|
عندما
يتحول الكاتب إلى صانع
أساطير
محمد الغزي
تنكّب نقّادنا عن قصص
الأطفال فلم يولوها
عنايتهم ولم ينعطفوا
عليها بالنظر والتحليل
كأن هذه القصص لم تتمكن
بعد من اختراق قلعة الأدب
الحصينة تحرسها التقاليد
والنقاد والأكاديميون
، كأنها لم تتمكن بعد
من اكتساب شرعيتها فظلت
. بسبب كل ذلك ،
مجرد هامش يتوقاه
النقاد ترفعاً أو
تعففاً أو بحثاً عن
سلامة موهومة .. وربما
أسهمت عوامل أخرى في
انصراف النقاد عن هذا
الأدب لهل أهمها :
1 - اقدام كتّاب بلا
موهبة على تعاطيه مما جعل
الساحة تمتلىء بقصص
مبتسرة متهافتة ذات مقاصد
أخلاقية مباشرة يندّ
عنها طبع الأدب .
2 - إقبال هؤلاء
الكتّاب على استرفاد
أعمال أخرى يقتبسونها
، أو يعرّبونها أو
يلمّون بها .
3 - انصراف أدبائنا
الكبار عن كتابة هذا
الضرب من الأدب .
ونحن نعتقد أن أدب
الأطفال يحتاج ككل أدب
إلى " لوثة الإبداع
حتى يأتي على غير
مثال ، بل ربما كان
هذا الأدب أشق على الكاتب
من " الأدب الرصين "
لأنه من الأدب الذي
لا يخاطب أفق انتظار
جاهز ، سابق عليه في
الوجود ، وإنما
الكاتب هو الذي يصوغ
هذا الأفق ، يصنع
بصبر وأناه .
أقول هذا لأني من
المقبلين على أدب الطفولة
أقرؤه بشغف وحب كبيرين
، فأنا أزعم أن أدب
الطفولة هو النوع الوحيد
الذي بقى رديف الحلم
والدهشة والغرابة فيما
أصبحت كل الأنواع الأخرى
، بما فيها الشعر
قرينة التأمل والتفكير
وكد الذهن . بسبب من
هذا تحولت قراءة الأدب
عندي إلى " واجب "
يشق عليّ أحياناً
تأمله ، واستنطاقه
، وعقد حوار معه ،
فيما ظلت قراءة أدب
الطفولة بالنسبة إليّ
، متعة أقبل عليها
دائماً بفرح كبير .
أن أقرأ أدب الطفولة
فهذا يعني أني
استنبت جناحين وأطير
بعيداً في سماوات لا
أعرفها ، هي سماوات
النصوص التي أقرؤها
، وهذا يعني أني
أرتدّ إلى زمن سابق
على المنطق حيث لا تمييز
بين الطبيعي والخارق
، بين القوى السحرية
والقوى الطبيعية ،
فالقانون المسيطر هو
قانون التعاطف والمشاركة
المتبادلة لا قانون
التناقض ، وهذا
يعني أيضاً أني
أدخل مجتمع الحياة حيث
تنعقد بين الإنسان والرعد
القاصف ، والظل
المباغت والحيوان الجامح
أواصر قربى عديدة .
هل أقول إن كتّاب قصص
الأطفال هم صائغو
أساطيرنا الجديدة بعد أن
فقدت الأساطير القديمة
دورها وانطفأ بريقها
الأول .
هل أقول إنهم آخر من
يصرّ على إخراج
الإنسان من زمن "
اللوغوس " وإعادته إلى
زمن " المثيوس " .
كل هذه الأسئلة ، كل
تلك الخواطر كانت تلح
عليّ وأنا أقرأ مجموعة
يوسف الشريف التي تضم
عدداً من قصص الأطفال
موسومة بــ " المهر
الأسود " ففي هذه
القصص بعض من الأساطير
القديمة ، بعض من
حكايات البدايات ،
بدايات الكون والإنسان
والطبيعة ، لكأننا مع
هذه القصص نشهد ميلاد
العالم من العماء الأول
، نشهد انبثاق الجبال
والنجوم والعناصر ،
فالعالم الذي يصفه
يوسف الشريف هو عالم
ساحر غامض خرج للتو من
بين أصابع خالقه :
" في الأرض البعيدة
غابات لم تصلها قدم
إنسان ، يحكي عنها
الناس حكايات لكنهم لم
يروا أي شىء حتى أسامة
لم يفكر يوماً من
الاقتراب منها " ـ انظر
المهرة السوداء ) .
وبعينين مندهشتين كانت
شخصيات هذه القصص تنظر "
وهي من الأطفال "
إلى هذا العالم ..
فالدهشة هي طريق
المعرفة :
" يأخذه العجب
والاندهاش وهو يرى
النجوم تتلألأ بلونها
المتوهج " .
هل هي بعيدة عنا ؟
هل هي أكبر من بيتنا ؟
في ليلة من الليالي
رأى نجمة تهبط من السماء
أخذته المفاجأة فتابعها
بعينيه ورآها تتجه إليه
، إنها تكبر كلما
اقتربت .. أ خذت تكبر
ويزداد بريقها ، لم
تحتمله عيناه فغطى وجهه
بكفيه الصغيرتين ،
لكن الضياء يغمره ،
وكأنه يسبح في بحر
من الوهج الفضي " .
على هذه الهيئة يصف
يوسف الشريف الأطفال
، فهم في قصصه ،
كائنات نورانيّة ،
موصولة بالسماء وبما
وراء السماء ، هبطوا
إلى الأرض كالنيازك
يبدّدون ظلمتها ويخلعون
عليها النظام والمعنى .
هؤلاء الأطفال دخلوا إلى
الأرض يتهجون مفرداتها
، مفردة ، مفردة
، تحركهم رغبة عارمة
في المعرفة ، وفض
مغالق الكون من حولهم :
- أين السماء
- إنك في السماء
- لكنني لا أراها
زرقاء
- أنت تراها زرقاء وأنت
بعيد عنها .
لم يفهم شيئاً فسكت
..
أبطال يوسف الشريف
فضوليون ، يريدون أن
يعرفوا ماذا تخبىء
الغرفة التي أراد
الراوي أن يبقيها
مغلقة فلا يدخلها أحد
من الأطفال ليكتشف ما
فيها .
لكن هؤلاء الأبطال نسوا
كل الغرف وأصروا على
معرفة ما وراء أبواب تلك
الغرفة .
ثمة نصان غائبان
كبيران يتلامحان من
خلال أغلب القصص التي
ضمتها هذه المجموعة :
- النص الأول هو نص ألف
ليلة وليلة ، فبعض
القصص تبدوو كأنها مقتطفة
من هذا الكتاب الباهر
، تتكلم لغته ،
وتستدعي رموزه ،
وتستحضر مناخاته
العجائبية ، ويتجلى
ذلك واضحاً من خلال
قصة " حورية البحر
الصغيرة " .
- أما النص الغائب
الثاني فهو نص كليلة
ودمنة الذي استعدى
مملكة الحيوان ليحاكم من
خلالها مملكة الإنسان
معولاً على الكناية
التي تلوح ولا تصرح
، تومىء ولا تكشف "
انظر على سبيل المثال "
الغابة البيضاء ،
الخطة المحكمة " ) .
لكأن الكاتب يوسف
الشريف يريد لأعماله أن
تكون امتداداً للسرد
العربي القديم ،
واستئنافاً لطرائقه
في نحت الشخوص ،
وتركيب الوقائع ،
وتصريف القول ،
لكننا لا نعني من خلال
هذا الكلام ، أن
الكاتب قد استفرد القصص
القديمة أو ألمّ
بأساليبها المعروفة ..
فللرجل لغته وأسلوبه
وطرائقه في صياغة
القصص ، وإنما نعني
أن يوسف الشريف أراد
أن يخاطب الطفل من خلال
وجدانه الثقافي ، ولا
وعيه الجماعي .
في هذا السياق ،
سياق استلهام التراث
، نتأول تمسكه بقانون
" الإفادة والامتاع "
في كل القصص التي
كتب ، وهذا القانون
هو الذي كان يتحكم
في معظم نصوص التراث
، قصص يوسف الشريف
تنطوي دائماً على
عبرة أو عظة أو حكمة أو
درس يستصفيه المتقبل من
أحداثها ، أي إن
الكاتب فيها لا يسرد
ويروي قحسب وإنما
يعلم ويرشد أيضاً ،
فلقصص يوسف مقاصد
أخلاقية واجتماعية تلوح
لها الأحداث والوقائع "
الاحتفاء بالعمل -
إدانة الكذب " .
لكن أهمية نص يوسف
الشريف لا تكمن في
نظري في مقول القول
بقدر ما تكمن في كيفية
القول ، أو إذا
استعرنا مصطلحات النقد
الحديث قلنا إن أهمية
قصصه لا تكمن في الخبر
" أي في الأحداث
تتوالى ، والوقائع
تتعاقب " وإنما في
الخطاب " أي في
الطريقة التي تروى بها
تلك الأحداث والوقائع "
فالكاتب ، وأوشك أن
أقول الشاعر ، قد
أهاب بطاقات اللغة
الاستعارية ليكتب قصصه
، هذه القصص التي
تحوّلت في بعض
مقاطعها إلى قصائد
جميلة :
" في البيت لم أر
طائراً يطير أو
عصفوراً يغرد ،
أفتح نافذتي كل مشرق
شمس انتظر عصفوراً
أبيض ، لكن العصفور
لم يظهر ، وأصبحت
وحيداً في بيت لا
توجد فيه شجرة كرم .
قلت لأبي :
- إن العصفور لن
يأتي لأنه يحب
عناقيد العنب .
قال أبي :
- سأزرع لك واحدة تأتي
إليها العصافير " .
بهذه اللغة الجميلة خاطب
يوسف الشريف أطفالنا
، لغة تمكنت من بناء
عالم سحري فيه تأوي
الطيور إلى سرير الراوي
، والريح تهرب إلى
قمة الجبل وتختفي في
كهف مظلم والقطة تضرب
بمخالبها طفلها الصغير
والعصفور الأخضر يستجير
بطيور الغابة .
ألا يتيح لنا كل هذا
القول إن يوسف الشريف
هو صانع أساطير جديدة ؟
لكن مجموعة " المهرة
السوداء " لا تضم
إبداعات يوسف الشريف
القصصية فحسب وإنما تضم
أيضاً القصص التي
عرب ، قصصاً
موصولة بقصص الشريف
بأكثر من واشجة ،
فالكاتب طوع هذه القصص
إلى حساسيته إلى لغته
، إلى نظرته إلى
العالم والأشياء بحيث بدت
وكأنها من إبداع الرجل
ولهذا أجنح إلى القول
إن الشريف لم "يترجم "
هذه القصص وإنما أعاد
كتابتها ، أي أعاد
إبداعها .. لهذا لا
يخرج القارىء في هذا
المجموعة ، من مناخ
أدبي إلى مناخ آخر على
الرغم من تقاذف المسافات
بينها وإنما يظل في
مناخ أدبي واحد .
وهذه الطريقة التي
توخاها الشريف في
الترجمة هي الأنجع في
مجال أدب الأطفال ،
فكثيراً ما تبدو
"الترجمة " خروجاً
على أساليب تصريف القول
العربية فلا تستدرج الطفل
إلى قراءاتها بقدر ما
تصده عنها .
من كل ما سبق يمكن أن
نستصفى نتيجتين اثنتين :
1- إن اعمال يوسف
الشريف إسهام جاد في
بلورة أدب للطفل العربي
، أدب لا يكون
استنساخاً لأدب اخر
، أو ترديداً لإبداع
سابق وإنما يكون
تجسيداً لقيمنا
الثقافية وأسئلتنا
الوجودية .
2- إن هذه الأعمال تؤكد
أن أدب الطفل هو تقاطع
أجناس أدبية كثيرة لعل
أهمها القصة والشعر
والدراما ، فإذا
غاب أحدها بات هذا
الأدب غير ذي جدي
. |