عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 
 

 

من اختياراتنا

معضلة الماء

عبد اللطيف الفراتي

 

أبرزت دراسة جرت في إطار معاهدة برشلونة للبحر الأبيض المتوسط ، وحاضر حولها الدكتور محمد النابلي كاتب الدولة السابق افتقار المنطقة المتوسطية للماء الذي قال الله تعالى بشأنه «وجعلنا من الماء كل شيء حي».
غير أن هذا الإفتقار درجات، وإذ انقسم حوض البحر البيض المتوسط إلى ثلاث مناطق رئيسية، فإن المنطقة الشمالية التي تقع كلها في أوروبا متاحة لها 1900 مترمكعب للفرد في السنة، فيما المنطقة الشرقية وتشمل بلدان الشرق الاوسط متاح فيها 1300 متر مكعب للفرد في السنة، أما المنطقة الجنوبية ا من مصر إلى المغرب فأنها تكتفي بـمتاح لا يتجاوز 900 متر مكعب للفرد فيما الحجم الطبيعي اللازم هو الف متر للفرد سنويا.
وحتى هذا الحجم فهو ليس موزعا بالتساوي،وإذ نجد المتاح للفرد في المغرب في حدود 900 متر مكعب سنويا ، فهو 870 في مصر و470 في تونس و450 في الجزائر وأدنى من ذلك بكثير في ليبيا.
وتعتبر عتبة الفقر المائي في حدود 500 متر مكعب للفرد في السنة ، دونها يعتبر البلد تحت تلك العتبة فقيرا.
وفي المنطقة الشرقية والجنوبية من حوض البحر البيض المتوسط ، قد تصبح مشكلة المياه عبر الحدود قضية إستراتيجية، ففيما بين تونس والجزائر حيدت الطبيعة الأمر فكما توجد وديان تسيل من الجزائر إلى تونس وأكبرها هو وادي مجردة، فإن هناك مياه تسيل من تونس إلى الجزائر، ومن هنا فإن التوازن بين البلدين قائم إلى حد ما.
ولكن تبدو المعضلة الكبيرة في الحال القائم بين تركيا والبلدان التي تحتها والتي تسقيها مياه الفرات أي سوريا والعراق.
وكذلك بين مصر وما يأتي قبلها بالنسبة لمرور وادي النيل ، الذي تطل ضفافه على 8 دول إفريقية، وتنبع 80 في المائة من مياهه من أثيوبيا.
فتركيا استأثرت بمياه الفرات ، على حساب سوريا خاصة و العراق أيضا ، وتجري مفاوضات بدون نتيجة بين كل من تركيا من جهة وسوريا منفردة والعراق منفردا منذ سنة 1987، وفي فترة بين 1987 و2000 كان العداء شديدا بين النظامين البعثيين في سوريا والعراق بحيث كان التنسيق في مواجهة تركيا مستحيلا، وفي الأثناء تحولت تركيا إلى قوة إقليمية كبيرة ، وتقزم العراق الذي دخل ثلاث حروب قضت عليه كقوة إقليمية، فبعد الحرب مع إيران تراجع العراق إلى مرتبة ثانية بقوة عسكرية محدودة وتأثير دولي ضعيف، وبعد اجتياح الكويت وحرب 1991، انهار العراق وبات أقل من دولة متوسطة، واستكمل العراق انحداره بعد أن وقع احتلاله سنة 2003، وفقد وضعه كدولة ذات سيادة، ترتع في أرضها وتسيطر على مقدراتها عدة دول في مقدمتها الولايات المتحدة، أما سوريا فقد استنفد قوتها المستنقع اللبناني ، من جهة والتحالفات مع كل انواع التطرف، ولم تعد تمثل وزنا كبيرا امام تركيا الصاعدة والحالمة باستعادة دورها كقوة عظمى في المنطقة.
ومن هنا فإن تركيا بما يقل عن واحد من 7 من طول نهر الفرات يمر عبر أراضيها تستغل ثلاثة أضعاف مياه الفرات ودجلة مما تحصل عليه سوريا والعراق، والعراق بالذات أصبح مهددا بالجفاف بعد أن كان المتاح له من المياه يجعله أول دولة في العالم.
وعلى العكس تماما فمصر تقع في آخر سلسلة الدول المستفيدة من مياه النيل، وليست هناك قطرة تأتي للنيل عندها من أرضها أو مرتفعاتها، ورغم ذلك وباعتبارها قوة إقليمية كبيرة بالقياس إلى الدول السبع الأخرى التي ينبع منها النيل فإنها تستأثر بجانب كبير من مياهه، ولا يبدو أنها في وارد التنازل على أي جزء منها.
وتسعى الدول الواقعة في سافلة مصر أي قبلها انطلاقا من المنابع لإعادة اقتسام مياه النهر، بصورة تعتبرها أعدل وعلى أساس إعادة النظر في اتفاقية 1959 التي لم توقعها إلا مصر والسودان، غير أن مصر لا تبدو مستعدة للتنازل عن أي شيء ، فمصر هي هبة النيل والمساس من حصتها من مياهه يخل بكل موازناتها الداخلية. ولقد سبق لمسؤول مصري كبير أن أعلن في مناسبة كانت تهدد بحرب بين دولة عربية وإسرائيل أن مصر لن تدخل مستقبلا في أي حرب ومع أي كان ، إلا في حالة المساس بمصالحها الحيوية المتمثلة في النيل وفي حصتها من مياهه.
وكدولة تعتبر قوة إقليمية تتجاوز واقع كل الدول الأخرى في منطقتها الإفريقية فلها الوسائل الكافية للحفاظ على مصالحها متمثلة في ما تعتبره حصتها الشرعية من مياه النيل وعدم التنازل ولو عن قطرة منها.
وإذ يجري الحديث عن استعداد إسرائيل لتمويل وبناء سدود في أثيوبيا تحجز جزء مهما من مياه النيل ، وهو أمر قابل للتصور وحتى للتنفيذ، فإن إسرائيل في النهاية لن تجرؤ على ذلك، ولعل تفسير المواقف الرسمية المصرية في أحداث غزة وغير غزة ، وما يبدو من ممالأتها لتل أبيب يكمن في اتفاق ضمني بأن لا يقوم أي من الطرفين بما يمكن أن يثير الطرف الآخر، ولكل منهما السلاح الرادع تجاه الطرف الآخر.
ولذلك يبدو أن الوضع الحالي ليس مهددا في شأن مصر، إذ إن لها القوة الرادعة تجاه الآخرين ، كما إنها لا تريد أن تستثير إسرائيل تجنبا لارتكاب المحظور. ومن هنا فإن العارفين يدركون بأن مصر ستستمر في نيل حصة من المياه وفقا لإرادتها، وأن الدول المطلة على النيل لن تستطيع شيئا خارج إرادة مصر التي تعتبر في المنطقة قوة إقليمية لا تجارى.

 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية