|
تاسيلي: مسقط رأس الحضارة
المصرية القديمة؟.(*)
فِلِب كوبِنز(1)
ترجمة: عمر أبوالقاسم
الككلي
قمت
في يناير 2003 باستعلام
حول إمكانية زيارة جبال
هقار وتاسيلي ناجر التي
تعتبر واحدة من أكثر
السلاسل الجبلية فتنة على
كوكب الأرض. المنطقتان
المتجاورتان جغرافيا،
ولكن المنفصلتان تماما،
تقعان في الصحراء الكبرى
جنوب شرق الجزائر. قيل لي
بأني إذا تمكنت من حزم
أمتعتي فورا( بالمعنى
الحرفي) فسيكون بإمكاني
الانضمام إلى رحلة تستغرق
ثلاثة أسابيع. لسوء الحظ،
لم أتمكن. لكنني خططت
للذهاب في رحلة أطول في
يناير 2004.
بعد ذلك بأسابيع تم
اختطاف سائح هولندي وآخر
ألماني في تلك المنطقة(
الفريق الإنغليزي الذي
سأنضم إليه لم يتعرض لمثل
هذه المتاعب). كان قد تم
احتجاز بعض السواح لبضعة
أشهر قبل أن يتم إرسال
جنود هولنديين وألمان
لتحرير الرهائن من
المتمردين الذين
يحتجزونهم. منذ ذلك الوقت
أوقفت حوادث الاختطاف هذه
جل، إن لم يكن كل، السواح
من السفر ناحية لوحات
الصخور السحرية في
تاسيلي، لأن شركات
التأمين لم تعد راغبة في
تغطية حوادث هذه المنطقة.
في الوقت الذي كان فيه
العالم ينتبه إلى الواقع
السحري الذي تمثله لوحات
تاسيلي، جعل التوتر
السياسي العالمي لوحات
ماقبل التاريخ الصخرية
منطقة محظورة.
ورغم أنه من الممكن زيارة
اللوحات الصخرية في
تاسيلي فإن القلائل الذين
كتبوا عن هذه اللوحات
الصخرية على نحو أعطاها
شهرة اعتمدوا بشكل كبير
على العمل الرائد لهنري
لوتHenri lhote وفريقه.
لقد
أكد لوت على أن تاسيلي
تعد أغنى مستودع لفن
ماقبل التاريخ في العالم
برمته، وكتب سلسلة من
الكتب أشهرها" البحث عن
جداريات تاسيلي الجصية.
لوحات الصحراء الكبرى
الصخرية"(2). وقد أثار
هذا الكتاب الاهتمام لما
يحويه من سرد للمتاعب
التي واجهها أثناء
محاولته اكتشاف اللوحات
الصخرية المرسومة على
سطوح الصخور المتناثرة في
أركان مختلفة من تاسيلي و
استنساخها.
لوت نفسه اعتمد على عمل
الليوتانت برينانBrenan
الذي كان من أوائل
المخاطرين بالتوغل في
شعاب تاسيلي خلال عملية
أمنية في ثلاثينيات القرن
العشرين. وباعتباره أول
أوربي يدخل المنطقة فقد
انتبه إلى الأشكال
الغريبة المرسومة على
الأجراف. شاهد" فيلة تسير
رافعة خراطيمها وحيوانات
أخرى كالكردن، بقرنه
القبيح البشع، والزرافات
التي تمد رقابها وكأنها
تتطلع إلى رؤوس الشجيرات
النامية حولها"(3).
المنطقة اليوم صحراء
مهجورة قاحلة، والمشاهد
التي تمثلها هذه اللوحات
تعود إلى حقبة غبرت منذ
زمن بعيد، حين كانت
الصحراء الكبرى منطقة
سافانا خصبة تضج بالحياة
البرية... والبشر.
بعد الحرب تحدث لوت مع
برينان في أمر التعاون مع
ناصح لوت آبّى برويAbbé
Breuil الذي كان قد أجرى
أبحاثا حول عدد من لوحات
الكهوف العائدة إلى العصر
الحجري القديم بجنوب
فرنسا. وبناء على ذلك تم
تنظيم بعثة لوضع خريطة
للوحات تاسيلي الصخرية
ودراستها.
الظروف بتاسيلي غريبة عن
هذا العالم. يمكن للمرء
التأكيد على أنها طبيعة
تنتمي إلى عالم آخر. كان
البعض قد وصفها بأنها"
منظر قمري".
العالم الآخر هو أيضا وصف
مناسب للوحات، وقد وصف
لوت نفسه بعضها بأنها"
وجوه مريخية"، وكان يقصد
بهذا المصطلح أن الوجوه
الموجودة في اللوحات تشبه
الوجوه الغريبة التي كان
يراها في أشرطة الخيال
العلمي على شاشة
التلفزيون. فيما بعد
استخدم هذا المصطلح من
قبل آخرين من مثل إيرش
فون دانكن Erich von
daniken للتخمين ما إذا
كانت بعض هذه الأشكال
تمثل بالفعل زوارا قدموا
من خارج الأرض.
حدد لوت معنى مصطلح"
مريخي" بشكل أكثر علمية
على أنه"مستديرو الرؤوس"
الذين كانوا يبدون فعلا
من عالم آخر. وهذا ما دفع
تيرين ماكينا Terene
Mckenna إلى الاعتقاد
بأنهم من عالم آخر، ليس
بمعنى أنهم من خارج
الأرض، وإنما بمعنى أنهم
من طبيعة أخرى. ففي رأيه
أن بعض الفن الصخري يظهر
دليلا على ديانة منقرضة
كانت تقوم على فطر
الهلوسة hallucinogenic
mushroom. فقد رأى في
ماتالين-آمازار
وتين-تزاريفت أشكالا
بشرية ينمو الفطر على
كامل أجسادها، وكان آخرون
يمسكون الفطر في أيديهم
كما أنه هناك أشكال أخرى
تجسد مزجا بين الفطر
والبشر، وقد أشار إلى
وجود رسم لكاهن shaman(4)
يغطي رأسه بغطاء يبرز منه
قرنا وعل وله وجه نحلة
ويقبض على فطر ولفت
الانتباه إلى أن هذه تمثل
أقدم اللوحات المعروفة
التي تجسد كهنة بالقرب من
أعداد كبيرة من قطعان
الماشية وهي ترعى. حقيقة
أن هذه اللوحات تمثل كهنة
دعمها وجود أقنعة، وهي
أدوات ترتدى عادة من قبل
الكهنة خلال إقامة
الشعائر الدينية. وإذا ما
كان ثمة من لم يقتنع بعد
بأن هذه المشاهد قام
برسمها أشخاص وقد" خرجوا
من عقولهم"، فإن ماكينا
يلفت الانتباه إلى أن
الهياكل الهندسية المحيطة
بالكهنة تمثل بالنسبة
إليه، وبالنسبة إلى
اختصاصيين آخرين، دليلا
على حالة النشوة التي
دفعت الرسامين إلى الرسم.
وعلى الرغم من أن ماكينا
جعل فهم هذه اللوحات في
متناول الجمهور العام،
فإن ما كتبه كان متوافقا
إلى حد كبير مع ما خمنه
لوت نفسه. فلقد كان لوت
مقتنعا بأن هذا الفن كان
إلهاما سحريا وأنه انبثق
عن معتقدات دينية. وعقد
أيضا مقارنات مع الفنانين
الذين قاموا بالرسم على
الجدران الداخلية بالكهوف
الفرنسية، وقد أكدت
الدراسات التي أجريت بعد
وفاة لوت بعقود، مثل تلك
التي قام بها دافد
لويس-وليامز David
Lewis-Williams، على
السياق الكهنوتي لهذه
اللوحات.
كما أبرزت بحوث أخرى،
خصوصا تلك التي قام بها
وِم زتمان Wim Zitman
مضامين فلكية في أشكال
مختلفة. وقد ركز اهتمامه
بشكل أخص على اللوحة
المسماة" المرأة السابحة"
الموجودة في تن-تزاريفت
محاولا إثبات أنها تمثيل
لكوكبة نجمية. كما حاول
إثبات الصلة بين لوحات
تاسيلي الصخرية وأصل
الحضارة المصرية، متسائلا
عما إذا كان كهنة تاسيلي
هم"زهور حورس" التي كانت
موضوعا لتخمينات كثيرة
جدا طوال العقد الماضي من
قبل أشخاص من مثل روبرت
بوفال Robert Bauval
وغراهام هانكوك Graham
Hankok. فبدلا من أطلنطا
الأسطورية قد تكون هذه
الزهور أتت من منطقة تقع
جنوب شرق جبال أطلس، أي
تاسيلي.
لقد استبان لوت نفسه بعدا
مصريا، وكان متشوقا إلى
تحديد كيفية واضحة انحشرت
بها مصر في لوحات تاسيلي
الصخرية.
ولقد نشر في كتابه لوحتين
تحملان خصائص مصرية لا
تخطئها العين. لقد مثلت
هاتان اللوحتان" فنا
غريبا على المنطقة" ولا
تنسجمان مع اللوحات
الأخرى التي وجدها.
اكتشافه هذا أحدث اضطرابا
داخل الدوائر البحثية،
كونه بدا دليلا قاطعا على
الصلة بين تاسيلي ومصر
القديمة. وكان السؤال
المتبقي: كيف تم ذلك؟. في
نهاية المطاف اتضح بأن
اللوحتين كانتا من فعل
أحد أعضاء فريق لوت، الذي
قام بخدعة ناجحة للوت.
تمت إعادة نشر اللوحتين
حتى بداية سبعينيات القرن
الماضي في الطبعات
المنقحة ثم حذفت من
الطبعات التالية. واليوم
تم مسح اللوحتين من
جبارين وأورنغيت ويهز
الأدلاء الطوارق رؤوسهم
حين يسألون إذا ما عرضت
عليهم صور اللوحتين نافين
رؤيتهم لهما. من الطبيعي
أن يعترض أحد بالقول بأن
هذا جزء من طمس آثاري تم
فيه إجبار أحد أعضاء
الفريق على الكذب وقامت
المؤسسة فيما بعد بمحو
اللوحتين من الأجراف
لإزالة هذه"الصلة
المصرية".
"إذا كان التأثير المصري(
وربما حتى الإيجي)واضحا
فيها فإن أقدم الصور
التاسيلية تنتمي إلى
مدرسة غير معروفة حتى
الآن ويلوح أنها من أصل
محلي"(5) مثلما يستنتج
لوت.
يوجد، بشكل عام، شكلان من
اللوحات الصخرية يميزهما
الموقع الذي يوجدان فيه.
البعض تم العثور عليه في
الملاجيء الصخرية كتلك
التي في وهران، وكانت هذه
المواقع هي التي يؤدي
فيها الكاهن طقوس
العرافة، في حين أن واجهة
الصخرة تبدو عادة على
أنها مدخل يفضي إلى ناحية
أخرى( وهذه اللوحات نظير
آخر للوحات الكهوف
الفرنسية). وعلى الرغم من
أنه يمكن للمرء تفسير هذه
المواقع على أنها من عمل
شعب مترحل، فإن فريق لوت
عثر أيضا على مستوطنات
حضرية.
فلقد عثر وسط تين
أبوتيكا، حول تين-زومياتك
التي هي تكوين صخري صغير
يشرف على الشعب المار
تحته، على مواضع نشاطات
إنسانية. وتشق هذا
التكوين أزقة ضيقة، وقد
وصف لوت الفن الذي وجده
هناك بالقول:" كانت هناك
أشكال بالحجوم الطبيعية
وبالألوان لرماة نبال ذوي
عضلات وسيقان قوية
متوترة، و"قطط" هائلة.
ومشاهد كثيرة فيها ماشية
وعربات حربية وغيرها، ولم
أكن حتى ذلك الوقت قد
شاهدت في التاسيلي أشكالا
مثل هذه، وكانت اللوحات
الكثيرة التي شاهدتها في
ذلك اليوم قد طغت في
أهميتها على كل ما كنت
رأيته قبل ذلك."(6)
هذا رائع حتى الآن، إلا
أنه ستكون هناك مواقع
أكثر روعة. ففي جبارين
عثر على مدينة تشقها
أزقة، وبها تقاطعات
وميادين وكانت الجدران
مغطاة بمئات اللوحات.
تعني جبارين في لغة
الطوارق" العمالقة" في
إشارة إلى اللوحات
الموجودة داخل المدينة
والتي يجسد بعضها أشكالا
عملاقة فعلا في حجمها.
فأحدها يبلغ علوه ثمانية
عشر قدما. بعض هذه
اللوحات يجسد"المريخيين"
وكانت هذه هي المرة
الأولى، بالنسبة للوت،
التي يكتشف فيها لوحات
لمئات الثيران، وسرعان ما
صنفت جبارين على أنها
واحد من أقدم المواقع في
تاسيلي.
كانت تين-تزاريفت مدينة
أخرى. كانت بامتداد ميل
وربع وكان مركزها متميزا
باحتوائه على مسارح مدرجة
يزيد طول قطرها عن خمسمئة
ياردة، كما أنها تحتوي
على ميدان عام رحب تتجمع
حوله البيوت، وتمتد منه
طرق وشوارع وممرات وحتى
أزقة مسدودة. ومرة أخرى
كانت التجويفات الواقعة
أسفل الصخر هي التي تكشف
عن تنوع اللوحات ووفرتها
بما في ذلك مزيد من
لوحات" المريخيين" أو
مستديري الرؤوس.
بيد أن الروعة الحقيقية
كانت في سفر. ماكتب عن
هذه المدينة قليل، ولوت
لا يعطي تفاصيل كثيرة،
فيماعدا خريطة توضح
مساحتها ووجود بضعة شوارع
وطرق ورواب وقبور وشيء
يسميه" ساحة إله صيد
السمك العظيم"(7). أطلق
لوت هذا الإسم على الشخص
الذي في اللوحة لأنه بدا
له كما لو كان يحمل سمكة.
إلا أن نظرة أكثر تفحصا
للصور التي التقطت من قبل
بعثات لاحقة توحي بما كان
زتمان يعتقد دائما أنه
الحقيقة: فبدلا من أن
يكون هذا الرسم مجسدا"
لإله صيد السمك"، ألا
يمكن اعتباره مجسدا لما
كان قدماء المصريين
يعرفونه بـ"ضرب العدو"؟.
فالوضع هو نفسه الذي كان
الفراعنة يستخدمونه
لاستعراض تحكمهم في قوى
الفوضى. وهكذا فإن" إله
صيد السمك العظيم" في سفر
قرينة تشير إلى أنه توجد
فعلا صلة بين مصر
وتاسيلي. بعض اللوحات
الصخرية، كتلك التي في
سفر ووهران، تظهر أيضا
قوارب، شبيهة جدا، إن لم
تكن مطابقة، لما تم
اكتشافه من قبل باحثين من
مثل توبي ولكنسون Toby
Wilkinson في مواقع
ولوحات صخرية مشابهة في
المنطقة الواقعة بين
النيل والبحر الأحمر، وقد
حدد تاريخها بالألف
الخامسة قبل الميلاد، أي
أنه يتزامن مع لوحات
تاسيلي. فمثل تاسيلي كانت
المنطقة الصحراوية التي
اكتشف فيها ولكنسون هذه
اللوحات حينها أرضا معشبة
خضراء، ومثلما هو الشأن
في تسيلي تتضمن هذه
اللوحات المصرية خليطا من
المفردات motifs، فهي
تصور تماسيح وأفراس النهر
وقوارب، وجميعها مفردات
نيلية، إلى جانب النعام
والزراف التي هي مفردات
السافانا، كما أنها حافلة
بصور قطعان الماشية
والرموز الدينية التي
ستميز فيما بعد الفن
المصري. ينبغي أن يبدو
هذا عاديا الآن...
وبالنسبة لولكنسون فإن
هذه الرسومات تظهر أن
المصريين قبل فترة ظهور
الفراعنة لم يكونوا
مزارعين مستقرين في السهل
الفيضي، وإنما رعاة ماشية
شبه رحل يسوقون قطعانهم
فيما بين ضفاف النهر
الممرعة والأراضي المعشبة
الأكثر جفافا. كما أنه
لاحظ أن عددا من هذه
اللوحات موجود حول طرق
التجارة القديمة، وفي هذه
الحال يكون من الغلو في
الخيال بمكان المحاججة
بأن" شبه الرحل" هؤلاء قد
تجشموا عناء شق السافانا
من الشرق إلى الغرب ثم
العودة. وهكذا فإنه يكاد
يكون مؤكدا أن مصر ماقبل
السلالات كانت هي وتاسيلي
شيئا"واحدا". ثمة، إذن،
صلة مصرية، ولكنها بدلا
من أن تكون قد حدثت حوالي
1200 سنة ق.م، اعتمادا
على اللوحتين اللتين
انخدع بهما لوت، فإنه
يمكن العودة بهذه الصلة
إلى مصر ماقبل السلالات.
وعلى الرغم من أن لوحات
تاسيلي هي الأفضل حتى
الآن، فإن تاسيلي ليست
المنطقة الوحيدة التي
توجد بها مثل هذه
اللوحات. فبالقرب من
مناطق من مثل أكاكوس
ومساك تم العثور على
لوحات صخرية مشابهة، وهذا
يؤكد أن تاسيلي لم تكن
حالة منعزلة و إنما هي
جزء من كل.
لذا يلح ولكنسون وزتمان
على ضرورة القيام بإعادة
تفسير جذرية لأصول حضارة
مصر القديمة. بالنسبة
لولكنسون فإن اللوحات
الصخرية جنوب مصر تقدم
الدليل على أنه هناك،
تحديدا، ينبغي علينا
البحث عن" سفر تكوين
الفراعنة Genesis of the
Pharaohs"( وهو عنوان
كتابه). أما بالنسبة
لزتمان فإن أصل الحضارة
المصرية القديمة يمكن
العثور عليه في المنطقة
الممتدة عبر تاسيلي وفي
ثقافتها، حيث يوجد وضع
مرسوم على واجهة جرف في
سفر سوف يزين فيما بعد
واجهات عدة معابد مصرية ،
وهذا لا يمكن أن يكون
بمحض الصدفة. أكثر من
ذلك، هذا يتزامن أيضا مع
ما قال عنه لوت:" الملامح
الغالبة هي
الملامح(الإثيوبية)
الحبشية ونكاد نكون
متأكدين من أن هذه
الأقوام جاءت من الشرق
بحثا عن العشب ولم تهاجر
إلى التسيلي وحدها وإنما
إلى أغلب مناطق
الصحراء."(8).
وهكذا فإن تاسيلي أضافت
فصلا جديدا إلى التاريخ
الأفريقي، ولكنه فصل جديد
في أول الكتاب. إنه تاريخ
ما يعرف بـ" حقبة العصر
الحجري الأول المطير"
الذي دام من 9000 إلى
2500 سنة ق. م، حين كان
قسم كبير من الصحراء
الكبرى صالحا لسكنى
الإنسان وكانت الكثبان
أراضي معشبة وتعيش عليها
أفراس النهر والأسود وحمر
الوحش والزرافات وسواها.
في الألف السابعة قبل
الميلاد كان ثمة صيادون
وراقصون وخبازون وحتى
بحارة. كان ثمة كهنة
يخلفون لوحات صخرية على
واجهات الأجراف. أقدم
نماذج فن الصحراء الكبرى
الصخري نقوش متماثلة،
أحيانا بمساحات واسعة،
تمثل الحياة البرية
القديمة شبه المنقرضة.
كونهم كانوا في هذه
المرحلة صيادين رحلا
يستنتج من انعدام وجود
لوحات تمثل الحيوانات
الأليفة. واحد من أكثر
الرسومات شيوعا وبروزا هو
ذلك الذي يظهر فيه
البابَلَس bubalus الذي
هو سلف الأبقار الحديثة
المستأنسة والشبيه بثور
شرق أفريقيا الحديث ولكن
بقرون أكبر بكثير. وقد
أتاح انقراضه حوالي الألف
الخامسة قبل الميلاد
للأثريين إمكانية تحديد
تاريخ لوحات تسيلي
الصخرية. وبناء على ذلك
اعتبر لوت فترة" الرؤوس
المستديرة" المرحلة
الثانية. اعتبر هذا
الأسلوب الغريب، رسميا،
مقتصرا على تاسيلي، إلا
أنه ثمة ما يشبهه في كهف
كبير في وادي صورة في جلف
خيبر ولوحات في الندي
تظهر قرب هؤلاء الناس من
مصر.
الإجماع السائد بين علماء
المصريات هو أن المصريين
لم يتوغلوا في الصحراء
أبعد من المنطقة الواقعة
حول جبل مياه جدفر، وهو
تل رمال صخرية يقع على
بعد حوالي ثمانين
كيلومترا جنوب غرب واحات
الدخلة المحتوية على نقوش
هيروغليفية. اكتشافها سنة
2003 من قبل المكتشف
الألماني كارلو بيرغمان
Carlo Bergmanأحدث ضجة
كونه وسع مدى نشاطات
الإدارة الفرعونية ثمانين
كيلومترا أخرى في الصحراء
الغربية الخالية من
المياه والمجهولة.
والآن فإن هذا الاعتقاد
قد تحطم بسبب الاكتشافات
التي قام بها مارك بوردا
Mark Borda ومحمود مرعي،
من مالطا ومصر على
التوالي، أثناءما كانا
يمسحان منطقة جنادل على
خواصر أحد تلال الصحراء
الليبية على بعد حوالي
700 كيلومتر غرب وادي
النيل( على بعد 630
كيلومترا أخرى من الحدود
السابقة التي حددها
المكتشفون). وقد ذكر
بوردا ومرعي أنهما اكتشفا
نقوشا تحتوي كتابات
هيروغليفية على صخرة
كبيرة، وشكل حلية فرعونية
Pharaonic cartouche
وصورة ملك وأشكالا
أيقونية فرعونية أخرى.
وقد أبان النص القصير عن
كشوفات مذهلة. ترد في
حوليات التاريخ المصري
إشارات إلى الأراضي
النائية التي تاجر معها
الفراعنة، إلا أنه ما من
مكان من هذه الأمكنة تم
تحديد موقعه بشكل واضح.
يذكر بوردا بأن قراءة
النص تكشف عن أن منطقة
اكتشافهما ليست شيئا آخر
غير أرض يام الأسطورية،
التي هي واحدة من أشهر
الأمم وأكثرها غموضا من
الأمم التي اتجر معها
المصريون أيام المملكة
القديمة والتي كانت مصدرا
للأخشاب الاستوائية
النفيسة والعاج. " لقد
ثار الجدال حول موقعها
بين علماء المصريات على
مدى أكثر من 150 سنة، إلا
أن أحدا لم يكن يتخيل
أنها تقع على بعد حوالي
700 كيلومتر غرب النيل
وسط الصحراء الكبرى.".
ومع انقشاع هذا الاعتقاد،
بات من الواضح أن المنطقة
مشرعة أمام اكتشافات
جديدة.
كان السير والاس بدج Sir
Wallis Budge من بين أول
القائلين بأن قدماء
المصريين كانوا ورثة
التقاليد الكهنوتية
الأفريقية. ويوافقه في
هذا ولكنسون وماكينا
أيضا. كان يوجد دين في
تاسيلي، ومن الواضح أنه
كان محتويا على مواد
مهلوسة تفتح بوابات أخرى
أمام الكهنة، ولابد أن
الحصيلة كانت عقيدة دينية
ابتديء في كتابتها على
واجهات الأجراف، بما في
ذلك" إله صيد السمك
العظيم" الذي أدمج، مع
منتصف الألف الرابعة قبل
الميلاد، في مصر في عهد
السلالات باعتباره رمزا
دالا على السيطرة
الفرعونية والذي سيرسم
طوال التاريخ المصري على
جدران المعابد.
إلا أن تاسيلي، حين تحولت
مصر القديمة إلى حكم
السلالات، لم تتبع نفس
النهج. فاستمر استخدام
الواجهات الصخرية لرسم
اللوحات على الرغم من
التحول الذي طرأ على
الأسلوب. وبحلول منتصف
الألف الثالثة قبل
الميلاد بدأت السافانا في
التحول إلى الصحراء التي
نعرفها الآن. حين أدخل
الحصان إلى الصحراء
الكبرى حوالي القرن
الثاني عشر قبل الميلاد
أتاح إمكانية استخدام
العربات التي تجرها
الجياد عبر طرق الصحراء
الكبرى التجارية حتى
الأزمنة القديمة
التاريخية، وقد تم تضمين
هذا الحيوان أيضا في فن
السكان المحليين. إلا أنه
مع حلول القرن الثاني عشر
قبل الميلاد أصبح المناخ
مختلفا بشكل كبير عما كان
عليه في السافانا في
الألف السابعة قبل
الميلاد. الاختلاف بين
مناخ اليوم ومناخ الألف
السابعة قبل الميلاد
يعتبر فعلا اختلافا بين
عالمين. يمكن لتسيلي
اليوم أن تكون على كوكب
آخر. وعلى الرغم من أنه
يزداد التقاط صور
لأعمالها الفنية، فإن
القليلين جدا، إن وجدوا،
راغبون في إدراجها ضمن
إطار أوسع. ولقد كان فون
دانكن Von Daniken على
خطأ حين قرر بأن أصحاب
اللوحات كانوا كائنات من
عالم خارج الأرض، ولكنه
كان مصيبا حين أشار إلى
أن تاسيلي تمتلك جانبا
غير معروف في تاريخ مصر
القديمة. خطو خطوة في
تاسيلي سيكون أصعب من
القيام بخطوة صغيرة على
القمر، لن تكون خطوة
كبيرة على صعيد
الإنسانية، إلا أنها
ستكون كذلك بالنسبة لعلم
الآثار.
(*) نص الترجمة الملحقة
بكتاب هنري لوت"لوحات
تاسيلي، قصة لوحات كهوف
الصحراء الكبرى قبل
التاريخ" الصادر عن دار
الفرجاني بطرابلس في طبعة
جديدة.
(1) Philip Coppensمؤلف
وصحفي إنغليزي متعدد
الاهتمامات، من أبرزها
الاهتمام بالتاريخ
القديم. يكتب في عدة
مطبوعات. اقتصرعمله منذ
سنة 1995 على إلقاء
المحاضرات عبر العالم.
(2) هذه ترجمة العنوان في
الإنغليزية كما أورده
كاتب المقال.
(3) ص23 من الترجمة
العربية. تجدر الإشارة
إلى أن المقال كما ورد في
المصدر الذي ترجمنا منه
يخلو من أية هوامش أو
إحالات.
(4) كاهن يستخدم السحر
لمعالجة المرضى ولكشف
المخبأ وللسيطرة على
الأحداث.( قاموس المورد).
(5) ص 10.
(6) ص 53.
(7) الواقع أن لوت يسميه،
حسب الترجمة العربية
للكتاب" عملاق الرمال
العظيم" وأيضا" الإله
العظيم". كما لاتوجد
إشارة إلى السمكة. وواضح
أن سبب هذا الاختلاف راجع
إلى اعتماد كاتب المقال
على طبعة منقحة.
(8) ص 77. الاقتباس، كما
أورده كاتب المقال، يذكر"
الموجات الكبيرة من
المهاجرين الرعاة" وأنها"
غزت، ليس تسيلي
وحدها.....".
|