|
في مفهوم الهوية وحقيقة
الاستلاب والتغريب
امين مازن

في حوار استمر ساعتين
ونصف الساعة من الزمن
داخل فضاء مثابة
المدينة،وبتنسيق من أمانة
شعبة التثقيف والإعلام
والتعبئة بمكتب الاتصال
للجان الثورية،كان الحديث
صريحاً مع جمهور الحاضرين
حول مسألة اللغة الاجنبية
في المراحل الدراسية
الأولية أبرز ما اثير
أثناء وعقب المحاضرة
الموسومة بالهوية بين
الاستلاب والتغريب التي
رأت اللجنة المنظمة لموسم
رمضان أن تسندها إلى
الأستاذ أحمد
إبراهيم،ليتحدث في ساعة
وربع الساعة حول موضوعه
هذا ويعقب على التعقيبات
أكثر من مرة.وقد كان
والحق يقال مستعداً
لموضوعه شديد الحماس
لمضمونه،مستشعرا صعوبة
الاقناع به على
مايبدو.ولكن غير
يائس،خاصة وأنه قد ولجه
من باب الدفاع عن اللغة
العربية بوصفها أهم
مقومات الهوية وآخر قلاع
الدفاع عنها،عندما تفقد
أشياء كثيرة،كما هو الحال
بالنسبة للأمة العربية
التي لم يبق لها من
مقومات الهوية أكثر من
اللغة،فيكون من آوكد
واجبات المشغولين بهذه
الهوية صون هذه اللغة وما
يدخل في فروعها من آداب
وفنون بوصفها العامل
الأساسي في تغذية
الوجدان،وهي نظرة يمكن
التسليم بها ضمن الكثير
من النظرات لولا أنها قد
ارتبطت تاريخياً بإجراءات
عملية شهدها الواقع
الليبي ذات يوم،ويعتقد
عدد غير قليل من الناس
أنها قد شكلت خسارة
لمجموعة كبيرة من أبناء
الشعب الذين كانوا يومئذ
في مرحلة من مراحل
التعليم الأولى عشية
التوجه إلى تنفيذ ذلك
التوجه..الذي رأى في وجود
اللغة الانجليزية في تلك
المرحلة خطرا على اللغة
العربية والشخصية
العربية،وصدر تبعا لذلك
قرار من اللجنة الشعبية
العامة بقصر الدراسة على
اللغة العربية في المرحلة
الأساسية التي صارت تجمع
بين الابتدائي
والاعدادي،ذلك القرار
الذي اتخذ باقتراح من
السيد أحمد إبراهيم بوصفه
أميناً للتعليم،متجاوزاً
بموقفه ذاك قدرة سابقيه
الذين أفلحوا في تأجيله
لفترة من الوقت،إنه
الموقف الذي اتخذ وسط
معارضة غير عادية لم يقلل
من دورها في الحقيقة سوى
سيطرة المؤيدين على وسائل
التعبير المختلفة وغياب
التكافؤ بين الرفض
والقبول داخل المؤتمرات
الشعبية وطريقة صوغ
قراراتها.
فقد وجد يومئذ جو عام رأى
في اللغة الأجنبية
تغريباً للفكر والآلات
الموسيقية الغربية أيضاً
لكأن الآلات تصنع اللحن
من تلقاء نفسها وليس
التقاسيم التي يضعها
العازف!
إن هذا الجو،فيما
يبدو،مازال يستهوي
الأستاذ أحمد إبراهيم،إذ
لم يجد غضاضة في اعتبار
ما عداه يمثل شكلاً من
أشكال التآمر الذي يستهدف
الوجود العربي والذي يحرص
أن يجعل منه متمما للوجود
الإسلامي،لكأن التيار
القومى العربي قد انبعث
بمعزل عن حركة القوميات
تلك التي كان من بين
مستهدفاتها التخلص من
السيطرة التركية، حين
جمعت هذه بين قوميتها
الطورانية والإسلام،فكانت
القومية العربية في عداد
القوى المقاومة والمدعومة
على نحو خاص من التيارات
المرتبطة بأوروبا،وكان
التحالف بين العاملين في
هذا التحرك السياسي
مسلمين أو مسيحيين،لأن
التركيبة السكانية
بالمشرق هكذا وطبيعة
المقاومة سلطة مازالت
تتخذ من الدين شعاراً
لابد أن تكون كذلك كان
الخيار القومي حلا لهذا
التناقص وكان في مقولة
الدين لله والوطن
للجميع،ما جنب أكبر
الاقطار العربية عدداً
وأكثرها تأثيراً "مصر"كل
تمزق طائفي في تلك
الالسنية الصعبة،إذ لم
تطرح يومئذ فكرة الدوائر
الثلاث ،العربية
والأفريقية والآسيوية،وهو
ماتتفاوت في تقدير
ضروراته الأقطار العربية
مجتمعة، فلا يستوى مشرق
الوطن العربي مع مغربه
ولا حوض وادى النيل مع
الرافدين ولا كلاهما مع
الجزيرة العربية،فلم
يكتسب هذا الطرح ما توفر
له من الاقناع إلا بواسطة
الزعيم البطل وتأثيره
الشخصي،وليس الزخم الفكري
الذي يمكن أن يتجاوز
الطرح السلفي التليد أو
يزيح التصور الليبرالي
بتجلياته المختلفة
وتياراته المتعددة حتى
بعد انفراط عقد المنظومة
الاشتراكية وأطروحاتها
المختلفة.
ومعلوم أن موضوع اللغة
الأجنبية،والإنجليزية
تحديداً،والتحسس من
تأثيرها السلبي،طرح في
واقعنا منذ نهاية
خمسينيات القرن
الماضى،عند تأسيس أول
مدرسة خاصة بمدينة
طرابلس، وما رافقها من
معارضة نهض بها عدد من
المهتمين بالشأن العام من
الذين جمعوا بين الوطنية
والتعليم الديني،منهم من
رفع صوته في الاجتماعات
العامة والتجمعات الدينية
ومنهم من قدم استقالته من
أعلى المناصب،كما تحدثت
بعد ذلك الوثائق التي
ألقت الأضواء على تلك
الفترة.ومع حلول الفترة
الأخيرة من الستينيات وما
ساد فيها من احساس بخطورة
تدنى التعليم ومخاطر عجز
الأجيال الليبية أمام
الأشقاء والأصدقاء برزت
فكرة تطوير المناهج
التعليمية مجتمعة،ليكون
التطور من حق الجميع وليس
المقتدرين وحدهم،فأدخلت
الانجليزية في المرحلة
الابتدائية لتنبعث
المعارضة مرة أخرى،بعضها
بدافع الحرص الوطني
وبعضها الآخر لحسابات
أخرى ودوافع لاتخلو من
ردود الأفعال والتعبير عن
مشاعر الحسرة الشخصية،ومن
حسن حظ هؤلاء المعترضين
أن وجدوا في حماس ثوار
الفاتح من سبتمبر وحماسهم
القومي وتوجسهم من كل ما
شهده الماضى من سياسات
ونظم،ماساعدهم على تنفيذ
ما رأوه صوابا حول اللغات
الأجنبية على قاعدة الخلط
بين الوجود العسكري
والتحصيل الثقافي،فكان ما
كان من أخذ بذلك التوجه
حتى كاد الأمر أن يصل إلى
اعتبار هذه المسألة إحدى
التهم التي تعرض على
محكمة الشعب،في الوقت
الذي كانت أهم الدول
الشقيقة وأكثرها قربا من
العهد الجديد تفتح
مدارسها للذين خرجوا أو
أخرجوا من
مدارسنا،والتفاصيل في هذا
المجال كثيرة،لكن مجالها
ليس هنا،وها نحن اليوم
أزاء هذا الحوار ولكن في
مرحلة تضاءل فيها إن لم
نقل انعدم أسلوب التخوين
وبات السعي نحو المشترك
أكثر من ذي قبل،فيتعين
على كل ذي رأي أن يفصح
عما لديه متى وجد لذلك
سبيلاً .. وإذا كان المرء
لايختلف،إن لم نقل يتفق
بكل القوة،مع استياء
السيد أحمد إبراهيم من
مشاعر الغيرة التي كثيراً
ما يبادر بها كل ملم بلغة
من اللغات الأجنبية عندما
يتحدث أمامه متكلم بذات
اللغة بتعبير غير
دقيق،فتراه يصرخ في وجه
محدثه مشيراً إلى الخطأ
فيما تجده لايبدى أي
اهتمام حين ينطق أمامه
خطأ نحوي مخجل في اللغة
العربية،وإذا كان سؤاله
القائل بضرورة أن نحدد
ماذا نريد يمكن أن يكون
أحسن منطلق لنا نحن
الليبيين حين نتبناه
جميعاً ونتحرك على ضوء
الإجابة المحددة عنه
جميعاً،وإذا كنا كذلك نثق
كل الثقة أن الهدف من
تبنيه سابقاً واصراره
اليوم لاحقاً على إلغاء
اللغة الإنجليزية من
المرحلة الابتدائية هو من
قبيل الدفاع عن اللغة
العربية والشخصية العربية
إلا أننا وبذات اليقين
نرى أن النتائج لم تكن
كذلك فاللغة العربية أكثر
ضعفاً من الماضي وهي عند
المتخصصين في الدراسات
العربية-بكل الأسف-أكثر
من عداهم،ولدي الكثير من
المسؤولين على نحو
مخجل،ونذكر في هذا الصدد
أننا اقترحنا ذات مرة
ضرورة الزام الكثير منهم
بمراجعة هذه النقيصة،بل
واعتبارها مسوغا للحيلولة
دونهم ودون الحديث في أي
لقاءات مشتركة من شأنها
الإساءة لسمعة الليبيين
أمام الأشقاء العرب الذين
لايخفون ضيقهم من هذا
الضعف الذي انفردنا به
عمن سوانا،وأن الضرر الذي
حل بالذين درسوا أثناء
تطبيق ذلك القرار الذي
تحمس له السيد أحمد
إبراهيم ومازال،فيما
يبدو،يود لو يعاد لم يقع
ضرره إلا على الفقراء من
الناس الذين جاءت الثورة
من أجلهم.أما أبناء
المتنفذين وأغنياء
المرحلة فقد تخلصوا من
آثاره بالسرعة القصوى
وسيكون من في حكمهم
دائماً جاهزين لتعويض أي
نقص ينتج عن قرارات
السلطة بصدد المناهج بل
ليس مثل هذه القرارات ما
يتكفل بتوفير فرص
الأمتياز،لقلة من الناس
على حساب من عداهم وهو
ماننزه أحمد إبراهيم عن
أن يكون من الساعين إليه.
وبخصوص الإجابة على سؤاله
القائل ماذا نريد ؟ يمكن
القول إن المطلوب يتلخص
في الحرص على الحياة في
عالم قد تختفي منه الدولة
القطرية جراء ضعف الحدود
أمام مسلسل التسويات
الكبيرة،مما سيفضي إلى
اشتداد المنافسة بين
أبناء البشر،حيث لا قيمة
للجنسيات بقدر ما ستحل
نظم أخرى توفر المجال
للأقدر،مما سيجعل من
الذين لايرى أحمد إبراهيم
ضرورة لتعليمهم اللغات
الأجنبية أضعف قدرة من
عداهم،في حين تفرض
المسؤولية الوطنية
والاستعداد الحقيقي
للمستقبل الاحتكام إلى
مبدأ تكوين الذات وتنمية
القدرات والاستعداد للعيش
وفق أي شروط وفي ظل أي
تجمع ديمغرافي متعدد
الأعراق،ووحدة لاتعترف
بحقوق المواطنة ولا أي
شرط من شروطها،أما إذا
وضعنا في الاعتبار ما
نسمعه من توجيه نحو
الفضاء الأفريقي وتحذير
من التصحر واستحالة العيش
في مناطق خالية من المياه
فإن إعداد الإنسان يبدو
أكثر الحاحاً مما سواه
وبناء أجيال تجيد التعامل
مع العالم أول الاستعداد.
وكم نحن في حاجة إلى أن
ندرك عن يقين أن الهوية
الوطنية والقومية لاتكتسب
عمقها المطلوب إلا
بالانفتاح على العالم
والتبحر من علومه
ومنجزاته وأن قدوم أحد
المتصرفين الليبيين مع
الطليان ذات يوم لايعنى
بالضرورة أنه يعرف اللغة
الإيطالية،لأن الكثير من
قادة الجهاد كانوا على
دراية بهذه اللغة وغيرها
من اللغات،وأن رحيل ذلك
المتصرف إلى إيطاليا ربما
كان دافعه الأول إقدام
أحد قادة الجهاد على قتل
ابنه لحسابات قبلية وأن
تبحر الكثير من أحفاده
باللغات لم يصنع منهم حتى
الآن عملاء ضد هذا
الوطن،كما أن الآراء التي
تشكك في جدوى السياحة
للاقتصاد الوطنى رغم تخلي
الدولة المستمر عن
الخدمات وعن زيادة
المرتبات،هي ذاتها التي
ينبغي أن تراعى إزاء آلاف
الدوائر التي أخذت في
الفترات الأخيرة تملأ
الجنوب الليبي وتستنزف
مياهه الجوفية بمنتوج
يمكن الاستغناء عنه
بواسطة الاستيراد والأمر
ذاته بالنسبة لآلاف الإبل
وملايين الأغنام التي
تسقى بأحدث الخزانات
وتعلف بأجود الاعلاف
ويتولى رعايتها مستخدمون
أجانبا يمكن أن يقوموا
إلى جانب مهماتهم هذه
بمهمات أخرى لن ندرك
أسرارها إلا بعد فوات
الآوان فنندم حين لاينفع
الندم،ويستحيل تعويضها لو
شئنا أن نعوض في أي لحظة
من اللحظات.
أخيراً فإن ما سبق إبداؤه
من آراء،وإن يكن قد جاء
بمناسبة محاضرة السيد
أحمد إبراهيم وإثر تدخل
أصررت على المساهمة به
ضمن من ساهموا
بالتعقيب،فإنه يعود إلى
فترات أبعد من تاريخ
ثقافتنا ومراحل
تعليمنا،حرصت،كلما اتسع
المجال للجهر بها
والتشديد عليها،وتأتي
اليوم في إطار الحوار
الفكري حول الواقع
التعليمي وقد نحى مناحي
أكثر تفتحاً ومعاصرة،بما
في ذلك المناهج التي لم
يرق للسيد أحمد إبراهيم
أن يستعان على تطويرها من
جنوب شرق آسيا،ربما لأنه
ضمن الذين يرون تلك
المجموعة نمورا من ورق
كما يقول
الكثيرون،متناسين أن
دولاً كثيرة لم تبلغ ذلك
المستوى،وعلى كل حال فإن
ما اعترض عليه السيد أحمد
إبراهيم أثنى عليه الكثير
من المتخصصين في شؤون
التربية والمناهج في
مختلف التخصصات وثمة من
لم يبخل بتحية القطاع على
هذا التوجه.
فلنتق الله في أنفسنا وفي
أجيالنا حتى لاتكون ضحية
الحماس،ولنسع إلى حفظها
من العاطفة التي قد تزين
لنا فكرة العمل على تطوير
لغتنا العربية التي هي
مسؤولية الجميع وليس
مسؤوليتنا وحدنا،ولنتفطن
إلى أن الكثير من دعاة
الترجمة إنما يعملون من
أجل طموحات خاصة ومصالح
مدروسة وإن استعانوا على
بلوغها بواسطة المؤسسات
الوطنية والقومية،ولا أحد
يقول إن لغتنا عاجزة عن
استيعاب العلم وإنما لأن
معظم هذا العلم هو الآن
بلغات أجنبية فأيسر لنا
أن نذهب إليه مباشرة،خاصة
وأن الفضاءات التي نتطلع
إليها هي أيضاً تتحدث
وتفضل اللغات الانجليزية
والفرنسية وحتى
الألمانية،ولم تعد تعول
على لغاتها المحلية
وبالتالى فإن التعاون
معها من هذه الزاوية هو
أيضاً أقرب الطرق إلى
بلوغ المقصود،ويبقى الجدل
دائماً دليلاً على
الحيوية واستشعار
المسؤولية فيما يكون
الصمت أقرب الطرق لقتل
الفكرة وإقصائها عن دائرة
الاهتمام. |