عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 
 

 

رضوان الكوني كما عرفته

بقلم: أبوزيان السعدي

 

كنّا جماعة وقد انتظم بنا المجلس في إحدى مقاهي العاصمة، نخوض في أحاديث كثيرة حول موضوعات ذات صلة بالأدب والثقافة، في بلادنا وفي غيرها من أرض الله الواسعة، وذات صلة على نحو خاص، بالمكتبات الخاصة وأهمية العناية بها لحفظها من الضياع بعد أن يغيب أصحابها الغياب الذي لابد منه لكل إنسان، وقد تعددت الآراء يشوبها حذر واضح لايكاد ينتهي إلى موقف دقيق، عندما توجّه إليّ أحد الأصدقاء من الجالسين، بسؤال محدد عن مكتبتي، وهل فكرت فيما تنتهي إليه من مصير ـ بعد عمر طويل ـ ؟ قال ذلك بصوت خفيض كأنه على استحياء ثم ليلوذ بالصمت فيما يشبه الاعتذار، فأجبته مبتسما بأني مازلت أتدبر الأمر، وأقلّبه على وجوهه المختلفة، لأن المسألة من وجهة نظري أن تجد المكتبة من يحفظها من الضياع، وأن يحسن الانتفاع بها، كما يحسن التدبير لمآلها فيما بعد، وبعد برهة من الصمت قلت بكل وضوح كأني أحسم القضية: إذا كان لابد من كلمة فاصلة في الموضوع، فإني أعلن أمامكم أيها الأصدقاء أني أتعهد بأن يكون مصير مكتبتي بعد غيابي بيدي صديقي رضوان الكوني، لأنه يتوفر على الشروط الواجبة، التي أطمئن معها إلى مصير مكتبتي. كان رضوان الكوني جالسا في اطمئنان وعلى ثغره ابتسامة، وهو يستمع إلى كلامي، ولكنه فجأة يغيّر من جلسته، وتغرورق عيناه بالدموع، ثم تمتدّ يده اليمنى لتلامس يدي برفق، وليقول لي بصوت متهدّج: لتحفظك العناية الربانية أيها الصديق، ولكن لتكن على ثقة بأن الطريق مازال أمامنا طويلا، وأن ما أودعته في نفسي من ثقة، سيظل في الأعماق على مدى الأيام.

كان ذلك منذ سنوات ثلاث على ما أتذكر، ولم يكن الشك يخالجني مطلقا في صحة الرجل، اذ لم يكن يشكو من أي شيء، قد يدخل على الخط فيغير المعادلة إلى أفق آخر غير منتظر، ومن ثم كان اطمئناني إلى الأنباء تصلني عن وضعه الصحي بأحد مصحات العاصمة، فأكتفي بالهاتف أسأل وأطلب اللطف، إلى أن أخبرني شقيقه محمد الأمين، أنه سأل عنّي أكثر من مرة، فكان أن أسرعت إليه وهو يرقد بمصحة «سكرة» بصحبة الأستاذ صالح الحاجي، لأفاجأ ويفاجأ رفيقي بأن صديقنا العزيز قد أخذ منه المرض مأخذه، وأنه لايستطيع رد الجواب حين نتوجه إليه بالحديث، ولكنه كان يتفحصنا ببصره ويحرك يده اليمنى ليشعرنا بشيء من يقظته، كان يتقلب في سريره من آن لآخر، ويصدر عنه صوت خافت فيما يشبه الأنين المتقطع، ولكن ملامح وجهه ظلت كما عهدناها منه دائما، هادئة وعميقة وإن شابهها اصفرار.

وهكذا ودعنا صديقنا العزيز على صوت ابنه عصام الكوني ينقل الينا تفاؤل الأطباء بالشفاء المرجوّ، ولكن إرادة الله فوق كل شيء، إذ بلغني النبأ المؤلم صباح يوم الاثنين في السادس والعشرين من هذا الشهر، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

لقد عرفت العزيز رضوان الكوني في سنة 1970 بمكتب الأستاذ محمد العروسي المطوي الكائن بنهج رومة، حينما كان مكلفا بمصلحة التوجيه الحزبي، فعرفت فيه المحبّ للعلم المغرم بالأدب، الساعي بكل جد لأن يسهم في حياتنا الادبية، اسهاما حقيقيا وفعالا، بعيدا عن أي صخب أو ادعاء رغم امتلاء الساحة الثقافية في تلك الفترة من القرن الماضي، بالآراء المرتجلة والدعوات التي لايسندها علم حقيقي أو منهج صائب، وسر ذلك أن الأستاذ رضوان الكوني، تكوّن تكوينا علميا صحيحا قبل أن يمارس العمل الأدبي، إذ أكمل دراسته الابتدائية، فالثانوية فالجامعية بنجاح، ظل يذكر لي مراحله المختلفة بكل شغف، فكان يقول لي إنه لايمكن أن ينسى دروس أستاذه بمعهد خزندار الأديب البشير المجدوب، صاحب كتاب «بذور» وغيره من الكتب، والذي يعدّه الموجه الأول لفهم الأدب والكتابة الصحيحة، والذي ظل على صلة به في كل الأوقات.

كما كان يقول لي إنه ارتبط في تلك الفترة من الدراسة، بزملاء يهوُون الأدب والمسرح، ويبذلون في سبيل ذلك كل ما أتيح لهم من نشاط، أمثال الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي وسمير العيادي وغيرهما وإن اختلفت بينهم السبل فيما بعد، هما نحو المسرح وفنون الدراما التلفزية والسينمائية، أما هو فقد ارتبط بالتدريس وبالكتابة القصصية والروائية والمقال الأدبي.

كما ينبغي أن نذكر دور «نادي القصة» برئاسة العروسي المطوي في تشجيع صديقنا الراحل على الابداع والنشر، سواء عبر مجلته «قصص» أو منشوراته، أو عبر جلساته الدورية وندواته التي تقام بهذه المناسبة أو تلك.

لقد رحل عنّا الأديب الكبير رضوان الكوني، مخلفا أسى في القلوب، وحزنا عميقا، ولكنه ترك لنا مجموعة أعمال أدبية متميزة، ستظل تذكرنا به وبنبوغه، وبأخلاقه العالية في فهم رسالة الأديب الحق، تجاه نفسه ومجتمعه وشعبه وإنسانيته بصفة عامة.

... ولا حول ولا قوة إلا باللّه.

 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية