عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 
 

 

مزاح في غير محله

 

قبل سنة مضت غادرنا الشاعر الكبير والمحامي البارز والمناضل الوطني المتفرد الأستاذ علي صدقي عبد القادر بعد عمر تجاوز التسعين سنة انفقها ذلك الفقيد كاملة غير منقوصة في حقل المعرفة والإبداع والإنشغال المستمر بالشأن العام، وذلك منذ دخوله ميدان الحياة العملية في أربعينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي طرح فيها المصير الليبي في المحافل الدولية عقب الهزيمة التي منيت بها إيطاليا الفاشية وتولت إدارة شؤون البلاد السلطات البريطانية لفترة وصفت يومئذ بالمؤقتة، وسمح أثناءها للشعب الليبي أن يتفكر في المصير الذي يرتئيه،وسط حزمة من العروض التي تراوحت بين الاستقلال والوصاية والانتداب،مما حدا بالطلائع الشعبية إلى التنادي في كل أنحاء الوطن متبينة الدعوة إلى الاستقلال ومن خلال مجموعة من الهيئات السياسية التي أخذت تدعو لهذا المطلب وتسعى ما وسعها الجهد لرفض ما عداه من الحلول المقترحة والتي رصدت لها الكثير من الإمكانات المالية والإغراءات السياسية،فيما كان الطلب المتمثل في الاستقلال محفوفاً بالكثير من المصاعب،ويومئذ كان علي صدقي عبد القادر في مقدمة الوجوه المتقدمة حماساً وحيوية وعملاً لايعرف التوقف من أجل ترسيخ مطلب الاستقلال والتصدي بكل القوة لبقية البدائل التي لم ترتق إلى الطموح الوطني على الوجه المرضي .
لقد انتصر ذلك الخيار كما نعلم جميعاً وصارت بلادنا دولة من الدول حديثة الاستقلال،وإذا كانت هناك جملة من النواقص التي رافقت مولد ذلك الكيان فقد كان علي صدقي عبد القادر المثقف والمحامي والشاعر في مقدمة الذين تنبهوا لتلك النواقص وشرعوا في بذل الجهد تلو الجهد لاستكمال المشوار ولعل النص الشعري الذي دأب على كتابته الشاعر علي صدقي عبد القادر بما يتوفر له من التنزه من نقيصه المدح وخسيسة الارتزاق ظل باستمرار موضع اهتمام الكثير من دارسي الأدب ومثار احترام كل الذين ادركوا هذه الحقيقة فرفعوا علي صدقي دائماً إلى ماكان جديراً به من التقدير،الأمر الذي ما لبث أن تجلى على نحو أكثر جلاء في عدد من الإجراءات الرسمية التي عبرت عن معاني الإنصاف والتكريم سواء بمنح هذا الشاعر وسام الريادة أو إسناد جائزة الفاتح إليه في إِحَدى الدورات فإذا ما بلغ الكتاب أجله وحان موعد الرحيل خلال شهر رمضان منذ سنة مضت كان موكب جنازته الذي أحيط بكل مظاهر التقدير والعرفان .
كان من الفروض والحالة هذه وقد حلت منذ أيام الذكرى الأؤلى لرحيل ذلك الشاعر أن تبادر فضائيتنا الليبية بدعوة عدد من المهتمين للحديث عن تجربة علي صدقي عبد القادر،أو تأذن بالقاء بعض نصوصه الشعرية أو إعادة قصيدته الخالدة بلد الطيوب أكبر مفاخر الفن الليبي لولا أن فضائاتنا قد اختارت موقفاً آخر،تمثل في إعادة مشهد من المشاهد التمثيلية الساخرة من نصوص الشاعر علي صدقي عبد القادر المتمثلة في تقليد القائه الشعري وملابسه الأمر الذي قلل من كل المبادرات الجميلة التي طالما وقع التعبير بها حول علي صدقي عبد القادر الشاعر والمثقف والإنسان ، خاصة وأن ذلك قد حل متزامناً مع مرور سنة على رحيله فكان لذلك أسوأ الأثر لدى مشاهدي هذه الفضائية .. نعم إن الكثير من المطلعين يعلمون أن بث هذا المشهد لم يكن مقصوداً لذاته أي بهذه الخلفية وأنه لايتجاوز الروح الفكاهية المحضة،ولكن متى كانت النوايا الحسنة كافية لما توحي به بعض الأفعال من الدلالات،وما تحدثه من الآثار حين ينعدم القصد، فالضرر الذي يطال الإنسان دائماً هو الضرر،سواء جاء عن حسن نية وقلب طيب،أو بقصد مبيت وإصرار مضمر، ولكن لاحرج فليس علي صدقي وحده الذي يظلم من أهله،فما أكثر الذين ظلموا وما أكثر الذين سيظلمون والذين كان شعارهم منذ الأزل ذلك القول الخالد «أريد حياته ويريد قتلي
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية