عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 
 

 

محمد كشلاف مثال العصامية

 

في رباطة جأش غير متكلفة وايمان واضح بالله ، ورضاء بقدره يؤكدهما السلوك ويجسدهما جميل الصبر وجلال السكينة ، يسند الاذاعي القدير والاعلامي الناجح محمد كشلاف بالبيت الذي ورثه من أبيه بضاحية سوق الجمعة بمدينة طرابلس ...

يواجه مرضه العضال الذي ظهرت اثاره فجأة في الاشهر الاخيرة يوم ان اضطر الاطباء الى استئصال احدى كليته حين تأكدوا ان المرض لم يحل بينها وبين اداء وظيفتها وحسب وانما جعل منها شيئا يمكن ا ن يطال الجسد كله بالاذي .
عشرات الاصدقاء هرعوا الى منزل كشلاف افواج اثر افواج من شرائح عدة في المجتمع تسال وتجامل ، من معجب بعطائه الاذاعي ، الى زميل قديم في العمل الى صديق من اصدقاء احد افراد الاسرة متعددة الاهتمامات والحضور ، الى عين من عيون المجتمع الذي يعرف الرجل بل ويعرف الاهل جميعا .
ان البيت يمثل هؤلاء جميعا منذ ان كان محمد كشلاف الى جانب اخوانه الاربعة يسكنون في زنقة بورخيص منطقة بلخير مسقط رأس كشلاف و مأوى الحاج سالم في الثلاثينات ، عندما كان الرجل مثلا نادرا في العصامية وتكوين الذات والقدرة على منافسة اذكي التجار الكل لهم ذكرياتهم مع محمد كشلاف ولهم كذلك دافعهم للاعجاب والحب ، ولهم اليوم نصيبهم في استشعار الالم والمرارة عند مشاهدة الانسان الجميل ليتحمل ما لاطاقة به من الالام والاوجاع ٍويصر على استقبال محبيه بابتسامة واثقة وشوق عارم .
عريضة حقا وخصبة حقا تلك الرحلة التى قطعها ذلك الجيل ، وكان كشلاف شديد الحضور دائم البروز والتفرد ، ربما خيل للمرء في تلك الفترة البمكرة من الخمسينيات ان العلاقة لن تتطور الى الحد الذي بلغته اليوم ، وان كشلاف لن يصل الى ما وصل اليه من سامق المكانه وحسن الاداء فقد كان رياضيا من رياضي نادي الشباب الليبي ذلك المكان الذي كان ذات يوم بؤرة من بؤر العمل الوطني المرتبط بأكثر من هدف وفضاء من فضاءات النشاط الاجتماعي والهم الفكري والتطلع السياسي بحيث كان النشاط الرياضي من اقل اهتمامات ذلك المكان ، بل انه لم يوضع في البداية الابارادة نظارة الداخلية حين منحت الترخيص ، واشترطت لذلك النص على كلمة نادي رياضي الى جانب الثقافي كانت الحياة تمور في ذلك المكان الصغير الواقع في اهم شوارع المدينة وفي قلب اشهر ميدان من ميادينها " ميدان الشهداء" عندما أمكن نقله من " زنقة" الحمام الصغير وانضمت اليه الفرقة الليبية الحديثة في مشروع يستهدف جمع اكبر قدر ممكن من الشباب على درب العمل الوطني والنشاط الاجتماعي والثقافي بقصد حماية المنتوج الوطني من المنافسة الاجنبية والعمل النقابي من سماسرة الشركات وممثلي الاحتكارات الاستعمارية ، اعتمادا على قدرات ذلك التجمع النادر من الشباب الذين لم تجمع بينهم العشيرة ولا الجهة ولا القبيلة ولا حتى طبيعة العمل ، بقدر ما جمعهم هم اكبر وهدف اسمى فكان ان اتحد المثقف مع رجل الامن والموظف مع العامل وصاحب الحرفة مع رب العمل ، فيما كان الهم السياسي يختلف بين من يرى ان الجزء لا قيمة له امام الكل ، ومن يثق بان البداية لا بد ان تنطلق من الواقع والكل يسعى الى كسب اكبر قدر ممكن من الموجودين في المكان والمترددين عليه بين الفينة والفينة .. يستحيل على المرء ان يعدد الان كل الاسماء التى كانت ترتاد المكان وتنطلق منه وتختلف داخله خلافا بينا ثم لا تخرج الامتقفة . من المؤكد ان ذلك كله ، لم يمر بسهوله بقدر ما كان سببا في مصاعب جمة ، دفع ثمنها مرات ومرات ثمة من لقي الجزاء مبكرا وثمة من افلت الى حين ، والمسالة اولا واخيرا مسالة نصيب وقسمة اذا ما اكثرالذين كسبوا شهرة الموقف دون ان يتخدوا شيئا منها ووصفوا بها بعيدا عن الحقيقة والواقع .
انها الملابسات التي لم تغب يوما عن الذاكرة ولامناص من الوقوف امامها بمسئولية حين يقتضي الظرف وتسمح ضرورات المقالة .
علي ان محمد كشلاف كان في حقيقة الامر شيئا مختلفا تماما عن المجموعة التي حسب عليها من الرياضين كان يرصد الامور بذكاء ووعي ولكن بدون حديث او فضول فميله الي الصمت لايجارى . وقدرته علي الصبر بدت من تلك الفترة المبكرة اما لعبة الورق التي اتقن فنها في لحظات الفراغ فقد حملته الي اعمال التفكير اكثر فاكثر . ولانه كذلك فقد افلح في ان يشق طريقا اخر يمكن القول انه قد استبق به الظروف المحيطة حين تعثرت خطواته الدراسية وظطر ان يتوقف عن المواصلة بعض الوقت فهو لم يستسلم للتوجية الذي او مابه الوالد والمتمتل في الجلوس بسوق الرباع والاتجار بالنول وحياكته باعتبار ذلك هو المصدر الاساسى للعيش . وانما اتجه الي الوظيفة العموميه والي قطاع الاعلام تحديدا حيث بدا المجال فسيحا بعض الشئ وكانت البداية من الخبر المحلى تحريرا او متابعة وهي رحلة طويلة علي اي حال لقد كان التداخل واضحا بين الخبر مكتوبا والخبر مذاعا ولان الامر كذلك لم تكن ثمة صعوبة في التهجين ومواصلة التحصيل والتدريب في اكثر من مجال . حتي كان دخولة ميدان الاذاعة في السنوات الاخيرة من الستينات وكانت قدرته في تحقيق حضوره المتميز في ذلك الزمان كان القلق الاعلامي بوصفة تعبيرا عن القلق السياسي وانعكاسا له قد بلغ حده ولهذا استهدف ا لاذاعي الصاعد ـ ولم يصلب عوده بعده ـ بقسط وافر من المضايقة فحذر من اعز اصدقائه وجاء التحذير علي اعلي المستويات ويومها حال شموخه عن اعطاء اى عهد . بل انه ذهب الي اكثر من ذلك فامتنع عن تقديم اي برامج كيلا تكون اداة من اداوت الضغط عليه كل الذين يعنيهم امره ويحرصون علي مصالحه من الاصدقاء تحديدا والذين كانوا موضع التحدير نصحوا محمد كشلاف الذي انجب مولوده الرابع ان يبتعد ويتفرغ لعمله . ولكنه ذلك بالنسبة له في حكم المستحيل فلم يزداد الااصرار علي الحضوروعلي اللحاق بالمجموعة الصغيرة اينما حلت . حتي عندما كانت السيارة الالمانية الصغيرة "زفاقن 89111" ترافق البشير من الشارع الصريم الي مقى الجنان من البيت واليه ويومئد لم تخذله الاقدار فكان "سبتمبر " وكان بعد ذلك الفضاء الاذعي الذي ملآه كشلاف حتي النهاية . لقد تفجرت منذذلك اليوم كل الطاقات الكامنة في الشخصية الهادئة والمنطلقة ايضا فكانت رحلة العطاء الذي لم يعرف الانقطاع يوما . برامج متوالية تسجيلات مستمرة زمالة ثنائية ملات الحياة ولم تلبث ان تحولت الي افاق رحبة من الطموح والانجاز..انها رحلة الحياة المثيرة التي عاشها محمد كشلاف عشية الاقتران بفاطمة التي تجاوزت مجال العمل الي التكوين الشخصي ,فكانت مواصلة الدراسة التي قطعها ذات يوم في المرحلة الاعدادية واذابة بكل المشوار الجماعي , جنبا الي جنب مع ابنائه الذين كانوا يكلمون مراحلهم الواحد تلوا الآخر, ويشقون طريقهم في ثبات وروية واصرار الي ان كانت هجمة المرض الشرس وتطوره بهذه الكيفية وسط هذا الخضم من التعاطف والمحبة وهذا الفيض من الصبر والعزيمة التي اختص بها . ان اراء طيبة كثيرة تقول بالعلاقة بين رباطة الجاش والشفاء فيبدوا الامل كبيرا في ان تفلح النفس الكبيرة في التغلب علي غول المرص والخروج منتصرة , مثلما انتصرت في مواطن كثيرة ومثلما افلح من يحمل هذه النفس في التنزه عن كل مايسئ ويخدش السمعه ويدفع الي التواري من لقاء الاهل والمحبين والجيران , ذلك ان يصنع ذلك كله يكون دائما اقوى من المرض وجيوشه الماكرة واثاره المؤلمة في حضرة الوجود الاروع تري ماسر رباطه الجاش غير المتكلفه والقدرة علي مواجهة المرض العضال الذي لم يستطيع النيل من النفس الكبيرة ؟ لاشئ غير ثقة من يحمل هذه النفس انه كان دائما ليس كالبعض منا ممن يغيرهم حب الظهور .. ليس من يسيل لعابهم الكسب المادي .. ليس ممن يجيدون لعبة التلطع فوق الحبال والظهور باكثر من مظهر .. ليس اكثر من انسان بسيط حاول وافلح ان يصدق فيه قول شاعر الخالد هو المرء الذي ليس جاره مضاعا ولاخان الصديق ولاغدر وحسب المرء ان يكون كذلك .

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية