي من أعلى سارية له في سماء طرابلس في مثل هذه سماء طرابلس في مثل هذه الأيام وبالتحديد 11-6-70م ولاسيما حين نسلم بأن طرابلس هذه تعني في مرحلة من مراحل التاريخ، ليبيا بتمامها وكمالها كما يقولون. أما إذا اقترن ذلك بظروف ارتفاع ذلك العلم رغم الرفض الجمعي له والمعنى الذي كان يمثله واحساس النقص الذي كان يثيره في النفوس إزاء الكيان الوطني الذي قبل بوجوده لأسباب لم تكن مقنعة بالقدر الكافي فلن يستغرب تحول ذلك اليوم إلى عيد من الأعياد الوطنية التي يستدعى الاحتفال بها مراجعة الذاكرة وتأمل حجم المكسب واستشعار ما يفرض من ضرورة المحافظة ناهيك عن إنصاف كل من عمل في هذا الطريق الطويل طريق مقارعة الوجود الأجنبي ورفض كل الثقافات الداعية له والرموز العاملة على بقائه والمترددة في التصدي له تحت أي مبرر من المبررات ولقد كانت دواعي القول بعدم شرعية بقاء العلم الأمريكي مرتفعاً في سماء ليبيا عقب إعلان استقلالها وبعيد انتهاء الحرب الكونية الكونية الثانية ونتيجة من نتائجها وفي إطار ما وجدته من صراع بين القوي المنتصرة فيها شديدة الوضوح حتى أن الكثير من الذين اضطلعوا بشيء من المسؤولية لم يظهروا ،الحماس المنتظر لذلك الوجود بل أن منهم من بذل أكثر جهد للتملص من المسؤولية التاريخية
كما أكدت الوثائق التي جرى الإفراج عنها في السنوات الماضية ومما لاشك فيه أن ذلك قد كان في مقدمة أسباب عدم الاستقرار في السياسة الليبية من حيث الإدارة في أوائل ستينيات القرن الماضي وبالتحديد منذ حلول الموعد المحدد لإعادة النظر في الاتفاقية الأمريكية والتي هي غير متكافئة من الأساس إذ توالت على البلاد وابتداء من 63 وإثارة موضوع المعاهدات أربع وزرات وكان الرفض الشعبي على أشده للوجود الأجنبي وقد ترتب على ذلك مجال لابأس به للابتزاز العربي يدركه الذين عاشوا تلك المرحلة على الرغم من أن تطور آليات التسليح وتطور صناعة حاملات الطائرات قد صار يمثل قواعد متحركة قادرة على توفير كل ما يطلب من القواعد الأرضية ولعله- أي الرفض الشعبي المذكور- في مقدمة ما أسهم في التعجيل بقبول الإسراع في تحقيق منجز الإجلاء ليس فقط بالنسبة للثورة والوليدة وهي تحدد هويتها وتباشر أولوياتها وتؤكد قاعدتها الشعبية بل بالنسبة للإدارة الأمريكية التي تأكد لها أن البقاء شبه مستحيل وأن عليها أن تبحث عن فضاءات جديدة وزعامات أخرى يمكن بواستطهم إيجاد البديل فشهدت المنطقة جملة من المبادرات التي لم تكن في حقيقتها سوى محاولة من محاولات الالتفاف على ما صار يومئذ ضرورياً ليصار إلى ما يسمى بالعودة من النوافذ ومن أشهرها إدخال البلاد في سلسلة من المعارك الجانبية لإعاقة كل ما هو مفيد وضروري لسلامة الخط الثوري ومشروعه التنموي في أكثر من ساحة وعلى أكثر من صعيد غير أن الدراية بأحداث التاريخ وتنزيل الحادي عشر من يونيو المنزلة اللائقة به والتنادي لإحيائها اليوم لا يعني المضي في اجترار الماضي ولا الاكتفاء بالمفاخرة بالمنجز الإجلائي لأن الموضوع ليس موضوع عداوة أو استمرار للعبة المعارك بل لعله أن يكون وفي ضوء ما يشهده العالم من متغيرات وما يطرح في دهاليز السياسة من اتصالات قد يسوغ العمل على إيجاد سبيل آخر للتعاون القائم على التخلص من عقد الماضي وما علا فيه من سوء الفهم وسوء التقدير ونشاط عملت من أجله أطراف أخرى كانت لها حساباتها الخاصة ومصالحها المحددة فإذا وضعنا في الاعتبار القاعدة المعروفة التي تقول بأن السياسة هي فن الممكن فإن إعادة النظر من حيث ترتيب الأولويات وتجاوز نقاط التقاطع باتجاه ما يجمع يبدو أكثر ضرورة وأوكد مصلحة. ولا شك أن ما شهدته الفترات الأخيرة من تبادل الوفود مع بعض مراكز البحث على خلفية الاستماع والاسماع تمثل خطوة في هذا السبيل وكما أن الفضاء الأفريقي يمكن أن يؤسس أرضية جيدة للتعاون فيما إذا أحسن الاختيار وروعيت الهيكلة وحيل بين من اعتادوا توظيف كل نشاط إلى مجال للإثراء غير المشروع وعالم الاستفادة الذي له أول وليس له آخر ذلك أن هذه الممارسات في مقدمة ما يفقد التوجيهات مصداقيتها وقد يعيد إلى ذاكرة الطرف الآخر صوراً قديمة عجزت عن أن تكون في مستوى المرحلة وما كانت تزخر به من فرض النشاط المشترك لولا أن تم وأده بواسطة الطمع الرخيص والكسب العاجل والعجز عن الاستفادة من كل ما كان متاحاً فالإجلاء يوم له ما قبله وبناء يمكن أن يكون له ما بعده.


12 الصيف يونيو 2007
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية