|
من اختياراتنا
مصر جديدة أم (حمل
كاذب)؟
وحيد عبدالمجيد
مصر تتغير. هذا هو ما
يلاحظه كثير من الناس.
يري بعضهم أن التغيير
بطيء، ويخشي بعض آخر من
العشوائية السائدة في
الحياة السياسية.
ولكنهم يرون أن تغييراً
يحدث. غير أن ثمة من
لا يوافقون علي ذلك،
ويظنون أن ما يبدو بداية
تغيير قد لا يكون أكثر من
حمل كاذب. وإحدي أهم
معضلات مصر الآن أن
أحداً لا يقدر علي
تقديم إجابة مقنعة علي
السؤال عما إذا كان تغيير
يلوح في الأفق أم أنه
مجرد سراب جديد. غير
أنه بمنأي عن البحث عن
يقين يستحيل بلوغه الآن،
فالحقيقة التي قد لا
يكون هناك خلاف كبير
عليها هي أن المرحلة التي
بدأت بثورة ٢٥٩١ تقترب
من نهايتها بعدما يقرب من
ستة عقود توالت خلالها
ثلاثة عهود اختلف فيها
الاتجاه، ولكن في إطار
الهيكل السياسي نفسه.
فلم يحدث تغيير ملموس في
هذا الهيكل الذي قام علي
أساسين: أولهما دولة
أبوية أصرت علي أن تبقي
كذلك بالرغم من تضاؤل
قدرتها علي الرعاية
الاجتماعية، الأمر الذي
وضعها تحت ضغوط تصاعدت
تدريجياً خلال السنوات
الأخيرة حتي بلغت ذروتها
علي الرصيف المواجه لمجلس
الوزراء، والذي أصبح
شاهداً علي حجم ونوع
الأزمة الاجتماعية التي
تُركت إلي أن تفاقمت.
أما الأساس الثاني للهيكل
السياسي الذي أقامته ثورة
٢٥٩١ فهو الدور المهيمن
لمؤسسة الرئاسة علي ما
عداها سواء في داخل
السلطة التنفيذية التي
تقف هذه المؤسسة علي
رأسها، أو السلطة
التشريعية والقضائية،
أو باقي مكونات النظام
السياسي بوجه عام. ولكن
بالرغم من المؤشرات
الدالة علي أن مصر تعيش
الآن في نهاية مرحلة ثورة
٢٥٩١، فليست هناك
ملامح واضحة بعد لما
سيليها. وهذا هو ما
سيجعل مرحلة الانتقال
الراهنة مرتبكة،
والقادم مثير للقلق
بمقدار ما يبدو الوضع
القائم مثيراً للغضب،
أو للضجر بالنسبة إلي من
لا يعانون من جراء تفاقم
الأزمة الاجتماعية.
وينعكس هذا كله بالضرورة
علي الاحتجاجات الصغيرة
المتناثرة والمتزايدة
عموماً، والمحاولات
التي تُبذل لتنظيم
احتجاجات أوسع وأكثر
شمولاً. كما يظهر أثره
في أداء الشباب الذي نجح
في نقل نشاطه السياسي
الذي بدأ إلكترونياً في
فضاء »الإنترنت« إلي
أرض الواقع. فهؤلاء
القادمون الجدد يعبرون عن
عمق الأزمة السياسية
والاجتماعية في مصر.
ولذلك يبدو ازدياد دورهم
علي هذا النحو مؤشراً
علي حالة الفراغ
السياسي. فالصراع
الرئيسي في الساحة
السياسية (بين نظام
الحكم والإخوان
المسلمين) يفتقر إلي أي
مضمون سياسي، فأحد
طرفيه يستند إلي جهاز
الأمن، والثاني يعتمد
علي الشعارات الدينية
والعمل الاجتماعي. أما
أحزاب المعارضة المشروعة
فقد أضعفها الحصار الطويل
الذي تعرضت له. وفي ظل
هذه المعطيات، تمكن
القادمون الجدد إلي
الساحة السياسية من خلق
دينامكية متزايدة،
بالرغم من عشوائية
حركتهم وضعف ثقافتهم
السياسية. ولكن يظل
العامل الرئيسي وراء
ازدياد الاهتمام بدورهم
هو الضعف الشديد في أداء
أجهزة الدولة، وانتشار
الغضب في أوساط قطاعات
متزايدة من المصريين،
إضافة إلي الفراغ
السياسي. ولذلك سيتوقف
المشهد في الفترة المقبلة
علي مدي قدرة أجهزة
الدولة علي مراجعة أدائها
الضعيف واستيعاب الدروس،
ومن ثم إدراك أن عصراً
جديداً يبدأ، وأن
مصر جديدة تحاول
البزوغ. ومن سمات هذا
العصر تراجع قدرة أي نظام
حكم علي تغييب إرادة
الناس، وانكسار حاجز
الخوف من السلطة
تدريجياً، فمن كانوا
يخشون إبداء رأيهم،
باتوا مستعدين لخوض
مواجهات لتغيير وضع لم
تعد لديهم قدرة علي تحمل
استمراره دون أي تغيير.
وهذا فضلاً عن توفر
أدوات جديدة للاحتجاج
يصعب السيطرة عليها
ومحاصرتها لأن فضاء
»الإنترنت« الواسع
غير قابل للمصادرة.
ولذلك تشتد الحاجة الآن
إلي حوار وطني جاد،
وليس علي شاكلة الحوارات
السابقة سواء التي شارك
فيها الحزب الوطني أو
التي اقتصرت علي أحزاب
وقوي المعارضة أو بعض
منها، فالحوار المطلوب
الآن ينبغي أن يكون علي
مرأي ومسمع من الرأي
العام، وأن يتسع
للقادمين الجدد الذين
يفتقدون الثقة في النظام
السياسي بكل مكوناته.
وهذا الحوار هو السبيل
الوحيد لأن تبزغ مصر
جديدة عبر تطور ديمقراطي
سلمي بعيد عن العنف
وأخطاره، مثلما هو
الطريق الذي لا بديل عنه
لحل المشكلات
المتلاحقة.
عن صحيفة الوفد المصرية
|