|
التراث بين الامتلاك
والاجترار
قد يتبادر إلى ذهن
المتلقي المتعجل الذي
اعتاد أن يطلق الأحكام
دون رؤية ، ويرسل القول
بدون تمحيص ، أن المرء
سيمارس لعبة تكرار
الأفكار القديمة أو يقترف
جريرة ترديد المعلومات
الأولية الخالية من أي
جديد يذكر أو تطوير يضاف
، حين يتحدث عن التراث .
ويذكر بأهميته ويشيد
بدوره الفاعل في معركة
الحضارة وفي اثراء الفكر
، وتحقيق الوجود الوطني ،
واقتلاع مختلف أسباب
التخلف ودواعي الانهيار
وأسباب التلاشي والذبول ،
التي كثيراً ما تسيطر على
المجتمعات ابان تخلفها
وعدم مسايرتها لركب
الحضارة الصاعد .
وقد يقول البعض أيضًا أن
ثمة مبالغة في الحديث عن
هذا التراث المزعوم ،
وافتعالاً في تضخيم دوره
الموهوم ، بعد أن أشبعه
الدارسون المختصون كتابة
وقتلوه بحثاً على حد
تعبير القدامى . ولم يعد
ثمة بالتالي ما يبرر
للمرء أن يقترب منه مرة
أخرى ، ويتحدث عنه بمثل
هذا الحماس ويقول حوله
مثل هذا القول ويثير مثل
هذا الجدل ، بقدر ما
ينبغي أن يقع الاهتمام
بأمور أخرى أوجب وأوكد ،
خاصة وأن الواقع يطرح
ولله الحمد المزيد من
القضايا ويقدم الكثير من
الإشكاليات مما يبدو أكثر
الحاحاً وأشد اثارة
للاهتمام ، وأدعى إلى
تحقيق الهدف المنشود من
كل حديث يقال وكل حرف
يكتب .
والحقيقة أننا لن نضيق
ذرعاً بمثل هذه الأقوال
مهما بدت قاسية أو غير
منصفة ، لن نشكو من قريب
أو بعيد من مثل هذه
الأحكام مهما أسرف
القائلون بها في جور
وجانبوا التوفيق في قصدهم
ومقومات تفكيرهم ، ذلك
أننا ندرك أعمق الادراك
ما ينطوي عليه مثل هذا
الموضوع الحساس من التشعب
والتداخل وما تعرض له من
سوء الفهم وسوء التناول .
من لدن عدد غير قليل من
المقبلين عليه دون دراية
والمتصدين له دون مقدرة،
أولئك الذين عملوا
بصنيعهم هذا على تشويه
المفهوم الصحيح للتراث
والخروج به من فن له
دلالته وأصوله وفاعليته
المؤثرة في تنقية النفس
وإثراء الوجدان إلى عملية
ساذجة تقوم على السطحية
والفجاجة والإفلاس ،
ومعاداة الموضوعية وما
يدخل في حكمها من شروط
البحث وعوامل التفكير
وأسباب المعاناة .
لقد تسرب إلى حياتنا
مفهوم خاطيء كل الخطأ
مجحف كل الإجحاف حول
مفهوم التراث الشعبي منه
وغير الشعبي ، خصائصه
وشروطه ، معنى الاهتمام
به والالتفات إليه ،
وكيفية الوقوف الجاد
المسئول أمام دلالاته
ورموزه ، وذلك عندما ظن
كثير من الناس أن احياء
هذا التراث عمليه يمكن أن
تحقق لمجرد استظهار بضعة
نصوص قديمة تخلط بين
المثل السائر والحكايات
المعادة والخرافات التي
لا أهمية لها واجترار كل
ذلك أمام الأجيال الجديدة
بمناسبة وبلا مناسبة عبر
الشاشة الصغيرة وعلى
موجات الإذاعة المسموعة ،
وفي بعض الأحيان بواسطة
الكتب التي تطبع في غياب
التقييم الواعي والنقد
الموضوعي . حتى لقد غدا
مفهوم التراث لا يتجاوز
جلسات السمر ، أو " هدرزة
المرابيع " المهم الضجيج
الاعلامي الموغل في
السطحية على نحو ما فعلنا
في برنامج أغاني البادية
وفعل غيرنا في برنامج
قافلة تسير – تماماً مثل
ما ذهب البعض الآخر إلى
إعادة طباعة الكتب
القديمة دون بذل أي جهد
يذكر في بالخصوص ولو على
سبيل مقارنة الطبعات
القديمة وإضافة الحواش
والتعليقات .
ونحن نقول بخطأ مثل هذا
الأسلوب وندينه بكل ما
أوتينا من قوة لما يجسده
من عدوان آثم على حقيقة
التراث وكيفية الإهتمام
به ، ولأن الناس كل الناس
لن تتذوق هذا التراث ولن
تظهر ازاءه وازاء منتجيه
أي اعتبار يذكر ، أو
تقدير يعد ، ولو أعدناه
على مسامعهم خمس مرات في
اليوم كما يفعل المسلم
العامل بما أمر به ، وذلك
لأن القضية فضلاً عن
القوى التي أنجزته
والأخرى التي تم لصالحها
وفي اتجاه الدفاع عن
مكتسباتها .. أنها الأمور
التي لا سبيل لبلوغها إلا
بالأخذ بأسلوب الدراسات
التحليلية وأعمال الرؤية
المنهجية الواضحة
والنظرية النقدية
الشمولية .
نعم ، إن التراث ..
والشعبي منه بالذات . قد
انجز في مراحل طويلة من
التاريخ اتسمت في أحيان
كثيرة بالقلق والتغير ،
تبعاً لتطور أحوال البشر
وشروط العمران ، وكان في
معظمه تعبير حياً عن تلك
الظروف وانعكاساً صادقاً
لذلك الصراع الذي خاضته
وماتزال تخوضه بجسارة
شديدة وصبر دائم جموع
الجماهير العريضة ضد
أولئك الذين ساموها سوء
العذاب ومارسوا ضدها وبها
مختلف أشكال السعف وأنواع
التسلط ، تحت شعار
ومبررات ، أفلحوا في
اختلاقــــها وإن لم
يفلحوا في اقناع
كل الناس بها ، واخفاء ما
تنطوي عليه المغالطة
والخطأ . وقد صور التراث
الشعبي بالذات تلك
المعارك أصدق ما يكون
التصوير وجسدها كأحسن ما
يكون التجسيد ... والسؤال
الذي يطرح نفسه دائماً !
هل يمكن لأحد منا اليوم
أن يدرك كل هذه الأبعاد
ويلم بكل هذه الأمور
لمجرد الاستماع إلى بضعة
أمثال من هذا التراث أو
مجموعة من الحكايات
والأنغام التي كثيراً ما
تلقى على المسامع أو تقدم
عبر الشاشة الصغيرة في
فجاجة ظاهرة وتكرار ممجوع
؟ هل يمكن كذلك لأحد منا
أن يستفيد بحق من أكداس
الكتب التراثية التي تعاد
طباعتها من مختلف دور
النشر بحروف واحدة وأخطاء
مطبعية مكررة تحت شعار
إحياء وتشجيع التراث ؟
أكاد أقطع أن احداً لن
يفلح في اقناعنا بجدوى
مثل هذا الأسلوب أسلوب
تكرار النصوص واجترار
الأمثال مهما كرر القول
واعاد الايقاع ، وضاعف من
أكداس المطبوعات .. إن
هذا القطع لا يصدر عن
وجهة نظر خاصة أو موقف
شخصي ، بقدر ما يصدر عن
متابعة لجهود نظرية مخلصة
بذلت وماتزال تبذل تجاه
تطوير التراث وامتلاك
التراث أثرت وما تزال
تؤثر في رؤيتنا تجاه هذا
الكنز الثمين . بل إنها
الكنوز التي ظلت لفترة
طويلة لا صلة لها بحياة
الناس لو لم تمتد إليها
أيدي الباحثين وتتناولها
بالدراسة والتمحيص ،
وتكتشف ما تزخر به من
المضامين الانسانية
النبيلة والمواقف العظيمة
التي عبرت عن قدرة
الانسان العربي على
مقاومة الطغاة وامكانياته
الفاعلة في ترويض سجانيه
والوصول بهم إلى مواقف
تخفف من غلوهم وبطشهم ..
إنها المواقف التي تكشف
أن العقل العربي في فترات
صحوته السباق الأول نحو
انجازها سواء بواسطة
الابتكار أو عن طريق
الاستفادة من تجربة
الانسان ورحلته النضالية
وتجربته المريرة في
مقارعة الطغاة والقدرة
على تخفيف ضرباتهم وإبطال
جبروتهم .
وسيكون أبلغ شاهد يمكن أن
نركن إليه لتوكيد صحة ما
أوحانا ذلك الأثر التراثي
الخالد المتمثل في كتاب
ألف ليلة وليلة هذا الجهد
الفني الضخم الذي أنجزه
العقل العربي في القرون
الأولى من انبعاث
الإمبراطورية الإسلامية
كما تقول معظم المصادر
التاريخية ، ومع ذلك فقد
ظل كماً مهملاً لا يقف
أمامه الناس إلا بغرض
التسلية ، بل ويستنكف
أولئك المنعوتون بالعلماء
من مجرد الاقتـراب منه !!
حتى لقد
غدت بعض المصادر تشكك في
صحة نسبة الكتاب إلى
التراث العربي تحرجاً من
تبعة منافاة الأخلاق
والآداب العامة التي
طالما ابتدعوها قولاً
وخالفوها واقعاً وسلوكاً
... إنها الاخلاقيات التي
نالت من فن الحكاية
وقابلته بشيء من
الاستهزاء وعدم الاحترام
اللازم حتى إذا ما قدر
للصحوة الغربية أن تحدث
وبدأ الفن القصصي يتكون
من تلك الوقفات المكانية
أمام هذا الأثر الفني
الخالد ، وكانت الاستفادة
الكبيرة من أسلوبه القصصي
وبنائه الملحمي ومستواه
الرديء وما تحلى به من فن
التداعي والحيوية ، وهي
ذات الشروط التي أفلح في
تحقبقها رواد الفن
الروائي الرائع ف عصرنا
الحديث ، عندما أعادوا
انتاجه وقدموه لنا وصرنا
ننقله ونتعلم منه ، كما
لم تكن أي علاقة بمثل هذا
الفن في أي يوم من الأيام
.
لماذا ؟ ببساطة شديدة
لأننا لم نجد ذلك العقل
العربي النابه الذي
يستطيع أن يقرأ هذا الأثر
كما يجب ان يقرأه ويفسره
كما يجب أن يفسر ، بل على
العكس من ذلك كان لنا
العقل الذي استسلم للخمول
وركن إلى الدعة ، فلم
تتجاوز القراءة حدود
التسلية ولم يخرج الفهم
عن نمط الخرافة التي أراد
منشئها أن يسلي بها
السلطان ، فيما استطاع
العقل الجديد والمتنور أن
يكتشف فيها شكلاً من
أشكال المقاومة وضرباً من
ضروب مواجهة الظلامية ولو
بأبسط الأسلحة وأيسرها .
وقد تجلى تأثير هذا
الكتاب بشكل واضح في
روايات أدب أمريكا
اللاتينية على نحو ما
قرأنا لتيريوس في السير
الرئب ، وغارسيا مركيز في
رواية مائة عام من العزلة
.
ولا شك أن استدعاء مثل
هذه الشواهد من شأنه أن
يساعدنا على التفريق بين
الفكر المجتر الذي يقف
أمام التراث موقف المردد
الذي لا يضيف جديد أو لا
يكتشف أثر والآخر الذي
يصل إلى المرامي البعيدة
والمعاني المستعصية . ان
الفكر الذي أفلح في إعادة
الاعتبار إلى مثل هذا
الاثراء الخالد وإعادة
شكليته للعقل العربي الذي
أنجزه وأكد وجوده سواء
بواسطة الابداع والخلق
الفني أو عن طريق
الاقتباس والافادة ...
انه الفكر الذي لم يعجز
عن انجاز هذه المهمة ضمن
مجموعة الانجازات
الابداعية الأخرى التي
تدخل فيها الابداع
بالاقتباس والتوليد
والاضافة والمحاكاة ..
بالزيادة والتأسيس .
وقد حفل تاريخ الفكر
العربي بعشرات الأسماء
الجليلة التي استطاعت أن
تحتفظ للعقل العربي بما
أنجزه وبما أضافه . رغم
أن القوى الدولية كانت
وما تزال تسعى بكل جهد
وتعمل بكل وسيلة لابتلاع
الأرض العربية بالكامل
وامتصاص الثروة العربية
بشتى الطرق . وكانت
الجماهير وكان العقل
السادر في سياسته العميقة
غير مدرك لكل كنوزه
العلمية ، مثلما كان
غافلاً عن كل الكنوز
الأخرى التي امتلأت بها
الأرض العربية ولم تجد من
يستطيع أن يلتفت إليها
ويفيد منها سوى الغزاة
أنفسهم الذين لم تفتهم أي
شاردة ولم تخف عليهم أي
واردة بقدر ما أجادوا
الاكتشاف وأفلحوا في
تحقيق الوعي والإدراك .
ولا عجب في ذلك دون شك .
ألم نكن جميعاً نعلم منذ
القدم أن الحضارة تراكم ،
وهي بالتالي كل لا يتجزأ
، ومجموع يفيد فيه الكم
والكيف على السواء وأن من
يتحرج من الوقوف أمام
السيء لا يمكن أن يكتشف
مواطن الحسن ومظاهر
الجيد؟
إن ما نراه من اجمال لما
سبق التنبيه إليه ، ان
العودة الى التراث لايمكن
أن تتحقق ولا يمكن لها ان
كذلك أن تؤدي ما يراد
منها من نتائج إيجابية ما
لم تكن ضمن خطة شاملة
تقوم على التحليل
والأصالة ، وتجمع بين
تحديد الايجابي والسلبي
على السواء .. ان التراث
حن نفلح في فهم وإدراك
مراميه يمكن أن يصل بنا
إلى إدراك خصائص كل مرحلة
من مراحل التاريخ في
اتجاه فحص مواطن الضعف
التي انتابتها ، ومصادر
القوة التي ساعدت على
ازدهارها ، لكن لن يفلح
في صنع مرحلة جديدة ولا
يمكن لأي دارس أن يطلب أو
يسعى لمثل هذا الطلب .
ذلك أن كلمة تراث في حد
ذاتها تعني تلك الآثار
التي استطاع انجازها
أولئك الذين سبقونا
وعاشوا قبلنا ، ونأتي
اليوم لاقتفاء اثرهم ،
وجني محصول سعيهم
وعطائهم. في محاولة جادة
لتجاوزهم ومن ثمة البدء
من حيث انتهوا وليس إعادة
تجربتهم نقلاً ساذجاً
وتقليداً لا حياة فيه ولا
حيوية .
إن ما ينتظر منا إذن ،
حين نكون جادين في مانعمل
، وبعد أن نكمل استلهام
ما أنجزه الأولون ، وما
حفل به العطاء البشري
عموماً ، أن نتخذ مشروعنا
بمفردنا ، وفق شروط عصرنا
وحاجات زماننا وضرورات
واقعنا .
وكل محاولة تتجاوز هذه
الحقيقة لا تعد وأن تكون
مضيعة للوقت واهداراً
للجهد نعم إنها – بدون ما
سبق – ستكون كذلك وكذلك
ليس غير .
|