عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

 مقالات

 

المتحدث و المستمع في كتابة خليفة الفاخري القصصية(*)

عمر أبوالقاسم الككلي

 

يصف الناقد الآيرلندي فرانك أوكونور القصة بأنها" تبدأ و تستمر في آداء وظيفتها كفن خالص قصد به إشباع مستوى القاريء الخاص. . . المتوحد. . . الناقد."1، و هذا يعني أن القصة تطرح نفسها للقاريء كموضوع جمالي، أولا، قابل للدراسة و التحليل، ثانيا، و لا تقدم نفسها كذات تقيم معه- أي القاريء- علاقة حميمة. إنها تطرح نفسها كعالم يحتاج إلى اكتشاف و ارتياد، و لا تقدم نفسها كحديث و بوح يتطلب منه تعاطفا. فأن تطرح القصة نفسها كموضوع يعني أنها تستثير فضول القاريء. أما تقدمها منه كذات فيعني أنها تخاطب وجدانه. أن تطرح نفسها كموضوع يعني أنها تستدعيه إليها. أما أن تتقدم منه كذات فيعني أنها تذهب إليه.
يقول أوكونور: " إن أجيالا من أصحاب الأساليب المهرة[. . .] قد حددوا القصة القصيرة بشكل لم تعد تحتمل معه صوت الإنسان الذي يتحدث."2، فالإنسان الذي يتحدث إليك يطلب منك أحيانا أكثر من التعاطف، إنه يطلب قدرا من التقمص. أي أن تتصور نفسك بطلا لما يحكيه. يقول أوكونور في سياق مناقشته لكتابة همنغوى القصصية: " لا أحد يشبهك يحاول أن يغريك لتشاركه تجربته الخاصة، و تستطيع أن تتصور نفسك سائلا إياه عن طبيعة تلك التجربة."3

و يبدو أن كتابة خليفة الفاخري القصصية كانت تعمل ضد هذا الاتجاه. اتجاه إقصاء" صوت الإنسان الذي يتحدث". فلا يكاد عمل من أعماله يخلو من شخص يتحدث.

لكن وجود المتحدث يفترض وجود مستمع.

يقول4 الناقد الألماني فالتر بنيامين بأن نجاح فن السرد اعتمد تقليديا على الإحساس بالتماثل بين المتحدث و المستمع و على الرغبة في تبليغ شيء مفيد. هذان الشرطان يتبادلان الاعتماد. فالمعلومة مفيدة طالما أنها ممكنة الاستخدام من قبل الآخرين ضمن إطار نفس مجموع القيم التي استدامت، فقط، بسبب الإخلاص لها من قبل أكثر من فرد. هذا لم يعد قائما في الأزمنة الحديثة. و هو ما يمثل، حسب بنيامين:

العرض الملازم لقوى التاريخ المنتجة العلمانية. العرض الذي أزاح تدريجيا السرد من عالم الحديث المباشر جاعلا، في نفس الوقت، من الممكن مشاهدة جمال جديد فيما يتلاشى[. . .] الراوي يستمد ما يرويه من الخبرة- خبرته أو تلك التي نقلت إليه من آخرين- و هو، بدوره، يجعل منها خبرة الذين يستمعون إلى حكايته.

ما يهمنا في هذا الاقتباس، المطول قليلا، هو أن:
(1) خليفة الفاخري احتفظ بثنائية المتحدث-المستمع التي قام عليها فن السرد تقليديا.
(2) لم يلتزم بعنصر اشتراكهما في منظومة القيم. إذ كثيرا ما يستهدف المتحدث في كتابات خليفة الفاخري القصصية إقناع السامع بنبذ منظومة قيمه و اعتناق منظومة قيم المتحدث.
(3) محاولة إنقاذ جمال ما يتلاشى.
(4) التركيز على الخبرة الشخصية، غالبا، و على خبرة الآخرين، أحيانا، و محاولة تجسيدها حارة أمام الآخر الذي هو القاريء المفترض أن يكون مستمعا من خلال تماهيه مع المستمع في العمل.

و من المهم أن نلاحظ أن للمتحدث و المستمع في كتابة خليفة الفاخري القصصية تمظهرات عدة. فأحيانا يكون المستمع حاضرا داخل النص، لاعبا دور البطولة فيه، و لا يقوم المتحدث بأكثر من دور الراوي الذي يروي تجربة المستمع. أي أن المستمع يستمع هنا إلى سرد لتجربته هو شخصيا، من وجهة نظر المتحدث. و في أحيان أخرى يتحدث المتحدث عن تجربته الشخصية و يسهل له المستمع استرساله في الحديث أو السرد عن طريق بعض التعليقات التي يبديها بالخصوص. و في بعض الحالات يقوم المتحدث بسرد تجربته دون أدنى تدخل من المستمع الذي لا يوجد في النص ما يشير إليه سوى أسلوب المخاطبة، و في هذه الحالة يكون المستمع خارج النص و يكون بمثابة القاريء. و في غير قليل من الأحيان يكون المستمع هو المتحدث نفسه الذي ينقسم على ذاته و يدخل في جدال معها. على أنه، و في جميع الحالات، يكون الحديث عن تجربة المستمع أو المتحدث عملية جرد حساب للتجربة التي يكشف جرد الحساب هذا أنها تعاني خللا من هذا النوع أو ذاك.

و السؤال الآن هو: لماذا ظل خليفة الفاخري يعمل في كتابته القصصية ضد التوجه الحديث في القصة الذي أشرنا إليه؟.

نعتقدأنه، إضافة إلى الهدف الجمالي المتعلق بإنقاذ جمال ما يتلاشى، فإن هدف التأثير في القاريء و تغييره كانا الدافعين الحاسمين وراء توجهه هذا. و نحن نجد في أكثر من مكان من نصوص الفاخري إشارات واضحة إلى هذين الهدفين، اللذين هما في الحقيقة هدف واحد. ففي نص بعنوان" عيون الكلاب الميتة" من كتاب" موسم الحكايات" يقول: " و لقد بت تحلم طول الوقت بأن تغزل تنهداتك فوق الورق ذات يوم. . و أن تجعل الآخرين يتنهدون على نحو تلقائي حين يقرأون كلماتك."( موسم الحكايات ص 192) و يقول في النص ذاته: " كنت تود أن تصبح مثل برومثيوس."( نفسه. نفس الصفحة) و في نص" بيع الريح للمراكب" من الكتاب الذي بنفس العنوان يقول: " لقد بدأت أحلم أن أضع الجرس في رقبة القط."( بيع الريح للمراكب ص106). و في نص: " غربة النهر" من الكتاب الذي يحمل نفس العنوان أيضا يقول: " و لكنك لم تستطع حتى الآن أن تحدث ثغرة صغيرة في جدار الصين الرهيب!."( غربة النهر. ص231).

الهوامش:

(*) كتب هذا المقال خصيصا للمشاركة في الندوة التي أقيمت حول كتابات خليفة الفاخري في بنغازي في الفترة: . كانت النية معقودة على أن تلتئم هذه الندوة في حياته، لكن القدر اختار أن يدعم التقليد العربي العتيد المتمثل في عدم الاهتمام بالمبدعين إلا بعد رحيلهم.
(1) فرانك أوكونور. الصوت المنفرد. ت. الدكتور محمود الربيعي. م. محمد فتحي. الهيئة المصرية العامة للتأليف و النشر. القاهرة. 1969.ص9-10
(2) نفسه. ص23
(3) نفسه. ص 141
(4) Edward W. Said. The world the text and the critic. Vintage. London. 1991. P.100

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية