عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

 مقالات

 

الاستاذ الداقشي وملفه المتظخم

السنوسي حبيب

الاستاذ الداقشي من الرعيل الاول من المعلمين الوطنيين الذين قامت على اكتافهم العملية التعيلمية في ليبيا وحين كان الوطن في امس الحاجة الى جهود ابنائه لانتاج الآلاف من المتعلمين ليسدوا حاجته من الموظفين في مختلف المجالات .
في تلك الفترة من خمسينيات وستينيات القرن المنصرم , وحين كان المعلم يتبوأ مركزا اجتماعيا مرموقا ودخلا ماليا بسيطا ابتدأ مدرسا ابتدائيا يحمل تاهيلا علميا بسيطا ولكنه يحمل توجها وطنيا راقيا يسعى للمشاركة في صنع مستقبل الوطن بتعليم الناشيئة مبادي الحساب والكتابة والعلوم وبتربيتهم على منظومة من القيم الايجابية المؤكدة على اهمية الاخلاق الحسنة والصدق واحترام الآخرين واحترام القانون .
ذلك الجيل من المعلمين راكم خبرة تعليمية وتربوية اهلت الكثيرن منهم ان يتبواْ مراكز ادارية وقيادية في المجتمع ترتكز على الخبرة العملية لا على المؤهل العلمي وتستند على حس وطني يعلي من شأن العلم والتعليم ويجتهد في ان يكون اسوة حسنة للاجيال, واذا كان البعض من هذه الفيئة قد انجرف مع ثقافة مجتمع الاستهلاك التي انتجها النفط وما ترتب عليها من افساد للكثير من قيم المجتمع , فان بعضا آخرا ظل محافظا على جملة من القيم الايجابية التي تربى عليها قبل النفط وحاول ان يربي عليها الاجيال اللاحقة , وهكذا حين التحق الاستاذ الداقشي بالوظيفة الادارية وحين اصبح مديرا فرعيا لادارة تعليمية كان يحرص على ان تحصل ادارته الفرعية على حصتها من التجهيزات والمخصصات المالية وان تحصل الوحدات التعليمية التابعة لادارته على ما تستحقه من هذه الحصة , وفق ما يقرره القانون وما يسمح به في كلتا الحالتين .
كان يحب التقيد بالاجرآت الادارية فكل شأن مهما صغر لابد فيه من مكاتبة رسمية بما يثبت الحالة المعالجة ويوثقها ولا يقبل اى اجراء دون رسالة رسمية حتى عندما يرفض له احد الاداريين في مصلحة ما طلبا فانه يصر على ان يعطيه ردا كتابيا معللا ذلك بانه لايريد شيئا لنفسه ولكن لادارته والتي يتوجب ان يكون كل شيء فيها موثقا رسميا .
حين عرفت الاستاذ الداقشي في بداية التسعينات , كان الرجل قد تقاعد , وتوقف الاخرون عن مناداته بالاستاذ بل بالداقشي مجردة , وهو من جهته بدأ يميل قليلا الى اهمال مظهره العام , بدا يكتفي ببدلة عربية يضع فوقها ما يقي من البرد شتاء جاكيت او جيبوتي جيش وعلى راسه طاقية كيفما اتفق وبيده اليمين سيجارة رياضي مشتعلة وبيده اليسار ملف ورقي يضم اوراقا حسب الحاجة .
دائما لدى الداقشي قضية يتابعها مع جهة ما , ولهذا كان يوميا يأتي الى هون باعتبارها المركز الاداري للجفرة , زمع الايام صار الداقشي وملفه الورقي الذي تزداد اوراقه وينتفخ حتى انه اصبح يربطه بخيط لكي لا تتساقط اوراقه , اصبح وملفه معلما من معالم المدينة , واصبح الجميع يعرفونه ويتسقطون اخبار آخر قضية رفعها الداقشي ضد ادارة من الادارات مطالبا بحق له او باقرار حالة قانونية عامة تم تجاهلها , كان الرجل لايمل من ملاحقة حق يرى ان القانون يقره له , ولايمل من تصوير المستندات والوثائق مدعومة بالقوانين واللوائح التنفيذية , حكى لي مرة عن قضية تتعلق بتعويض عن نخلات له اقتلعتها عاصفة , والقانون يقر تعويضا عن الكوارث الطبيعية , ظل الداقشي يلاحق الجهة المخولة بالتعويض الى ان حصل عليه بعد جهد استمر اكثر من خمس سنوات من الطلبات والشكاوي وتصوير المستندات بل وحتى السفر الى طرابلس ليحصل في النهاية على تعويض لم يغط حتى نصف ما انفق من جهد ومال , ولكنه فرحان بانه انتصر بالقانون واقر في المنطقة مبدأ التعويض عن الكوارث الطبيعية
حالة داقشية اخرى عاصرتها , حين صدر قرار من اللجنة الشعبية العامة للصحة بفتح ملف صحي لكل مواطن يرغب في رعاية صحية منتظمة مقابل مبلغ مئتين وخمسين دينارا, بعد يومين من اصدار القرار التقيته بمستشفى العافية متابطا كالعادة ملفه المتظخم بالاوراق , وبيده مغلف به مبلغ مالي اخبرني انه جاء خصيصا ليدفع المبلغ المطلوب وليسجل في الملف الصحي , وكان مستاء جدا لان المستشفى لم يقبل منه المال ولم يسجله .
مع مر الايام تكرس اسم الداقشي في منطقة الجفرة كمثال على المطالبة بالحق , والاصرار على اقرار مبدأ القانون في العلاقة بين الناس ومع الدوائر والمؤسسات العامة , اصبح مضرب مثل كأن يقول لك مؤيد او خصم اعمل مثل الداقشي ارفع قضية في الموضوع وتابعها , يقولها المؤيد من باب الدعم لموقفك ويقولها الخصم من باب الاستهزاء , حيث اصبح القانون منبوذا , ومتنصلا منه ولا يجد من يعمل به اويفعله الا ما ندر , او حين يتعلق الامر بأمن الدولة , اصبح تجاهل القانون حالة عامة يتواطأ عليها الجميع ويحلون بدلا منها الاعراف والعلاقات الاجتماعية العامة , الامر الذي كان ينتقده السيد الداقشي ويعتبره تخريبا للعلاقات وقتلا للقانون وتفريطا في الحقوق , فكان كلما ازدادت اختراقات القانون من قبل الناس ازداد تمسك الداقشي بالقانون , بل واكتسب عادة جديدة اخرى هي الحرص على استعمال الوثائق والحجج القانونية التي صار يحرص على حملها معه في ملفه الذي يزداد كل يوم تظخما فيما يشبه الهوس , استوقفه مرة رجل مرور وهو يقود سيارته البيجو العائلية المتهالكة طالبامنه رخصة القيادة الامر الذي اعتبره السيد الداقشي استفزازا فهو المعروف من قبل الجميع بحرصه على القانون لايعقل ان يشك في حمله لرخصة قيادة خاصة من رجل مرور يعرفه جيد المعرفة , فما كان منه الا ان اخرج من جيبه محفظة شديدة الاكتناز مفردا منها صورة له مع جمال عبد الناصر ثم ايصال البرقية التي بعثها تأييدا للثورة في اليوم الاول ملحقا البطاقة الشخصية وبطاقات عضوية المؤتمر وكتيب العائلة وبطاقة المقاومة الشعبية وعضوية نقابة المعلمين وجواز السفر ودفتر الصكوك , وغيرذلك من الاوراق الثبوتية ما يصل الى حوالي خمسة عشرة وثيقة وهويشرح ويعلق ورجل المرور يستحثه ان يلملم اوراقه ويذهب الى حال سبيله لأن عدد كبيرا من السيارات توقفت ونزل راكبوها لمتابعة الحوار الدائر بين الاثنيين وبعضهم لمناصرة الداقشي ضد رجل المرور الذي اوقفه
منذو حوالي ثلاث سنوات اختفى الداقشي , ما عدت اراه في سوق هون وشوارعها واداراتها , وحين سألت عنه اخبرت بانه لزم بيته وان صحته ماعادت تسعفه , بل ان ذاكرته ايضا بدأت تخونه في بوادر شيخوخة مبكرة , ربما جلبها له ما كان ينوء به من حمل مواجهة كاسري القوانين وناشري قيم جديد ة تبرر الفساد وتستحل المال العام وتستعذب الكذب وتعلي الوجاهات الزائفة الامر الذي ترفضه كرامة الداقشي ابن العائلة العريقة , المشبع بقيم الحق والعدل و الذي ابتدا حياته العملية معلما حريصا على تربية النشئ تربية صحيحة , حالما بوطن يزهر فيه النماء ويسوده القانون فيصلا بين الناس .

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية