|
** نقلت عن مسودة ورقة
(( عدها المرحوم
الكبير وحفظت بخط يده .
يوم الندوة التي انتظمت
بمركز الجهاد قبل عشرة
سنوات ضمن موسم رابطة
الأدباء والكتاب طرابلس
)) .
مسارب كما قرأها الاستاذ
/ خليفة التليسي

هي جملة خواطر أرجو أن
تنسق فيما بعد لتكون
بحثاً أو دراسة ولعل ما
سوف تسلكه هذه الندوة من
مسارب وما سوف تكتشفه من
طرق وميادين وساحات يساعد
على توسيع الرؤيا بما
يؤدي الى الحكم على هذا
العمل وإحلاله المكانة
التي هو جدير في المسار
الثقافي الوطني . ولكل
إنسان قراءاته للعمل
الأدبي والفني والتاريخي
تختلف باختلاف موقعه من
هذا الأثر قربا أو بعدا
والعمل الجيد هو الذي
تتعدد قراءاتـــه . ذلك
يزيده خصوبة وعمقا . وهذا
العمل الذي نحن بصدده
يغطي فترة تاريخية بما
يمكن أن يغطي قرناً
كاملاً إذا أخذنا في
الحسبان حديث الابن عن
الوالد . كما أن الحكم
على هذا العمل لا يمكن أن
يكتمل إلا بصدور ما لم
يصدر منه حتى الآن . .
الثانية أنه من الصعب
جداً إصدار الأحكام على
السيرة الذاتية لأنها عمل
لصيق جداً بذات كاتبه وهو
خلاف العمل الإبداعي الذي
يتخذ بعد تكونه وتخلّقه
كياناً خاصاً به ينفصل به
عن المؤلف . فالقصيدة
تكتسب بعد إبداعها وجودا
خاصاً بها . والنموذج
سواء كان روائيا أو
مسرحياً أو قصصياً يتخذ
لنفسه وجوداً خاصاً يفوق
به وجود الأحياء المقيدين
في سجلات الأحوال المدنية
فان السيرة الذاتية لصيقة
بصاحبها ينبغي أن يقبل
بها كما قدمها إلينا
صاحبها وهي لذلك لا تحتاج
الى تقديم . ولذا استغربت
أن يكون لهذه السيرة
تقديم _ بغض النظر عن
جنسية المقدم وانتمائه
الأدبي والفكري والسياسي
لأن السيرة ذاتها تقديم
المؤلف لذاته .
أود أن أقول منذ البداية
ان هذا العمل حيرني في
تصنيفه . والحيرة هنا
شهادة له بالنجاح ولعدد
وتنوع الموحيات فيه هل
اعتبره سيرة ذاتية ام
مذكرات شخصية أم هو يمت
بقرابة للون بدأ يشيع في
الأدب الحديث هو ما يمكن
أن نسميه الرواية السيرة
. والرواية السيرة فن
معترف به كما يقع
الاعتراف بالصورة الفنية
التي يرسمها الرسام لنفسه
. أم ان هذا العمل جامع
لكل هذه العناصر التي
تشكل لوحته البانورامية
الواسعة ؟ بالطبع أن الرد
على هذا السؤال لا يمكن
ان يتحقق لي إلا بعد صدور
الجزء الثالث من هذا
العمل وقراءة هذا العمل
في جملته .
والواقع ان عملا بهذا
الطول ولوحة بهذا الاتساع
والشمول لا يمكن أن
ينقذها إلا تداخل هذه
الألوان وتنوعها أعني هنا
تداخل السيرة مع المذكرات
مع الرواية .
ثم ان أهم ما يميز السيرة
التفرد فهي حاملة لسمات
صاحبها لا تعدوه الى سمات
غيره فلا تتشابه مع أي
سيرة من السير صغرت او
عظمت فلا تصح فيه
المقارنة بسير تقدمتها او
جاءت بعدها ولا سبيل هنا
للمفاضلة بين السير فكل
سيرة هي بصمة صاحبها التي
لا تشبه بصمـات الآخرين
في إطار هذا المعنى تبدو
هذه السيرة متميزة
بملامحها الخاصة . ومهمة
النقد أن يرصد هذه
الملامح الخاصة .
ولكن لماذا نكتب
السيرة الذاتية ؟
نكتب لنبرر ونكتب لنفسر
ونكتب لندافع ونكتب لنضع
تجربتنا موضع الاستفادة
والاعتبار ونكتب لنتحدى
ونكتب لتسجيل المواقف
التي يخشى ان ينساها
وننكر لندافع عن أنفسنا
احتمالات النسيان والجحود
والنكران ـ ونكتب ـ وهذا
لكي نتعرى وهو الأسلوب
الذي يحكم الكثير من
السير الذاتية في الآداب
العالمية الأجنبية إذا
كانت العصور قد عرفت
المذاهب المعروفة
بالسيريالزم والسيمولزم
فان العصر الحديث هو وفي
مجال السيرة الذاتية هو
عصر ( السكاندلزم ) أي
العصر الفضائحي . فقد
أصبحت العصمة تجارة لرفع
الأرصدة الى الملايين
وأصبح السعي إليها للوقوع
فيها يفوق السعي الى
الشهرة العادية بل أصبحت
الشهرة العادية مطمح
الخاملين .
صاحب السيرة سلمنا
المفتاح مند الصفحات
الأولى فقد وجد نفسه في
قصيدة الجرجاني الشهيرة
فاسقط نفسه عليها وجعلها
مدخلاً ومفتاحاً لمن
يرغبون أن يحوسوا خلال
حصونه وقلاعه وينفذوا الى
ما وراء قناعة المتجهم
وهذه القصيدة حبيبة الى
نفسي جدا وقد سبق أن
أوردتها في محاضرة عن
السيرة الذاتية في الشعر
ألقيت في القبة السماوية
أيام كان الأخ البوصيري
عبد الله أمينا لها . لا
أتذكر السنة . وقد أراد
أن يقول لنا بصراحة مع
الشاعر
يقولون : أأشقي به
غرسا وأجنيه ذلة
والغرس الذي شقي هو رحلته
الثقافية ورحلة والده فهو
امتداد لفارس سابق لعله
هو الذي بث فيه الشعور
البالغ في الحفاظ على
المكتسيات التي ينبغي أن
تتأكد لديه في التمثيل
الثقافي والاجتماعي
والسياسي في كيان المنطقة
الصغيرة ومنها الى الكيان
الوطني العام . وتحت هذا
العنوان الكبير نجد
التفسير لكل ما تميز به
المؤلف من وعي مبكر
بالأحداث التي تصوغ حياة
أبطال هذه السيرة . ويبرز
فيها أو في مرحلتها
الأولى بَطَلاَنِ :
الوالد الذي هو ( الشيخ )
والابن الذي هو الابن
والمريد او التلميذ فلا
غرابة في أن يهدي هذا
العمل لشيخه ( الشيخ
مختار ) وهذه علاقة جميلة
بين الشيح ( الوالد )
والمريد الابن . وجدت
كثيراً في التراث
الإسلامي وتحتاج الى
وقفات دقيقة لا يمكن لأي
سيرة مهما عظمت مجلداتها
وتعددت أجزاؤها أن تغطي
حياة كاملة فلا بد هنا من
الانتقاء للعلامات
البارزة والدالة . يعجبني
في الفن الروائي ، ما
أسميه أنا شخصياً بفن
الترصيع والتطعيم وهي أن
تكون الرواية مرصعة بقصص
وأحداث صغيرة تبدو بها
الرواية وكأنها تمتمة
فسيفسائية تستقل فيها كل
قطعة بدلالتها ولكنها تصب
كلها في العمل الروائي
الكبير وتصبح كلها البناء
الشامخ الذي يكون الرواية
وأسوق نموذجا على ذلك
أعمال الشاعر اليوناني (
نيكوس كزانتليس ) في
أعمــــاله الرواية ومن
أشهرها ( زوربـــا )
وكذلك في سيرته المعروفة
باسم ( تقرير الى الغريقو
) وهي من أجمل السير في
الآداب العالمية . كما
أسوق على ذلك مثلا سيرة
الطبيب السويدي ( أكسيل
موتنيه سان ميشيل ) وهي
لسنا هنا أمام سيرة واحدة
ولكن أمــام سيرتين سيرة
الوالد الشيخ من خلال
الابن المريد وسيرة الابن
من خلال الوالد . فهي
توشك أن تكون ثلاثية
الأجيال التي عاشها
المؤلف . . وانعكاسات
الأحداث المحلية
والعالمية عليها وتأثرها
في تكوين أفرادها بما
يقدم لوحة شمولية للواقع
الوطني والابن هنا يشعر
بمسئوليته لا ازاء جيله
فقط ولكن في تواصل
الحلقات والدفاع عن
الكيان الذي تحقق لأسرته
بفضل هـذا الشيخ الذي كان
منارة إشعاع ومثابة فضل .
وربما كان هذا التواصل
والغيرة الشديدة عليه هي
التي هيمنت بظهر الغيب
مثلت رقيباً على هذه
المسارب ومساراتها .
لا يستمد الكاتب هنا من
قراءات سابقة لأدب السيرة
الذاتية ولا يحتذي نموذجا
من نماذجها ولكنها يكتفي
بقراءة الواقع المباشر
الذي تحرك فيه صاحبه
المباشر . والواقع نفسه
قد يغني عن الاستمداد من
الآخرين او احتذائهم خاصة
لمن توفر على عين راصدة
لأدق التفاصيل التي تزخر
بها البيئة التي عاش فيها
ترفده في جميع ذلك ذاكرة
تاريخية واعية بكل
الأحداث التي مرت بها
فاطنة كل الفطنة الى
علاقاتها ونتائجها عليه
وعلى البتة التي يرصدها .
إنه في هذا العمل يخلق
أسلوبه الخاص في التعامل
مع أدب السيرة . ولا
يستطيع الناقد أن يرفض
الأسلوب الخاص . وغاية ما
يمكنه أن يحدد ملامحه
وصفاته التي لا تغادره .
أخطر ما تتعرض له السيرة
الذاتية حين يكتبها
صاحبها هي الانتقاء
والترتيب والتبرير
بافتراض قيام نزعة الجحود
والنكران فيمن يتحداهم
بهذه السيرة ونعني
بالانتقاء انتقاء الأحداث
والمواقف التي يتم
أبرازها بحيث تطغى على
غيرها . ومن هنا كان
احتراز بعض المذاهب
النقدية الحديثة عن
استخدام السيرة في تفسير
العمل الإبداعي لمن كانت
سيرته مصاحبة لهذا العمل
. ويصعب علينا نحن
المسلمين أن نابق من ملك
ربنا فنخرج عن أرض له
وسماء كما يقول المعري .
يصعب أن نخرج عن ثوابت
هذه الثقافة الإسلامية ،
وسننها الثابتة السارية
على الجميع . لم يسلم
منها من كتب سيرته او من
سيكتب . هنا الفرق بين
ثقافتين ثقافة تؤمن (
بالستر ) وثقافة تؤمن (
بالاعتراف ) بل نقلت هذا
الاعتراف من كرسي
الاعتراف في الكنيسة الى
الاعتراف أمام جميع الناس
.
لم أره فرحاً بعمل من
أعماله الأدبية فخوراً به
كما رأيته فخوراً بهذه
المسارب التي تبدو في
جملتها قصيدة عز من تلك
القصائد الشامخة التي
نعرفها في قصائدنا
العربية فخراً للأدباء
واعتزازاً بالأبناء .
هذا عملٌ مدجج مند صفحاته
الأولى وحتى نهاية الرحلة
معه بالشمم والكبرياء
والاعتزاز بالذات حتى
لتشعر أن صاحبه يتحدى قوى
خفية هو اعرف الناس بها
تحاول ان تغصبه حقه
الموروث او تنافسه فيه .
ولذا فان البيت الذي
أسقطه الكاتب على نفسه
ينبغي أن يحال الى صيغة
الجمع فيقرأ :
أنشقى به غرساً ونجنيه
ذلَّة
اذن فأتباع الجهل قد كان
أغرما
فهذا الغرس الذي يغار
عليه ويستميت في الدفاع
عنه ليس هو غرسه وحده
وإنما تراث تأسيسي.
لابد أن نقول للكاتب أن
نصيب الومضات الذهينة في
هذا العمل أقوى من نصيب
الوقدات الوجدانية ولولا
هذه الوقفات المعبرة عن
الحميمة في علاقة الشيخ
بابنه ومريديه لا مكن
القول بسيادة النزعة
السردية التقريرية وناشئ
الكثير من ذلك عن استسلام
الكاتب للتداعيات التي
تزحم نفسه وخاطره وتريد
أن تشبع في الكاتب نزعة
الاستقصاء والتفصيص وهي
ربما كانت من المورُوث
الشعبي الذي يقوم عليه
السمر ونقل الحديث في تلك
المناطق الصحراوية وشبه
الصحراوية التي نشأ فيها
المؤلف . طبعا هذا الحكم
لا ينطبق على كل العمل
فربما اتخذ العمل في
الأجـــزاء مساراً غير
هذا المســار . فلهذا كان
الاحتيـــاط بأنهـــا
مجرد انطباعات أولية
انتقلت من دائرة البيئة
الصغيرة الى عالم أوسع
وأرحب هو البيئة الوطنية
الواسعة ونجد المؤلف في
ذلك متكــأ يريحه من هذا
الضغط الذي يدفع به الى
الذاتي والوجداني والخاص
. وهو الذي يجعل لكل سيرة
نكهتها الخاصة وطعمها
الخاص .
وأقول ان النقاد سيبذلون
جهدا لاكتشاف في هذا
العمل وتصنيف شكله الفني
. . هل هو سيرة ذاتية أم
هو مذكرات شخصية . وقد
يبدو السؤال الفوري
التلقائي الذي يصادفنا ما
هو الفرق بين السيرة
الذاتية والمذكرات
الشخصية ؟ فنقول أن
السيرة شيء أقرب الى الفن
بحكم الذات المنعكسة
عليها ، أما المذكرات فهي
أقرب الى التاريخ . هي
وثيقة تاريخية تنقل إلينا
الدور الذي قام به صاحبها
كصانع للتاريخ او شاهد
عليه .
والوثيقة هنا ضرورية
لكمال الشهادة . وقد
استعاض الكاتب هنا عن
الوثيقة بالعناوين الكبرى
التي حفظها الذاكرة
العامة التي شكلت ظهرا
مسانداً وشاهداً بالصدق
له في كل ما سجل من أحداث
الفترة التي عايشها . فلا
نستطيع ان نتهمه بخيانة
التاريخ فان وثيقته
الكبرى هي الذاكرة العامة
التي تساند هذه الحقائق .
لقد اختـــار الأستاذ
أمين مازن أن تكون
سيرتـــه الذاتية هي أضخم
أعمــاله الأدبية ، وتجنب
بذلك الطريق الذي سلكه
كثير من الروائيين وخاصة
الروائيين العرب في
الاختفاء وراء نماذجهم
وشخصياتهم الى الساحة
بروز المثنبي في وجه
الزمان . . .
(( ولو برز الزمان الى
شخصا لخضب شعر مفرقه
سناني)) فهل يستطيع
النقاد الشباب والروائيون
ان يعقدوا لعـــمله هذا
قرابة بما نسميه (
الرواية السيرة ) وحين
قال العقاد وفي تقديم
سيرته المعنونة بأن ماذا
يهم الناس من خصوصياتي
كان يعبر عن واقع ثقافي
يشمله ويشمل من يأتي بعده
من أجيال .
مسارب أمين مازن مسارب
تحكم العقل في رسمها
وانتقاء الآمن منها وتجنب
المسارب المحفوفة او لا
توصل الى الهدف من اقرب
الطرق . ولذا غلبت
الذهنية على هذا العمل
المحكوم بتخطيط صارم مند
البداية وغاب البوح
الوجداني فجاءت مساربه
شيئا من السيرة الذاتية
وشيئا من المذكرات
ويستخدم المؤلف هناك
ذاكرة واعية حافظة لا
تكاد نقلت منها جزائية من
الجزئيات الأحداث التي
عايشها او انتقلت إليه عن
طريق الرواية . بل تتسع
هذه الذاكرة الحافظة
الواعية باتساع اهتماماته
التي نموذجا الشيخ كما
تقدمه هذه السيرة وقد
عرفت له شخصيا هذه
المكانة الجليلة في لقاء
به وتواصل معه على البعد
من خلال تلاميذه ومريديه
ومن الناهلين من عمله
وفضله .
ويبدو أن هذه الصلـــة
الروحية هي التي شغفت
لأمين مازن فجعلتني
رفيـقا فيما قلت ولي
موعدا آخر مع هذا العمل
الجيد الممتاز .
وأختتم بهذه اللقطة .
وأختم فأقول أنها مجرد
انطباعات أولية قصد بها
المشاركة في تحية صديقنا
المفضال الأستاذ أمين
مازن بمناسبة صدور الجزء
الأول والثاني من (
مَساربِه ) الجميلة ،
والعنوان في حد ذاته
عنوان جميل وله دلالات
غاية في الإيحاء .
وختم بهذه اللقطة
الثراثيه . قالوا ان
معاوية بن أبي سفيان
اجتمع بشباب من قريش وكان
فيهم الأشدق الذي سيكون
فيما بعد من خطباء العرب
فقال له معاوية :
بمن أوصى بك أبوك ؟ فقال
الأشدق : لم يوصى لي أبي
وإنما أوصى إليَّ . قال
معاوية . وبماذا أوصي
إليك . قال الأشدق : بأن
لا يفقد أقرانُه إلا
شخصته . والمعنى واضح أي
أن تتواصل منه القيم .
-
في الصورة
الراحل خليفة التليسي -
الامين مازن - الكاتب
المغربي قمري بشير
|