|
من اختياراتنا
ندوة نقد الكتابة
التاريخية
حرصا من علامات على
التواصل مع ما يشهده
واقعنا الثقافي من حراك ،
و اعتزازا بأداء جمعية
بيت درنة الثقافي و منجزه
المتمثل في ندة الكتابة
التاريخية . نعيد إدراج
ما أعده الاستاذ هشام
الشلوي من متابعة جيدة
على موقع ليبيا اليوم .
شاكرين للجميع جهدهم ،
آملين أن يكون في ذلك ما
يحقق مزيد الحوار حول ما
يخص الوطن ثقافة و تاريخا
.
الجلسة الأولى من ندوة
نقد الكتابة التاريخية:
د آمال العبيدي أستاذة
العلوم السياسية بجامعة
قاريونس والأستاذة نعيمة
جبريل وذلك صبيحة اليوم
الثاني من المهرجان
21/4/2010م.
قالت الدكتورة آمال، إن
هذه الندوة مهداة للمؤرخ
الدكتور محمد عبد الكريم
الوافي الذي كانت له عديد
الإسهامات في مجال
التعليم والتأليف
والترجمة.
نجيب الحصادي:التأريخ بين
الوصف والتأويل.
د. نجيب الحصادي أستاذ
الفلسفة بجامعة قاريونس
ورقته المعنونة ( التأريخ
بين الوصف والتأويل )
والتي قال فيها : لا فهم
دون تعليل، ولا تعليل دون
وصف، والتلوث الذي يصيب
الوصف مآله أن يعكر صفو
الفهم. ولأن الوصف الوحيد
الذي يناسب تصوير الواقع
هو أنه لا وصف يناسب
تصوير الواقع، يلقى البشر
ما يلقون من عنت في فهم
العالم. وإذا كان العلم
بمقتضى نهجه أقدر من غيره
على استيفاء مطلب الوصف،
فإنه لا يستوفيه على
النحو الذي يحقق الفهم.
حتى علم الفيزياء، الأقل
عرضة لشبهات التغرض
والسهو، يقصر عن وصف
الواقع بالدقة التي نأمل.
السرد انتقائي بالضرورة.
د.نجيب الحصادي
ما أضاف: وكما يعلم كل
مؤرخ جدير بهذا اللقب،
فإن السرد التاريخي ليس
مجرد سرد، فهو لا
يقتصر
على محاولة وصف ما حدث بل
يسهم في تشكيله. فمن
منحى، حقيقة قيامنا بسرد
ما حدث ليست عارضة نسبة
إلى حدوثه، فلو لم نقم
بسرده لضاع في حشد يتألف
من عدد لا يحصى من
الحوادث. إن ما لا يؤرخ
لا يشكل جزءا من الماضي،
أقله الماضي الذي يؤثر في
الحاضر والمستقبل. ومن
منحى آخر، فإن السرد
انتقائي بالضرورة، ففي كل
حدث تاريخي ثمة عدد لا
متناه من الكينونات
والعلاقات الفيزيقية
والبيولوجية والسيكولوجية
والسوسيولوجية، وليس في
وسع أي سارد سوى أن يكتفي
بوصف نزر منها. حين يؤرخ
المرء لمعركة دارت رحاها،
أو لكارثة نزلت بأمة من
الأمم، ليس أمامه سوى أن
يسرد حوادث ويسقط أخرى.
لا حصر على سبيل المثال
لما حدث في هايتي بسبب
الزلزال، وما لم يحك منه
سوف يطويه الزمان.
وأشار إلى أن علم التاريخ
قادر على أن يغير مجرى
التاريخ نفسه. مثال ذلك
أن الهوية الوطنية أو
القومية لا تتشكل وفق
التاريخ الفعلي بقدر ما
تتشكل وفق تأريخ المؤرخ
لهذا التاريخ، وأن كثيرا
من الجماعات البشرية
تعرّف نفسها جزئيا عبر
رواية قصص مشتركة. وبوجه
أعم، في وسع القصص
التاريخي دوما أن يخلق
فرص أشكال مختلفة من
الحياة التي يأمل في
عيشها أبناء المجتمع
المعني. وكما يخبرنا
تودوروف : ليس المهم ما
يحدث في تاريخ أي شعب من
الشعوب، بل المهم ما يصدق
الناس أنه حدث، وهذا ما
يجعل الوعي التاريخي أمرا
مهما في مصير كل أمة.
ونوه أيضا: إلى أن علم
التاريخ ليس وصفا لسالف
الأحداث بقدر ما هو قراءة
لها، وليست هناك قراءة
صحيحة، بل هناك قراءات
متعددة تتفاوت من حيث
وجاهتها. قد يقول الرصد
التاريخي غير المؤسس على
رؤية بعينها إن المجاهدين
انتصروا في إحدى المعارك
على الغزاة الأجانب، وإن
عدد قتلى الغزاة فاق عدد
من استشهد من المجاهدين،
لكنه قد يغفل عن تفاصيل
كان لها أن تكشف عن
علاقات قبلية ومصالح
شخصية وصراعات سياسية
أثارها طويلة الأجل. ولأن
رؤية المؤرخ هي التي تعين
الأسئلة التي يثير، وتحدد
من ثم ما يلتقطه من
وقائع، لا بديل أمامه في
غياب رؤية ترشده سوى
الاختيار العشوائي، الذي
يعرضه لخطر الإبقاء على
ما حقه الهدر، وهدر ما
حقه البقاء.
الشهادة التاريخية لا
تحدث أثرها إلا إذا تضمنت
تأويلا، فإن مصداقتيها
عرضة للصعوبات التقليدية
التي تصادف فعل التأويل.
وقال : ولأن الشهادة
التاريخية لا تحدث أثرها
إلا إذا تضمنت تأويلا،
فإن مصداقتيها عرضة
للصعوبات التقليدية التي
تصادف فعل التأويل. وأول
هذه الصعوبات حقيقة أن
معايير تقويم وجاهة أي
تأويل تظل غائمة وغير
قابلة لأن يتفق عليها.
حتى الاحتكام إلى أحكام
البداهة معيارا لوجاهة
التأويلات غير معصوم من
أدواء الأهواء، فهي تظل
في النهاية تأويلا يركن
إلى رؤية بعينها استكنا
إليها بحكم الإلف وليس
بسبب أية مؤهلات
إبستمولوجية خاصة. وحتى
الخطأ في التنبوء بمستقبل
الأحداث لا يدين الرؤية
التي تأسس عليها هذا
التنبؤ، فللرؤى قدرة
فائقة على التكيف مع
الحالات الشذوذية التي
تبدو مناوئة لتوقعاتها
وعلى تمحل تعديلات
آدهوكية تمكن من التشبث
بها. ولعلنا نذكر أن
ألفونس الكبير قد قال،
بعد أن ترهلت نظرية
بطليموس بتعديلات
تلفيقية، "لو استشارني
الرب لأسديت له نصيحة
مجزية"، وأن هيجل، حين
اعترض على رؤيته لكونها
تعارض الواقع، قد علق
بقوله: "إن هذا من سوء
طالعه".
هذه إذن دعوة إلى تعددية
في الرؤى التاريخية.
وختم ورقته بالقول:غير أن
قابلية كل واقع تاريخي
للتأويل لا تعني بحال أن
الواقع التاريخي قابل لكل
تأويل، وهذا ما يوجب
البحث عن أشراط يتعين على
كل تأويل مشروع أن
يستوفيها، وتقلل قدر
الإمكان من فرص الامتثال
للأهواء المشبوهة. إن كون
التأويل دون افتراضات
مسبقة مجرد وهم، إنما
يحتم علينا بذل جهد خاص
يجعلنا واعين بتحيزاتنا.
يلزمنا أيضا في سياق
البحث عن سبيل لسد الطريق
أمام محاولات تشويه
التاريخ أن ندرك أهمية
المقاربات البينية التي
توظف تخصصات مغايرة لعلم
التاريخ، والتي تركن في
فهم الحوادث التاريخية
إلى كثرة من المنظورات
وتسنّح من ثم حظوظ أن
يكون تأويلها أكثر وجاهة
وشمولية من أي تأويل مؤسس
على منظور فرد. وكما يوضح
ريكور، فإن توسل التأويل
منهجا في علم التاريخ
إنما يفعّل اتجاهات
معرفية كثيرة وأدوات
منهجية عديدة لإنجاز
عملية التعليل، وهو تفعيل
يثري الفهم البشري ويرجح
العثور على رؤى أكثر
شمولية. وحسب جادامير،
يتعين أن تعزز الدراسات
البينية بجدل مؤسس على
احترام متبادل بين من
يقفون في فضاءات آفاق
مختلفة. ذلك أنه لا يتسنى
تحقيق تقدم إلا عبر
احترام كامل لآخرية
الآفاق الأخرى، والحوار
أوثق سبيل لجعل كل أفق
أشسع وأرحب.
هذه إذن دعوة إلى تعددية
في الرؤى التاريخية، وإلى
توظيف مقاربات بينية
لدراسة التاريخ تعول على
علوم الاجتماع والنفس
والسياسة والنقد
والفلسفة. غير أنها تضمر
التنويه بخطر غياب الرؤى
في الكتابة التاريخية،
والأهم من ذلك خطر ألا
يكون مصدر الاختلاف في
شهادات المؤرخين فرقا في
الرؤى والتأويلات بل
تفاوتا في المصالح
والولاءات.
نوري الماقني: ممارسة
الكتابة التاريخية.
الكاتب والناقد نوري
الماقني
أشار الكاتب والناقد نوري
الماقني في ورقته: إلى أن
خوفنا من تقويض الصورة
المطمئنة لهوية تتطابق مع
ذات، تجاهد كي لا يستبان
سواها، هو ما يحدد
إستراتجية تقصينا لها في
أصل جعلت منه إرادة
المعرفة مستودعا لحقيقة
صافية وثابتة لم تشوهها
العوارض الطارئة. وهو ما
يحفزنا على محاصرة
الإمكان وينفرنا من
التفكير في الاختلاف، كي
لا نُباغت بما يتعارض مع
"ما قد تم وكان" الغافي
في دلالته المرتقبة هربا
من تأويل يوقظنا من
سباتنا ويقذف بنا في جحيم
المجهول.
فوكو، رائد الكتابة
التاريخية الحديثة.
وأضاف الماقني: أن فوكو
متدين يؤمن بالعناية
الإلهية،إلا أنه يدعها
خارج نطاق بحثه، يبغي
تحديد القوانين الطبيعية
بمعزل عن تفسيراتها
العجائبية،ويرفض فكرة أن
التاريخ يحكمه قانون
مستقل للبشرية، منظورا
إليها في جملتها، ويدعو
إلى تاريخ مثالي تحكمه
قوانين تشارك فيه كل أمة
على حدة، حيث تاريخ كل
أمة يمثل كلا متكاملا
تتعاقب فيه المراحل ويدور
حول نفسه تقدما وانحطاطا،
وهذا ما قاده إلى التوفيق
بين الفلسفة
والفيلولوجيا، أي البرهان
عن طريق مقارنة الوثائق
الصادرة عن أمم مختلفة،
وهو يشكك في وحدة العقل
كأساس لوحدة البشر، فقد
يكون هناك قوانين متشاكلة
في نشوء الأمم دون أن
يكون مرد ذلك لعقل مشترك،
كما أنه لا يبحث في وثائق
الماضي إلا عما يمكن أن
توضحه من تاريخ أولئك
الذين أورثونا إياها"
معتقداتهم، لغاتهم،
قوانينهم"، علينا أن نعرف
البشرية بالاستقراء، هذا
ما كان يدعو إليه.
التاريخ ليس سوى صراع
للأهواء البشرية.
وقال: ناصب فولتير
المسيحية العداء وهي تبني
تاريخا للإنسان تتمثل
أحداثه الفاصلة في
الخطيئة والافتداء، حيث
الحياة المسيحية في
جوهرها انتصار لتحولات
وتمهيد السبيل
لظهورها،كما يرفض فولتير
وحدة التاريخ المسيحية،
على اعتبار أن مقصدا
إلهيا واحدا يتخلل
الأحداث كافة،وخشية أن
يضيع الحاضر تحت وطأة ثقل
الماضي كان يلح على ضرورة
الانطلاق من النقطة التي
نحن فيها ومن النقطة التي
وصلت إليها
الأمم،فالتاريخ ليس سوى
صراع للأهواء البشرية،
وكل عصر من عصوره مستقل
بذاته، ويمثل كلا مفصولا
عن ماضيه، وبهذا يسهم
فولتير في إحداث خلخلة في
شرط كتابة التاريخ، التي
كانت لا تعترف إلا بتلك
التي تتناول الحقب
الغابرة، وقال فولتير بأن
في التاريخ الكلي وجود
لشيء آخر غير المسيحية،
فهناك أمم وحضارات أخرى
تحاذي حضارة الغرب، ويمضي
فولتير إلى أبعد من ذلك
عندما يقول، أن الحقبة
الواحدة تنطوي على تاريخ
مزدوج، التاريخ الرسمي
الذي يتبوأ مكان الصدارة
في الوثائق، وهو تاريخ
الانفعالات والأهواء
والمصالح والانتقام، ولا
وجود لماهية خفية تنتظم
من خلالها وقائعه،
والتاريخ شبه المجهول،
وهو تاريخ الاختراعات
وتاريخ الرجال المغمورين
المبدعين، والذي وإن
استنار بالعقل أحيانا إلا
أنه ليس هناك من فلسفة
تدعمه،بل غريزة آلية نسجت
وقائعه المختلفة.
هيجل: بلوغ السعادة،
واجتياز الشقاء.
أوضح الماقني: أن فلسفة
التاريخ لدى هيجل هي
تطبيق لأرائه المتضمنة في
فلسفته العامة وليست أراء
أو ملاحظات مستقاة من
دراسة الوثائق، حيث شيد
هيجل دعائم منهجه على
أساس من رفض الفلسفة
العقلية الخالصة التي
تبحث عن قوانين الواقع في
الفكر، كما أنه لم يقبل
بالفلسفة التجريبية التي
تطارد قوانين العقل من
خلال استقراء الواقع،
فمنطق هيجل يستند على
وحدة العقل والواقع،ففي
الفترات المبكرة كان
المؤرخ يقوم بدور شاهد
عيان بتقديم صورة واضحة
للوقائع دون تأويلها، ثم
أصبح المؤرخ جامع للمادة
التاريخية، حيث يقوم
بتفسيرها وكشف بواعثها،
حيث التاريخ بالنسبة
للمؤرخ يعج بالعلامات،ثم
ظهر تناول يستهدف الإفادة
من الماضي، وهنا يصرح
هيجل بسذاجة هذا الطرح،
لأن التاريخ يعلمنا أن لا
الأفراد ولا الحكومات ولا
الأمم تعلمت شيئا منه.
كما قال الماقني: التاريخ
العام للبشرية عند هيجل
هو تاريخ تأمل الروح
لجوهرها في
الحرية،فالإرادة الحرة
تحقق ذاتها في الانصياع
لإرادة القانون، والإرادة
الخاصة لا شيء يسوغها سوى
كونها تعبير عن الإرادة
العامة، من خلال التنزه
عن الغرض وحماية المصلحة
العامة.
وسأل الماقني: أليس القول
بأن تاريخ الشرق لا يعدو
كونه البدايات الأولى
للعقل، ولا يمكنه الإجابة
عن تساؤلات عصرنا، وأن
التاريخ الأوروبي هو
نهاية العقل واكتماله،
ألا يعني هذا إقصاء للشرق
عن لعب دوره للإسهام في
الحضارة الإنسانية وتأبيد
تخلفه؟ أليس هذا تكريس
لفكرة التمركز الأوروبي؟.
وختم الماقني بقوله: ويرى
فوكو أن تاريخ الفكر
التقليدي هيمنت عليه
أربعة مفاهيم أساسية هي (
الدلالة، الأصالة،
الوحدة، الإبداع) فهي
شكلت حدوده الضيقة
المنغلقة والمنمطة، وجسدت
إكراهاته القاتمة، وفي
محاولة فوكو لرصد ملامح
خطاب يتسم بالشفافية
العميقة والهادئة
والمفتوحة بدون حدود، حيث
يمكن للحقائق أن تشرق
واحدة تلو الأخرى، يدفع
فوكو بمفاهيم أربعة بديلة
كمبدأ ضابط في التحليل
تتعارض مع المفاهيم
الأربعة التقليدية، حيث
يتعارض شرط الإمكان مع
الدلالة، والحادث يتعارض
مع الخلق والإبداع،
والإطراد يتعارض مع
الأصالة، والسلسلة تتعرض
مع الوحدة.
عمر الككلي: الكتابة
التاريخية ونظرية ما بعد-
الاستعمار.
القاص عمر الككلي
قال القاص عمر الككلي:
تتعلق مشاركتي بشكل مباشر
بالكتابة التاريخية
النقدية،والقول بذلك يعني
بأن هناك كتابة تاريخية
غير نقدية تتعارض مع هذه
الكتابة،ما بعد الاستعمار
تعني تقريبا الدلالة على
حقل معرفي واحد لفرع من
الدراسات الثقافية، وما
بعد الاستعمار يتناول
مختلف القضايا المتعلقة
بالثقافة، كالتاريخ،
والسياسة،والأدب،
والإعلام، وهذا المصطلح
يتعلق بمصطلحات ما بعد
الحداثة، وهو حقل معرفي
جديد يهتم بتاريخ وثقافة
الشعوب التي خرجت من ربقة
الاستعمار الحديث
تحديدا،فالمصطلح جديد
وحديث والحقل نفسه حديث،
حيث ظهر بشكل غير علني في
بداية الثمانينات في
الأوساط الأكاديمية
الغربية، إلا أنه ظهر
بشكل علني للمرة الأولى
سنة 1989م من خلال كتاب
"الإمبراطورية ترد كتابة،
النظرية والممارسة في
آداب ما بعد الاستعمار
لمؤلفيه وهم بيل أشكروفت،
جاريث جريفيثيز، هيلين
تيفين" والمقصود
بالإمبراطورية هنا
المناطق التي كانت تخضع
للاستعمار البريطاني،
وهذا الحقل هو مجال اللغة
الإنجليزية بامتياز
تقريبا، ولا يوجد إلا
بشكل نادر في الكتابات
الفرنسية، وبعض الكتابات
الأسبانية من خلال أمريكا
اللاتينية، كما أن
الناشطين الأبرز في هذا
المجال ومؤسسيها هم من
الهنود، لكن الممهد
الحقيقي لهذا المجال هو
إدوارد سعيد من خلال
كتابه الاستشراق الذي ظهر
سنة 1978م، وهو الذي مهد
لهذا الحقل بحيث أصبح
واضحا و محددا ، وبرزت في
إطاره جملة من المفاهيم.
وأضاف الككلي: إلا أن
هناك جذورا أقدم لهذا
الحقل، وهو أن أي فكر
معادٍ للمركزية الأوروبية
ومعادٍ للاستعمار أصبح
جذرا لهذا الاتجاه ، ووجد
هذا الفكر في الخمسينات
من خلال أيمي سيزار
وفرانس فانون.
الككلي : دراسات ما بعد
الاستعمار تهتم بشكل خاص
وبإلحاح بالسلطة النافذة
أي القوة في الخطاب
والنصية.
وأشار الككلي إلى تعريفات
هذا الحقل المختلفة: هناك
تعريف زمني- الككلي- وهو
يتكلم عن المرحلة التالية
لخروج الاستعمار من
المستعمرات،إلا أن هذا
التعريف لا يهمنا في
موضوعنا هذا،وهناك تعريف
آخر سياسي،إذ أنه يعني
الأوضاع السياسية
والاجتماعية التي تجابه
الأنظمة الوطنية بعد خروج
الاستعمار، وهذا أيضا لا
يدخل في مجال بحثنا،لكن
التعريف الأكثر أهمية هو
ما يمكن تسميته بالتعريف
الثقافي، واسمحوا لي أن
أقرأ بعضه-يقول الككلي-
ما بعد الاستعمار هو "
المصطلح الدال على مجموع
الأعمال التي تستهدف
إعادة الاعتبار لتاريخ
وتجربة ووضع المستَعْمَر
في تحليلات الحياة
المعاصرة" وهناك تعريف
آخر لهذا الحقل هو "
تحليل الخطاب الاستعماري
في مداه الواسع الذي يشمل
السياسي والأيدلوجي
والمادي" أيضا هناك من
يقول أن ما بعد الاستعمار
هو" دراسات تهتم بشكل خاص
وبإلحاح بالسلطة النافذة
أي القوة في الخطاب
والنصية" ويطلق أيضا على"
الوضع السياسي والفكري
المتضمن مفهوما نشطا
يتخلل ظروف القمع، وهو
يمزج الإبداعات الثقافية
وتلك المتعلقة بأصول
المعرفة في لحظة ما بعد
الاستعمار مع النقد
السياسي بظروف فترة ما
بعد الاستعمار" والحقيقة
أنا أرى- الككلي- هذا
التعريف الأخير مهم جدا،
لأن التعريفات الأخرى
تركز على نقد الآخر، في
حين أن هذا التعريف يتضمن
نقدا مزدوجا، نقد الآخر،
ونقد الذات، ومن هنا تبرز
أهمية نقدية هذه الكتابة
وجدارة استحقاقاتها.
المعركة تدور حول تصفية
استعمار العقل.
وشرح الككلي: أهداف
دراسات ما بعد الاستعمار
حيث الغاية النهائية لها
هي مجابهة أثار الاستعمار
في مجال الثقافة- ثقافة
المسْتَعمَر بطبيعة
الحال، يقول الككلي-
وبالتالي تنظيف المجال
للأصوات المتعددة، كما
أنها تهدف إلى مجابهة
الإمبريالية والمركزية
الغربية من خلال نقد
الطرق الغربية في إنتاج
المعرفة، وهذا النقد يسعى
إلى إيجاد وسائل تعبير
بديلة عن وسائل تعبير
المستعمِر التي بناها في
النظر لثقافة الآخر، وهذا
يعني أن المعركة تدور حول
تصفية استعمار العقل،
وبهذا المعنى فإن نظرية
ما بعد الاستعمار نظرية
متفائلة، لكونها تواصل
النضال الوطني التحرري،
ولكن في مجال الثقافة
وليس في المجال العملي.
ورأى الككلي: أن الآخر
ماثل في تفكير ما بعد
الاستعمار، وهذا الحضور
حقيقة يشكل مفارقة-
الككلي- حيث أن الآخر
ماثل من حيث هو خصم وعدو
تتم مجابهته، ومن جانب
آخر هو ماثل بنظرياته
المعرفية وأدواته ومناهجه
الحديثة التي تلقاها
هؤلاء المفكرون في
الجامعات الغربية ومن
مفكرين غربيين بالأساس،
إذاً هناك مفارقة في
التعامل مع الآخر، فهو
الخصم وفي نفس الوقت هو
صديق، تم استيراد الأدوات
النظرية والمفاهيمية منه
لاستخدامها ضده.
تيار التابع يواجه هذه
المركزية من خلال تعددية
الأصوات وتعددية
الثقافات.
وختم الككلي ورقته بالقول
: أن هناك فرعا يعتبر من
فروع دراسات ما بعد
الاستعمار نشأ في نفس
الفترة تقريبا، تُعرف
بدراسات التابع، ونشأ هذا
الفرع من خلال مفكرين
هنود في بداية السبعينات
والثمانينات وكونوا جماعة
أسمت نفسها جماعة دراسات
التابع، وأصدرت مجلة بنفس
الاسم سنة 1983م ، ومفهوم
التابع يرجع بالأساس
للمفكر الإيطالي غراماشي،
الذي استعاره من التعابير
العسكرية، وهذا التيار
يعارض ما يسمى بالكتابة
التاريخانية، وهي التي
تفترض أن هناك وحدة
لتاريخ العالم، وأن
التاريخ يسير في مجال خطي
متطور ، وأن أحداثه تقع
في المركز أوروبا أولا ثم
إلى بقية أنحاء العالم،
فتيار التابع يواجه هذه
المركزية من خلال تعددية
الأصوات وتعددية
الثقافات.
د.عارف النايض : التأريخ
وعلم التأويل.
د عارف النايض
استهل د عارف النايض
أستاذ الفلسفة والمستشار
بجامعة كمبردج ورقته
بالقول: يقول سيدي عمر
النسفي في بداية العقائد
النسفية" حقائق الأشياء
ثابتة، والعلم بها متحقق"
خلافا للسفسطائية، ثم
يأتي سيدي التفتازاني
فيفسر السفسطائية ويقسمها
إلى ثلاث مدارس، العندية
وهي المدرسة التي تقول أن
الحقائق عندي كذا، وعنده
كذا، وعندك كذا،والمدرسة
العنادية، وهي التي تقول
أن لا حقائق أصلا،
والمدرسة اللا أدرية
والتي تقول، لعل هناك
حقائق، ولعل الحقائق
غائبة أصلا، للأسف
الشديد- يقول عارف- هذه
السفسطائية التي ظن علماء
الإسلام أنها ماتت وذهبت
أدراج الرياح بعد الردود
عليها من سيدي الماتريدي
في كتاب التوحيد وسيدي
الباقلاني في كتاب
التمهيد والإنصاف وغيرها
من كتب الأمة، عادت أي
السفسطائية بثلاثة أوجه،
عندية وعنادية ولا أدرية
مرة أخرى تحت مسميات
مختلفة، وهذه ظاهرة
تاريخية جديرة بالدراسة،
وكيف أثرت كتابات مذهب
الشك في الفكر الغربي،
حتى أصبح أنه من النادر
أن نجد فيلسوفا غربيا
يدافع عن ثبوت الحقائق،
بما في ذلك الحقائق
التاريخية، فكثير من
الخطابات التي تتعرض لنقد
التاريخ أو لنقد علم
التأريخ، إنما هي من باب
توضيح العندية، بمعنى أنه
ليست ثمة حقائق تاريخية،
وإنما هي رؤى ومدارس
وتعدد ومظاهر، أو من قبل
العنادية، بأن ينكر الشخص
بأن هناك حقائق تاريخية
أصلا، أو من قبل اللا
أدرية، حيث تقول لا ندري،
ربما هناك حقائق تاريخية،
وربما لا توجد، للآسف
باستثناء بعض المفكرين من
أمثال هوسرل خاصة في
كتابته المبكرة،وتلميذه
برنتانو ، وأنصار رومن
اينجرد البولندي، فمعظم
فلاسفة الغرب قد يأسوا من
الحقائق،بما في ذلك
الحقائق التاريخية، ومع
أني متخصص في
الهيرمونطيقا، إلا أنني
ممن يخشى من مخاطر هذه
المدارس، وأريد- عارف
النايض – أن أصر اليوم
بأن هناك حقائق تاريخية،
وبأن اهتمام المفكر أو
الفيلسوف والعوامل التي
تدخل أو تؤثر في تأويل
الحقائق التاريخية، يجب
أن لا ترقى بحال من
الأحوال لتجعل من تلك
الحقائق هباء منثورا، بل
إنه من المهم جدا
المحافظة على الحقائق
التاريخية وعلى إمكانية
الوصول لها.
عند أهل الإسلام لم يكن
التأريخ خالٍ من مسألة
العبرة والتخلق.
وأضاف عارف: أستاذي وشيخي
سيدي الدكتور نجيب
الحصادي فرق بين التأريخ
والتاريخ، وقال إن
التأريخ عمل ابستمولوجي،
والتاريخ عمل انطولوجي،
لكن – يقول عارف- هناك
جانب ثالث لهذه الثنائية،
وهي أن الفلسفة تنقسم إلى
ابستمولوجيا وهي تعني
بالمعرفة، وانطولوجيا وهي
تعني بالوجود،
واكسيولوجيا وهي تعني
بالقيم أو المعايير، وأنا
اعتقد-عارف- أن هناك
التأريخ وهو عمل
ابستمولوجي، والتاريخ وهو
عمل انطولوجي، والعبرة
وهي مسألة أخلاقية، وعند
أهل الإسلام لم يكن
التأريخ خالٍ من مسألة
العبرة والتخلق ، بل إن
في الإسلام بصفة عامة
ترابط وثيق بين
الابستومولوجيا
والانطولوجيا
والاكسيولوجيا، حيث أن
المسلم لا يفرق بين هذه
الجوانب الثلاثة، نعم؛
هناك عامل معرفي نسميه
التأريخ، وأن هذا العامل
بسبب الرؤى والفرضيات له
تأثير كبير، إلا أن
الانطولوجيا قد تستبطن
كثيرا من الابستومولوجيا،
إنما هي تَعَرّف على
الموجودات، فيكمن الموجود
من خلال المعرفة في
الذهن، وهذا التَعَرُّف
له أسباب أخلاقية،
فالأخلاق لها علاقة
بالمعرفة وباستكناه
الوجود، وسأعطي مثالا-
عارف النايض- من الحياة
العملية وقد يكون طفوليا،
هذه القنينة التي أمامي
واقع وجودي انطولوجي في
العيان، وهي موجودة يمكن
أن تُحس وتُمس وأن يُشرب
منها، ولكن بالنظر إليها
نجدها قد صُنعت بشكل
معين، وصُممت بشكل يسهل
انسياب الماء فيها
ويجعلها مستقرة على
الطاولة، فهي في عين
وجودها مستبطنة لمقاصد
معرفية ومآلات ومآرب
وضعها المصمم في الموجود،
فهذه الأمور المعرفية
العقلية القصدية المآربية
النفعية مستبطنة في
الموجود، إلا أننا نجد
اليوم من يقول أن
المُؤلِف قد مات، وأن قصد
المُؤلِف غير معتبر،مثال
على ذلك، ليس من المهم أن
اسأل – حسب هذا الرأي- عن
قصد سيدي أحمد الشريف في
رسالته لسيدي عمر المختار
والتي يحضه فيها على
الجهاد لأن المُؤلِف قد
مات، فأُعطيت الأولوية
لرؤية المفسر أو المؤرخ،
وأسُقطت أهمية القاصد
الأصلي الذي كتب هذه
الرسالة وضّمن فيها
قصديته كتضمن قصدية صانع
القنينة.
المحافظة على حقائق
الأشياء لا ينحصر فقط في
هذه المقاربات البينية.
واصل عارف القول: بأن
الوثائق التاريخية التي
أمام الإنسان ليست مجرد
صلصال يصنع منها الإنسان
ما يشاء، وإنما هي
مصنوعات إنسانية متضمنة
لمقاصد مهمة يجب أن
تُحترم، فلا يحق للمؤرخ
بحجة أن له رؤية، ولو
كانت رؤيته تحررية مما
بعد الاستعمار، من أن
يفرض قصدية نفسه على
قصدية الذي كتب تلك
الوثيقة، فهذه المقاصد
ليست عملا سيكولوجيا نصل
إليه بما يُسمى إعادة
التعقب ، فالأعمال
النفسية ليست موجودة في
ذهن المؤلف أو في عالم
البرزخ قد نصل إليها بنوع
من الحركة الروحية، وإنما
هي مستبطنة في الوثائق
والمؤلفات التي أمامنا،
ولذلك عندما نقول بنقد
الكتابة التاريخية، ونهتم
بالعوامل التي تؤثر في
المؤرخ وغير ذلك، فهذا
على العين والرأس- يقول
عارف- ولكن أن نقول أنه
ليس هناك قراءة
صحيحة،وإنما قراءات أقرب
للوجاهة كما تفضل
الحصادي، فأنا أخاف من
مثل هذا القول، لأنه يرمي
بنا في نوع من النسبية،
أو نوع من السفسطة
العندية التي حذر منها
علماء الإسلام، لا لمجرد
التحذير، بل لأن القول
بمثل هذه العندية يُسقط
الحقائق، ويجعل الحياة
خالية من المعايير
والاعتبارات الوجودية،
نعم حذر د نجيب من
التعسفية والانتقائية،
ونصح بأن نلجأ إلى ما
اسماه المقاربات البينية،
وهذا طيب وجيد، لكن
المحافظة على حقائق
الأشياء لا ينحصر فقط في
هذه المقاربات البينية،
وإنما يتأتى من قبل
احترام القصدية المستبطنة
فيما نقرأ وندرس، فليس من
مصنوعات البشر مصنوع إلا
وفيه مقاصد مستبطنة، سواء
كانت هذه المصنوعات
مقولات قوليه فاعلة على
رأي بعض المتأخرين من
أمثال جون أوستن في نظرية
الأفعال الكلامية، أو على
المتقدمين كالسكاكي
والقزويني في شروح
المفتاح عندما يُعرف
الإنشاء بأنه فعل كلامي ،
لكنه يٌنشئ واقعا جديدا،
فهذه الإنشاءات الإنسانية
التي يسميها سيدي
القلقشندي في صبح الأعشى
،المكتوبات، تستبطن مقاصد
وفيها مآرب، فرسالة سيدي
أحمد الشريف لسيدي عمر
المختار في الحض على
الجهاد، وثيقة فاعلة يمكن
أن تُدرس بعدة أشكال،
فيمكن أن نحلل الوثيقة من
حيث اللغة، كما يمكن
للمؤرخ أن يدرس الوثيقة
كتحليل محض، فيتسلط على
الوثيقة بكل مناهج
التحليل.
وختم عارف النايض قائلا:
إذا كان المؤرخ من
النصارى فقد يقول، هذه
الوثيقة في الحض على
الجهاد وثيقة فاعلة لأهل
ملة الكاتب، وهي فاعلة في
عصر الجهاد ضد
الإيطاليين، لكن للمسلم
أن يقول أيضا، هذه
الوثيقة ليست مصنوع فقط،
وإنما مصنوع فيه قصدية
فاعلة، بل إنني مؤمن-أي
المسلم- أن هذه الفاعلية
تخصني أنا، وبذلك تكون
رسالة سيدي أحمد الشريف
موجهة لي وتحضني على
الجهاد، وهذا النوع من
التأريخ ليس تأريخا
بالمعنى الابستمولوجي
المجرد وهو استكناه
الموجودات، وإنما تأريخا
فاعلا وحيويا نشطا يرقى
من الابستومولوجيا
والانطولوجيا إلى
الاكسيولوجيا، بحيث
تتوارث هذه الأمة التراث،
وأنا لا أحب هذه الكلمة-
يقول عارف- لأن التراث هو
ما تركه الأموات، بينما
ما تركه الأجداد حي، بل
إنهم أحياء في عوالم
برزخية، ونستطيع
الاستمداد من أرواحهم
وآرائهم وقصدياتهم لو
احترمنا هذا التراث
واستمعنا له وجئنا لهذه
المكتوبات بروح التلقي
وروح الانكسار والافتقار،
لا بروح التسلط أو ما
يسمى بهيرمونطقيا الشك
التي يقول بها بعض يساريي
الهرمونطقيا اليوم،
فحقائق الأشياء ثابتة
والعلم بها متحقق بما في
ذلك الحقائق
التاريخية،خلافا
لسفسطائية الماضي
وسفسطائية الحاضر التي
تسمى حداثة وما بعد
حداثة.
أم العز الفارسي: أتاني
شعور مأسوي وهو كأن
التاريخ الليبي لم يُكتب
بعد على الإطلاق.
سمحت إدارة الندوة
للحاضرين بإبداء أرائهم
وملاحظاتهم حول الأوراق
المقدمة، فطلبت أم العز
الفارسي المشاركة وقالت:
هذه الندوة فجرت في
الكثير من
الأسئلة،فالفلسفة تفتح
آفاقا في كتابة التاريخ
على الأقل،وعدم التأكد من
الوقائع حيث أن الوقائع
احتمالية قبل وبعد، على
سبيل المثال عندما يكتب
أحدهم واقعة حدثت الآن لم
نرها، ثم تبحث عنها عند
آخر فسيرويها لك بطريقة
أخرى وبشكل مختلف، بمعنى
أن الوقائع تحتمل
التأويل، وهذا التأويل هو
الذي يزيف التاريخ،ولذا
التاريخ ليس حقيقة، وإنما
هو إمكانية للبحث عن
الحقيقة، إلا أنه
بالمقارنة نصل في هذا
الحقل للحقيقة، ومن هذا
المنطلق أكثر الأسئلة
التي تفجرت في الآن هو
تتعلق بالتاريخ الليبي،إذ
أنني وأنا استمع
للمحاضرين أتاني شعور
مأسوي وهو كأن التاريخ
الليبي لم يُكتب بعد على
الإطلاق، وكأن التاريخ
الليبي الذي عُني به
أولادي وأبنائي وأدرسه
لهم الآن أُختزل في
ثلاثين عاما من الجهاد
وبرؤية واحدة، ولذا
السؤال الذي يؤرقني هو
كيف نبحث عن التاريخ
الليبي قبل وبعد الثلاثين
عام من الجهاد، وكيف
نتحقق على الأقل ثمة ما
تم توثيقه عبر الرواية
الشفهية أو عبر ما نقلته
الصحافة المحايدة التي
كانت تكتب في فترات
الجهاد وما قبله وما
بعده، فعلى سبيل المثال
رصدت الصحافة الألمانية
والسويدية الكثير من
الوقائع والأحداث
المتعلقة بفضائح
الاستعمار الإيطالي، إلا
أن التاريخ الليبي لم
يُعنى بها، وبالتالي في
تاريخ ليبيا الكثير من
الأسئلة التي لم نبحث
عنها حتى الآن.
محمد الفقيه صالح : كانت
إشكالية وجود الآخر
والاستفادة من علمه
وتقدمه كانت مسألة جوهرية
في الفكر النهضوي.
قال محمد الفقيه صالح:
أشكر كل هذه المساهمات
التي انصبت على الجانب
المنهجي والنظري، أما
فيما يتعلق بما طرحه
الككلي في مسألة ما بعد
الاستعمار وقد أشار إلى
إشكالية وجود الآخر في
فكر ونظرية ما بعد
الاستعمار بالنسبة لهذه
المستعمرات وكأن هذه
المسألة جديدة ، بينما في
الواقع هي ليست جديدة،
وإنما منذ فكر النهضة
كانت إشكالية وجود الآخر
والاستفادة من علمه
وتقدمه كانت مسألة جوهرية
في الفكر النهضوي لمواجهة
الآخر.
سؤال اللحظة الراهنة
فاعلٌ في تفكيرنا على
الماضي.
وأضاف : أما فيما يتعلق
بما طرحه الدكتور عارف
النايض، حيث أشار إلى
الخوف من النسبية
والتشكك، لكنني أعتقد أن
الدكتور نجيب الحصادي
أشار هو الآخر إلى الخوف
من فوضوية النسبية، بمعنى
أن النسبية ليست مطلقة،
لكن هل معنى هذا أن
الحقيقة مطلقة في التاريخ
ولم يعد هناك مجال للبحث
فيها؟ وهل يمكن لكل جيل
أن يعيد النظر ويطرح
أسئلة جديدة على ما سبق
وأن طُرح على الأجيال
السابقة فيما يتعلق
بالحقيقة؟ وهل في الفكر
التاريخي العالمي
والإسلامي حقيقة واحدة؟
أم أنها عملية متحولة بين
النسبي والحقيقي؟، تحدث
الحصادي عن البعد
الابستمولوجي والانطولوجي
في كتابة التاريخ، وأشار
عارف – يقول الفقيه- إلى
البعد الاكسيولوجي أو
القيمي وأثره في عملية
الكتابة التاريخية، لكن
هل هذا البعد يتعلق
بالايدولوجيا؟، ثم إن
سؤال اللحظة الراهنة
فاعلٌ في تفكيرنا على
الماضي، بمعنى أنه ليس
هناك إمكانٌ لأن نفهم
الماضي بمعزل عن الحاضر،
وسؤالي هل هناك في
التاريخ تفرقة بين
المعرفي والأيدلوجي ؟ إذ
اعتقد أنه لابد أن يبقى
للمعرفي مجاله حتى يتحقق،
أي إما أن نقرأ التاريخ
باعتباره حقيقة مطلقة
انتهى أمرها، وبالتالي
نتسأل عن ماذا ينبغي أن
نفعل؟ أو أن التاريخ
حقائق تقع بين المطلق
والنسبي.
عبد الحكيم المالكي: ماذا
بعد الدراسة؟
ومن جهته وجّه عبد الحكيم
المالكي سؤالا للدكتور
نجيب قائلا: الأسئلة كلها
تنطلق من بنية الإجراء،
ماذا بعد الدراسة؟ فإذا
ما كان الدكتور نجيب
متخصصا في الكتابة
التاريخية فمن أين
سينطلق؟ حيث أن الدكتور
طرح إشكالية الكتابة
التاريخية، فأين نجيب من
الكتابة التاريخية؟ أيضا
سؤالي موجه- يقول
المالكي- إلى نوري
الماقني، ماذا بعد فوكو؟
هل سنمارس نقدا لفوكو؟ أم
سنتلقاه تلقيا تسوليا؟
وما هي أوجه الاستفادة
التي سنحصلها من فوكو لو
مارسنا دراسة تاريخية؟
أيضا الدكتور عارف النايض
، جميل موقف المزواجة بين
الفلسفة والدين، لكن
موقفك من تعدد التأويل،
هل ينطبق هذا الموقف أيضا
على الأدب من شعر وقصة
ورواية؟.
ونيس الفسي : الأوعية
التي يُقدم فيها هذا
الفكر العميق أحيانا
الإغراق في الإلغاز
والتشفير قد يحصر رسالة
المثقف والمؤرخ.
الأستاذ ونيس الفسي
بينما قال ونيس الفسي
أستاذ الشريعة بمعهد
العلوم الإنسانية
بالمملكة المتحدة : أنا
لست متخصصا في التاريخ،
ولقد استفدت واستمتعت
بالأوراق المقدمة، لكن
لدي انطباع عام أو نقطة
منهجية، نحن ندعو للتعمق
والتدبر والغوص، لكن لدي
شيء شكلي، وهو أن الأوعية
التي يُقدم فيها هذا
الفكر العميق والأدب الجم
أحيانا الإغراق في
الإلغاز والتشفير قد يحصر
رسالة المثقف والمؤرخ،
واعتقد أن أخي الدكتور
نجيب- يقول الفسي- لا
يخالفني في أن المثقف له
رسالة، وأن هذه الرسالة
لا تخص النخبة فقط ،
فتعقيد الألفاظ التي تقدم
بها هذه الرسالة قد يحرم
طائفة كبيرة من الناس من
هذه الفائدة.
وختم الفسي بالقول : نعرف
أن في القرآن مساحة واسعة
بها تاريخ، كالحديث عن
الأنبياء وسيدنا آدم عليه
السلام ، وهذا كله يمكن
أن نضعه في سياق التاريخ،
فهناك فرق بين قدسية النص
وحرية التأويل، ولذا أتفق
مع محمد الفقيه صالح في
سؤاله الموجه للدكتور
عارف بشأن هل هناك حقيقة
مطلقة في التاريخ ولا
مجال للنظر فيها؟ طبعا
لا، في نفس الوقت المسألة
تحتاج إلى دقة، والنص
يحتمل التأويل فيما
تحتمله اللغة وغيرها من
المحددات، كما أنه وبدون
شك توجد حقيقة مطلقة.
عبد العزيز الزني : هذه
الأسئلة أعطتني إحساس
بأننا صدى للآخرين.
قال المؤلف والمخرج
المسرحي عبد العزيز الزني
: طرح بعض الأخوة أسماء
غريبة كفوكو وغيره، لكن
السؤال، ماذا لو لم تكن
هذه الأسماء والمصطلحات
موجودة، كالتفكيكة
والحداثة وما بعد
الحداثة؟ وكيف سيكون حديث
المفكر والكاتب لدينا؟
هذه الأسئلة أعطتني
إحساسا بأننا صدى
للآخرين.
صالح السنوسي : التاريخ
الطبيعي بدأ قبل تاريخ
الإنسان.
قال الدكتور صالح السنوسي
أستاذ العلوم السياسية
بجامعة قاريونس : الورقات
التي عُرضت علينا أثارت
في بعض الملاحظات، فأنا
متطفل على التاريخ، يبدو
لي أن الإشكالية ليست في
الموضوعات، وإنما في
التاريخ نفسه، أي بمعنى
التاريخ كسجل للحركة
والزمان، إشكالية التاريخ
كما يبدو عندما تقدمت
العلوم والقوانين
الطبيعية، فظهر تاريخ آخر
غير تاريخ الإنسان تتحكم
فيه قوانين صارمة،
وبالتالي التاريخ الطبيعي
بدأ قبل تاريخ الإنسان.
شكري الحاسي : بدأ كثير
من مفكري الغرب في العودة
لهذه السنن ودراسة منهج
القرآن الكريم.
قال الواعظ شكري الحاسي :
لدينا في كتاب الله سنن
وقواعد، فإذا لم يدرك
المؤرخ للتاريخ هذه السنن
والقواعد فسيتخبط ، ولقد
بدأ كثير من مفكري الغرب
في العودة لهذه السنن
ودراسة منهج القرآن
الكريم فيها، ونحن
كمسلمين لدينا قواعد لنقد
الكتابة التاريخية،
كالقواعد المثبتة في نقد
الحديث النبوي الشريف،
الإشكالية عندنا أن
المثقف العربي أصبح يميل
في تفسيراته إلى علماء
الغرب، رغم أن منهم
مصيبين، إلا أن المؤرخ
ينطلق من خلفية فكرية
وثقافية، لا شك أنها تؤثر
في تفسيره للأشياء.
عارف النايض : فللآسف
هناك شريحة من مسلمي هذه
الأمة تعلمت من الغرب، أن
الفلسفة والثقافة والتفكر
في الثورة على الثوابت.
عادت الدائرة للمحاضرين
كي يردوا على ما أُثير من
جدل حول ورقاتهم ، فكانت
البداية مع عارف النايض
الذي رد بالقول : نعم،أنا
أخاف من النسبية ومن
مخاطرها، وهذه المخاطر
معلومة في الواقع لدى
الكثيرين في الغرب ، كذلك
أؤمن بوجود حقيقة مطلقة
وهي الباري عز وجل فهو حق
مطلق( ينادي محمد الفقيه
صالح من بعيد،أفي التاريخ
حقيقة مطلقة؟) ولا يعرف
الحق إلا الحق-يقول عارف-
وهذا الإله الرحمن الرحيم
أرسل رحمة مهداة، ومن
رحمته أنه عرفنا بنفسه،
وهناك أيضا حقيقة إنسانية
وهي حقيقة سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم، وحقيقته
صلى الله عليه وسلم هي
محض العبودية، وهذه
الحقيقة المحمدية بمعنى
العبودية العلم بها
متحقق، ويمكن الاتصال
بهذه الحقيقة بالتعبد،
فكلما ازداد الإنسان
عبودية ازداد قربا من
الحقيقة المحمدية،
فالحقيقة الإلهية وحقيقة
النبوة وحقيقة العبودية
المحمدية، كلها حقائق،
هناك أيضا تاريخانية،
ولكنها ليست خاضعة
للتاريخ، بمعنى أن يتسلط
عليها التاريخ فيفقدها كل
أنواع الثبات الذاتي،
كذلك مسألة إعادة النظر
في التاريخ ، فنقول ليس
في التاريخ فقط، فعقيدة
أهل السنة والجماعة تقول
أنه يجب إعادة النظر حتى
في العقائد، لأن التقليد
فيها حرام، أما في الفقه
فإن لم تكن من المجتهدين
فعليك التقليد، فإعادة
النظر واجب، لكن باحترام،
وعدم التهكم على حقائق
وثوابت هذه الأمة، أو ما
يُسمى بما عُلم من الدين
بالضرورة، فللآسف هناك
شريحة من مسلمي هذه الأمة
تعلمت من الغرب، أن
الفلسفة والثقافة والتفكر
في الثورة على الثوابت،
وهذا في الحقيقة شطط،
أيضا المعارف الإنسانية
كلها متحولة وصائرة، لكن
هناك أيضا ثوابت، يقول
أحمد مجددي ( قلب الإنسان
برزخ بين عالم الأمر
وعالم الخلق) من حيث أن
قلب الإنسان مواجه لعالم
الأمر، فهناك حقائق إلهية
ثابتة من حيث مواجهة
العوامل التاريخية
والبيئية، والسادة
الأشاعرة تفهموا حتى هذا
في كلامهم عن كلام
الله،فقالوا هناك كلام
نفسي أو معنوي وكلام
لفظي، والكلام اللفظي
منجم ومتعلق بأسباب
النزول وحصل في تاريخ
معين، لكن لا يستدعي هذا
القول بأن القرآن نسبي.
عمر الككلي: المسألة
أصبحت تدور في إطار تصفية
الروابط الثقافية
والفكرية التي أحدثها
المُستعمِِر في الذهنية
الثقافية.
رد الككلي على ما أُثير
حول ورقته بالقول:
الأستاذ محمد الفقيه صالح
قال( إشكالية وجود الآخر
في فكر ونظرية ما بعد
الاستعمار بالنسبة لهذه
المستعمرات وكأن هذه
المسألة جديدة ، بينما في
الواقع هي ليست جديدة)
لكن من حيث المبدأ في فكر
النهضة كان هناك وجودا
استعماريا ماديا قويا،
وكانت الموضوعة استنهاض
الذهنية العربية
والإسلامية لمواجهة هذا
الفكر، وكانت تدور في
تقديري حول السؤال
الأساسي، لماذا تخلفنا
وتقدم غيرنا؟، فالاستعمار
غير موجود ماديا، لكن
المسألة أصبحت تدور في
إطار تصفية الروابط
الثقافية والفكرية التي
أحدثها المُستعمِِر في
الذهنية الثقافية في تصور
المُسْتَعْمَرِين لأنفسهم
حول المركزية الأوروبية
والإمبريالية الغربية.
وأضاف : الايدولوجيا
متحققة وموجودة في جميع
النشاطات الفكرية بشكل
واع أو غير واع،فأي خطاب
فكري كامن يكرس توجهات
معينة داخل المجتمع،
ويخدم مصالح طبقية وفئوية
معينة داخل المجتمع، فهذا
لا فرار منه،وكما يُقال
عدم وجود الايدولوجيا هو
ايدولوجيا في حد ذاته،
أما مسألة لو أن المفكرين
الأوروبيين غير موجودين
فكيف سيكون الأمر؟ أقول
سيكون مختلفا بكل تأكيد،
وهذا السؤال يمكن أن
يُطرح حول أي موضوع، فلو
لم يكن هناك اخناتون أو
الديانة البوذية أو
المسيحية أو الفتنة
الكبرى، فهل كانت هناك
كتب ستصدر؟ وماذا كان
سيحدث لو لم يتعرف الفكر
العربي على الفلسفة
اليونانية.
نوري الماقني : أتمنى أن
أُنسب للسفسطائيين.
قال الماقني : لدي ملاحظة
عامة، حيث قيل أن ورقتي
وورقة الزملاء المحاضرين
وقعت تحت تسلط الاستلاب
لفكر الآخر، لكن مدخلي
للمعرفة هو البحث عن
أدوات، وهذه الأدوات
وببساطة موجودة لدى
الآخر، ولا توجد لدي أية
حساسية في التعاطي معها،
كما أنني أتمنى أن أُنسب
للسفسطائيين.
نجيب الحصادي : الدكتور
عارف النايض تلميذي عندما
كان يافعا، وأستاذي عندما
أصبحت كهلا.
علق الدكتور نجيب الحصادي
قائلا: ورقتي لم تُكتب من
منظور مؤرخ، ولا حتى عالم
تأويل، لدي مقاربة عامة
أسميتها مرة الوجاهة،
وأحاول في كل مرة أن
اختبر أو أجرب هذه
المقاربة في منطقة من
المناطق.
وأضاف الحصادي : الدكتور
عارف النايض تلميذي عندما
كان يافعا، وأستاذي عندما
أصبحت كهلا، العبارة التي
استشهد بها( حقيقة
الأشياء ثابتة، والعلم
بها متحقق) ولم يبق إلا
أن يضيف والإيمان بها
واجب، حتى يوصد الأبواب
أمام كل اجتهاد، وفي
تقديري إقرار وجود حقائق
تاريخية ثابتة، يقع عبء
إثبات ذلك على صاحب هذا
الزعم، كما أن فكرة وجود
مقاصد مبيتة في الأشياء
أو حتى في الوقائع
التاريخية أو في الطبيعة-
وأنا أعلم أن عارف يذهب
لكل الأشياء- كذلك ما
يسمى بفكرة المشبهة ،أي
فكرة خلع الصفات البشرية
عن العالم، كمصادرة أو
رؤية، اسمح بها-يقول
الحصادي- واقبلها كإحدى
الرؤى، لكن تظل مسألة
الكشف عن هذه المقاصد
المفترضة، تحديدا آلية
الكشف عنها وهذا الافتراض
المسبق، بقليل من البحث
سوف نكتشفها ونتفق عليها،
إلا أنه يظل سؤال محمد
الفقيه صالح، نريد أمثلة
على هذه المقاصد التي
يسهل كشفها.
|