عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 
 

 

سر أغنية سكب سال

 

اعتادت البلدة أن تستقبل بين الفينة والفينة، أولئك القادمين عبر القوافل المسافرة من الجنوب مرة ومن الغرب مرة أخرى، ممن اصطلح على تسميتهم بالصعاليك، وهم عبارة عن مسافرين لا يحملون أي زاد معهم أو أمتعة، بقدر ما يعولون على ضيافة الناس وتسهيلاتهم، يكون هدفهم المعلن موسوما بالتوجه إلى بيت الله الحرام، لكن قدومهم يسبق هذا الموسم بأشهر كثيرة، أما إذا كان القدوم متزامنا مع الفترات القريبة فإن مبدأ الإقامة يكون هو المرجح في الغالب ريثما تحين المواعيد المناسبة، إن إقامة هؤلاء تستغرق عادة الأشهر الطويلة ريثما يكون في مكنة هؤلاء المسافرين أن يتزودوا بما يتطلبه السفر من المؤن واللباس، على الرغم من أنهم كما أسلفنا يأتون دون زاد، إن أحداً لا يستطيع تحديد هوية هؤلاء، لكنهم يوصفون شعبيا بصفة الصعلكة وكفى، مع أن مدلول الكلمة في الأدب العربي يختلف عن هذا المعنى كل الاختلاف، لكن محمد محمود الشنقيطي لم يقدم، آنذاك بهذه الكيفية، وإنما جاء كما يذكر معاصروه متسنما جملاً غاية في الجمال، وقد زاد من جماله ذلك الخرج المميز، يشده لجام من الجلد الموشى بالسواد والبياض، كما أن ملابسه هي الأخرى كانت لافتة كان الفصل صيفا وكان الشهر الهجري هو شهر ربيع الأول وفي الأيام الأولى منه، أما القافلة التي أقلت الرجل فقد كانت لقبيلة أولاد وافي أشهر القبائل المعروفة في الجنوب الليبي، والتي تقيم على بعد أكثر من أسبوعين وهو القياس المعتمد للمسافة في ذلك الزمن، لقد تسببت هذه الوضعية في تسهيل مهنة اتصال الرجل بالناس، ذلك أن أولاد وافي يحظون بمكانة خاصة لدى السكان الأصليين للمدينة الصغيرة، لما عرف عنهم من الطيبة والبعد عن كل ما يسيء، ولمجرد أن شاع نباء القافلة وأصحابها كان الاتصال السريع، وقد استدل عليهم بادئ ذي بدء من خلال السمة المثبتة على وجوه الإبل، والتي لم يضعها الشنقيطي على جمله، وهي طريقة معروفة يأخذ بها العرب في الاهتداء على كل قادم، حين لا مناص من معرفة الأصول الأسرية تحسبا من حدوث أي مكروه.
صحيح إن بعض الأشرار كثيرا ما يعمدون إلى تغيير سمة إبلهم بقصد التمويه، بيد أن التمويه لو وجد فلا يمكن أن يكون بهذا الحجم، لقد سهل على السكان أن يتأكدوا من هوية القادمين، فكان أن أودى واجب الضيافة بمنأى عن التحسب وفي شيء من الفرح الصادق.
كان من عادة القوم أن يتلوا في هذه الأيام وفي بداية شهر المولد تحديداً شيئا من المدائح وفصولا من السيرة النبوية، التي يطلق عليها "المولد" ذلك النص الذي كتب بلغة جميلة قوامها الايقاع والمحسنات اللفظية مما جعل الكثير من القراء يستظهرونه ويحسنون إلقاءه في مثل هذه المناسبات، فترى الكثير منهم يتنافسون في إظهار المقدرة والاستيلاء، على ألباب المستمعين، من خلال ما يجتهدون فيه من التنغيم وإتقان المدود وتؤكيد عمق الشوق لزيارة قبر الحبيب وتكرار الصلاة عليه وعلى وآله صحبه أملا في الظفر بشفاعته والورود على حوضه "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم".
كان على الحاج أحمد... وهو يلحظ دخول عدد من الضيوف إلى مقام التلاوة- أن يدعو الشنقيطي للمشاركة بتلاوة فصل أو أكثر من النص المتداول وأن يستجيب الضيف بالمشاركة، فأظهر بمشاركته تفرداً ملحوظا في التلاوة، ليس فقط من حيث سلامة الإلقاء وصحة الإعراب، وإنما لما تمتع به من جمال الصوت وإدراك مواضع الوقوف، مما حدا بالحاج أحمد أن يضاعف من تكريم الضيف- كي يقف على قدراته- أن يطلب إليه أن يدعو للجميع في مختتم المحفل، حيث كانت دعواته مقتصرة على عدد من الآيات القرآنية التي أكدت للنابهين هوية الشنقطي الذهبية والقائمة على التوحيد ليس غير، والهدف أن يتم الحفاظ على المذهب السني دون غيره.
لقد تبين للقوم أن لدى الشنقيطي ما يمكن أن يعطيه، وأن الذي يعطيه يمكن أن يحقق إضافة من الإضافات، وهكذا عرضوا عليه مجتمعين أن يقيم بين ظهرانيهم وتنتظم حوله بعض الحلقات التعليمية إلى أن يحين موعد الذهاب إلى الحج، فقبل آنذاك الدعوة شاكرا، وشرع تبعا لذلك في تنظيم دروسه اليومية بواقع فترتين كل يوم، إحداها للغة العربية والثانية للشؤون الدينية، وهي طريقة جرى بها العمل في حلقات التدريس التقليدية حيث يبدأ باستظهار المتون ويصار بالتالي إلى الشرح.
إن المناهج في مثل هذه الأحوال تتداخل وكثيرا ما يختلط النص الديني باللغة العربية، كما يمكن أن يفضي الشاهد النحوى إلى أسئلة المنطق وعلم الكلام، وقد يحدث التعارض بين الأشاعرة وخصومهم والأمر ذاته حول مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة وجميعها خلافات يمكن أن تؤدي إلى ما أكبر منها وأصعب.
وقد تجنب الشنقيطى الخوض في ما سوى الأمور الميسرة، مشددا بين الحين والآخر على أنه من الاتباعيين، وإن يكن لم يجد غضاضة في الإشادة بعبقرية المعتزلة في قضايا اللغة العربية، ولاسيما تفسير الكشاف للأمام الزمخشرى، لقد توالى حضور الطلبة لحلقات هذا الشيخ، كما لم يتخلف أيضاً عدد من كبار السن الذين اكتفوا بالاستماع فقط، وكان الحاج أحمد على رأس الذين بذلوا جهداً استمر الترسيخ هذا الاتجاه رغم أنه كان دائم الانزواء والدعاء الصالح للجميع، لقد وثق الشنقيطي صلاته بالناس جميعا، وقد شجعه على مسلكه هذا ما لمسه في الطلبة من مقدرة فائقة على الاستيعاب ومن الآباء الكبار من الحذب على حلقته والإعلاء من شأنه وإبداء كل ما يفيد بتقدير جهوده وجميل عطائه، وهكذا لم يمض كبير وقت حتى تكونت حوله كوكبة كبيرة من العناصر النابهة التي أخذت تلفت النظر بمقدرتها وزيادة نمو معرفتها، هذا يظهر نبوغا من الفقة وذاك يتميز في اللغة العربية وثالث يجمع المجالين، على أن شيئا واحدا ظل يحير الرجل ويفرض عليه رغم طبعه الحذر أن يبوح بحيرته، هو تعدد غزوات عبد الجليل وما يظهره القوم من التعاطف معه، إذ بدت بالنسبة لفهمه تنذر بأمر كبير قادم، فكان كلما فرغ من إلقاء درسه حرص على الاختلاء مع الحاج مع أن هذا يكتفي عادة بالاستغفار والحوقلة.
كان الطلبة، من جهتهم، يرقبون هذه المواقف، يلفت نظرهم هذا التوجسس الذي يظهر على الشيخ والحديث العميق الذي يتبادله مع الحاج أحمد، كان أخطر يوم مر به الرجلان ما وصل من أخبار حول النهاية التي حلت بغومه المحمودي، فيومئذ لم يخف الشنقيطي ارتياحه لما جرى في حين كان الناس كل الناس يعيشون لحظات مختلفة، لحظات كلها الحزن والاستياء، الأمر الذي دفع بعض الرؤوس إلى التطير من هذا الموقف وربما الارتياب أيضاً، غير أن الرجل كان يصمد أمام ما يستشعره من عدم الارتياح، كان يدرك، ربما أنه أكبر من ذلك كله، وأن الناس كما يقول بين الفترة والفترة أعداء ما جهلوا، وكثيرا ما ألمح إنه يخشى على نفسه من المصير الذي لقيه في مسقط رأسه الجزائر، حين أجبر على الخروج من بين أهله وذويه والعيشة في شنقيط بين أهل غير أهله، ممن دفعتهم الغيرة إلى احتضانه وإشعاره بأنه واحد منهم حتى لقد صار ينسب إليهم، ويخرج اليوم من إفشاء هذا السر المتعلق بجذوره وحقيقة أصله، كان يجد ضالته في الاهتمام بالعادات الشعبية وما يقوم به القوم من نشاط في بعض المواسم، كان يطرق مليا إزاء احتفالهم بيوم عاشوراء أو أيام عاشوراء حيث لا تكون مثل الأيام العادية حتى ليبدون أقرب إلى فرقة الشيعة الحسينية، رغم أن آراءهم الدينية ليست كذلك.
فهم لا يشقون الجيوب ولا يلطمون الخدود إحياء للذكرى، كما يفعل الشيعة في ذكرى الحسين، لكنهم يميزون اليوم عما سواه، من ذلك عدم طهي الطعام في ذلك اليوم، إلا أنه عاد فأرجع الأمر إلى الظروف الاقتصادية، لأن ميسوري الحال لا يكتفون بأكل الثريد أو "الفتات" كما يسمى شعبيا، بل إن منهم من يضيف إلى هذه الأكلة المعدة بلحم القديد طعاما آخر من اللحم الطازج خصيصا، لقد تصادف أن حضر في رحلته هذه موسم جني "التمور" فلاحظ أن البلدة في يوم من الأيام كانت خالية من الرجال ولا توجد سوى النساء، لأن اليوم مخصص لقطع حطبة الوادي التي يأكلها الناس جميعا ومن حق أي مقتدر أن يغرس ما يستطيع، فحرم النخلة لا يتجاوز ظل زربها كما يقولون، ولهذا فإن يوم قطع تلك الحطبة تكون البلدة خالية من الرجال فيتيح ذلك للنساء جميعا أن تجرجن إلى الشوارع، إذ يأمن غياب الرجال جميعا، ولأنه لم يعلم ولم يتصور أن مثل هذا الواقع يمكن أن يواجهه وهو يخرج في غفلة، لم يكن أمامه إلا أن يقفل عائداً إلى حيث يقيم وبشكل مسرع ووسط إحساس بالإحراج العارم، كان العس من جهتهم يرقبون الحالة فالبلدة كافة بالأسوار ولا سبيل للدخول إليها إلا من أماكن محددة، ولأنهم أدركوا الملابسات لم يشأ أي منهم أن يقترب من الرجل كما أن الرجل من جهته عاد إلى حيث مقره، لكنه لمح وجها ظاهر الجمال، لفت نظره على ما يبدو وبشكل يندر وصفه، عيون تميل إلى الخضرة، وجه شبه مدور عرين تكلله ابتسامة، أسنان ناصعة البياض، كانت اللحظة أقوى من الخيال، الهيمنة أطول من العمر، حين رفع رأسه غانما تلك النظرة، هتف من أعماقه مكبرا، ذات الوجه هي الأخرى توقفت أمام المفاجأة، أمام الاصطياد المتبادل بين النظرتين، قبل أن يقفل هو إلى حيث يقيم وتستنجد بالخمار الذي لم يكن في الحسبان، كان الوقت صباحا، وكان ثمة ندى يملأ الجو، لم يعرف هل جاء هذا الندى من الجو الطبيعي أم من الوجه الصبوح، أو عزى الأمر على ما يبدو إلى العناية الإلهية التي هيأت له هذه النظرة غير المقصودة فقال بصوت مسموع "سبحان الذي سخر لنا هذا وماكنا له مقرنين" وأن يسرع خلف تأمله، لولا أن حامره الجزء المتبقى ليزيد " وإنا إلى ربنا لمنقلبون" لكن هيهات، فما رأى أكبر من قدرة الإنسان، أكبر من النسل والاستقامة ولم يكد يرجع حتى ظل يتكلم فيما يشبه الهذيان، وعيناه تنهمران بالدموع.
وقال قائل منهم هي سر أغنية (سكب سال).

 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية