|
حول ملكية وسائل الأعلام
تعول
الثورات الوطنية التي خطت
خطواتها الأولى عن طريق
الفصائل العسكرية ، وفي
معرض سعيها نحو المشروعية
الشعبية ، وعدم الاكتفاء
بقوة السلاح ، على ما
تبادر بإنجازه من حزمة
المطالب الوطنية المتمثلة
عادة في التحرر من الوجود
الأجنبي المتمثل في
الاتفاقيات والأحلاف غير
المتكافئة التي طالما
نظرت إليها الشعوب
وطلائعها الوطنية كمظهر
من مظاهر النقص في
الاستقلال الوطني لما
انطوت عليه من ضمان بعض
المصالح لمستعمرى الأمس
وكان التفاوض حول تصفيتها
يستغرق الشهور والسنوات
على نحو ما حدث في مصر في
ثلاثينات القرن الماضي
حين عقدت معاهدة 36 مع
بريطانيا فأثارت سخط
القوى الوطنية والـمعارضة
التقليدية ، وقل مثل ذلك
عن بقية الأقطار العربية
التي ولد استقلالها في
إطار التسويات وفي أقوى
الصراعات الدولية التي
كان مسرحها متمثلا في هذا
المجال الحيوي الواسع
مساحة الغني ثروة الفقير
خبرة . مما يدفع هذه
الثورات وقد تحقق لها ما
تطلعت إليه من النجاح
وأنجزته من المطالب
الكبيرة الى استشعار
التميز عمن سبقا وهي
توالى مسيرتها فتذهب الى
ما يتجاوز المنجز العملي
الى الأفق التنظيري ذلك
يكون هاجسه التفرد إزاء
السائد ، مهما كان حظ هذا
السائد من النجاح ، الأمر
الذي يفرض من البداية
الاقتراب من وسائط
التبليغ المختلفة ابتداء
من المؤسسة الدينية
المتمثلة في المساجد
وأهميتها وشقيقتها
المدنية المتمثلة في
المؤسسة الإعلامية وما
نظمه دائرتها من كلمة
مقرؤة متمثلة في الصحافة
وأخرى مرسلة متمثلة في
البث المسموع والمرئي
بمختلف تفرعاته ، فيكون
الاستيلاء على الموجود من
أيسر الطرق ويجري في
الوقت ذاته استحداث
المزيد ، وينشأ تبعا لذلك
خطاب تعبوي قواه تأييد
المطروح بوصفه الأسلم
والأجدى ، ومن ثم تنشأ
مجانية التشكيك في أي
تعبير يشي بالاختلاف
وتفتح تبعا لذلك أبواب
التأويل وسوء التفسير حتى
لتكاد تصل الى النوايا ،
وكثيرا ما يحدث أن تنجر
هذه الثورات الى مستنقع
الارتياب وعدم الثقة
وأخيرا التجاوز فتكون
الخسارة الكبيرة المتمثلة
في ألا محال والفجاجة
والعجز عن تحقيق أي تطور
تقتضيه المرحلة وتفرضه
استحقاقات الواقع . وهكذا
تكتسب الأفكار ذلك القدر
الهائل من القداسة وتحاط
السياسات بذلك السياج
القوي من الثقة ، فلا
مجال لوجود خطأ ولو كان
عن حسن نية ولا تفكير
تفرضه طبيعة العمل .
كان الخلاف ليس من طبيعة
البشر او ان القرارات لا
يمكن ان ترضي الناس جميعا
، فلا مكان لأدب يخرج عن
هذه القاعدة ولا وجود
لصحافة تكف عن ترديد
الإشادة بما يجري صباح
مساء ، فإذا ما ظهر في
الأفق ما ينبئ بوجود فشل
او قصور كان اللجوء الى
هذا الأعلام الذي لا يسأم
الترديد ولا يعبأ بمستوى
الإقناع ، حتى أن معظم
الكوادر التي قدر لها أن
تتألق في مسيرة هذه
الثورات هي تلك التي
استطاعت المرور على محطات
هذا الأعلام ، فعبره
يتأهل من لا يملك المؤهل
ومن خلاله يكتسب غير ذي
الهوية هويته ، وهناك في
تاريخنا العربي المعاصر
وفي أقطارنا التي عرفت
الخيار الثوري من الأمثلة
ما لو أردنا الاستشهاد به
تضاق الوقت المحدد لمثل
هذه المشاركة والتي تفضل
ما وسعها ذلك البعد عن
التفاصيل . وحتى لا تبقى
الكلمات معلقة في الهواء
او تحسب في عداد التفصل
من المسئولية نحب التوقف
قليلا أمام هذا السباق
المحموم نحو القنوات
الفضائية والمشروعات
المتداخلة والأجهزة التي
كثيرا ما يعلن عنها ليلا
ويتم التكليف بإدارتها
صباحا وقد تلغى في اليوم
الذي يليه ، إما
المحاولات التي اتصفت
بشيء من الجدية فقد كان
التضييق عليها وكأنه
الهدف الحقيقي نعم ان
النشاط الإعلامي في
بلادنا على سبيل المثال
نظريا هذا المملوك من
الناس والمناط أمر تسييره
بلجان تمثل مختلف الشرائح
، اما التسيير الحقيقي
فقد كان ولا يزال من
اختصاص أولئك المحظوظين ،
فإذا ما قدر لأي من ذوي
الأهلية أن يتسلل نحـــو
مرفق من المــرافق كــان
في غــول الإمكانيات ما
يتكفل بوأد أي تحرك ،
فإذا ما أصرت شريحة من
الشرائح أن تمارس مهمتها
كان في إعادة البناء
وتعديل الهيكلية أفضل
الطرق وأيسرها لضمان
التصفية وبقاء كل سيء على
ما كان عليه .
وعندما ينتظم اليوم هذا
الحوار المكرس لملكية
الشعب لوسائل الإعلام وسط
تجاذب ملحوظ بين مبدأ
توسيع الدائرة وحصن
الجميع على الإدلاء بما
لديه كي تكون هذه المثابة
وغيرها فضاء للحوار
وإبداء الرأي المتنوع ،
وأخر يصر بكل ما أوتي من
القوة للإبقاء على الأمور
من حيث احتكار الرأي
وتغليب مبدأ سوء النية
والقراءة المسبقة التي
ترى في كل دعوة الى تقييم
مستوى الأداء وضمان
الجودة خطرا ينبغي
الإسراع بالحيلولة دون
وجوده حتى ليشعر المرء
وكأنه أمام آفة من الآفات
الضارة . ومع إزجاء
التحية للجميع نقول : على
الرغم من أن كل المستجدات
تقتض وجود صحافة خاصة
تؤدي مهمتها في إطار
المتاح ودونما تطاول على
ما فيه من سقف للرأي ومن
طرف أسماء ذات خصوصية
وإشعاع ، فان من الممكن
تأجيل ذلك بعض الوقت ،
ولكن لا مبرر أبدا
للإبقاء على وسائل
أعلامنا التي يحرص
المكلفون بها على
احتكارها بالكامل إذ فضلا
عن تدبير ما يرصد لها من
الأموال في وسائل النقل
خيالية الثمن التي تخصص
حسب الأهواء ولوازم
التشغيل التي تعطى بذات
المفهوم وبالجملة بقاؤها
في عصمة من أي مستوى من
مستويات الرقابة فأنها
وذلك هو الأخطر تستغل في
الإصرار على تقديم فن
هزيل وتحليل سطحي وحوار
لا مكان فيه للتنوع او
المنافسة ، ان رسالة
الأعلام المطلوبة فيما
نرى ونعمل هي تلك التي
ترفض أن تتحول المقولات
الراقية الى توفير السكن
ووسائل النقل الى مجال
خصب للإثراء وكذلك الجمع
بين الإنشاء والتسيير ،
فالإنشاء كما تقول أبسط
القواعد الحسابية من
مشمولات المكلفين بالبنية
التحتية ، وليس للمسيرين
الإداريين سوى النص الفني
والأدبي . وما ضرورة هذا
الخلط العجيب بين
المسئوليات الأمنية
والفنية والإعلامية
والإنشائية في ذات الوقت
لولا دواعي العرف والتفنن
في أوجهها وأن كان هذا
الجانب يمتد الى الكثير
من المجالات الأخرى التي
كان لها في السكونية
والحديث عن الأخطار خير
عاص من المحاسبة .
وقد ينتهي الوقت المحدد
لهذه المساهمة ولا يتوقف
تدفق الأفكار المتصلة
بالاعلام وتاريخ الاعلام
ورسالة الاعلام ، تلك
التي كانت هنا وقبل واحد
وأربعين سنة مضت وفي مثل
هذا الشهر بالذات مثار
قلق الكثير من المعنيين
بالشأن العام عند ما كانت
لغة المبالغة هي السائدة
فقد ثبت لبعضهم أن
النهاية قاب قوسين أو
أدنى فيما كانت مهمة
محترفي المبالغة وتملق
السائد تقترف أبشع جرائم
المغالطة والتضليـل حول
ما كان ينخر الجسـد
السياسي المتآكل ، فإذا
ما قدر للضربة أن توجه
كاد المضللون أول من بادر
بلعنة سادة الأمس شأن شأن
نظراتهم في ذلك الوطن
الكبير ، اما الذين
اتسموا بالموقف المختلف
وامتازوا بالاعتراض على
تلك الأساليب فهم الذين
كفوا عن كل حديث عن
الماضي وشرعوا يتطلعون
للمستقبل . وذلك أن
الواقع لم يكن خاليا من
الكفاءات كما خيل الى
البعض بمن في ذلك الذين
أسهموا في الحدث الكبير ،
بقدر ما كان يتوفر على
الكثير من ذوي الخبرة
وأصحاب المواقف
والمشغولين حتى النخاع
بالوطن ومصيره والحريصين
على سلامته وتسييره من
طرف أبنائه منهم من رصد
الطابع السلمي لما جرى
بعد عشرة أيام من تاريخ
هذا اليوم ويكون الاعلام
ومشكلات الاعلام وملكية
الاعلام موضوع هذا النشاط
ويكون تناوله بهذا القدر
من المكاشفة وممارسة
الخصوصية والموقف المسئول
، وعلى هذا القدر من
الثقة المتبادلة بين
مختلف الأطراف وفي دثار
من الطمأنينة والمشترك
فمع حمد الله على ما أنعم
من الصحة للذات الضعيفة
حتى وصلت هذه الفسحة
الزمنية والإسهام المستمر
، ومع الشكر له على ما
أفاء من سلامة الوطن
وتوفر المراجعة ومع نسمات
شهر الصوم وحلول الفاتح
من سبتمبر الذي نتفاءل مع
مجيئه دوما بالخصب
والنماء ، نحي المكان ومن
حواه المكان ومن لم يتسع
لهم المكان ، ومن يشمل
لحسن رعايته المكان
مجددين العهد بالصدق الذي
هو عربون التصديق ويهدي
من مقولة ربينا عليها ذات
يوم ونثق دوما أنها
الأجدى والأدق والادل ألا
وهي (( ليــس ثمة ثورة
الا الى الأمام ، وكل
حركة معادية للثورة هي
رجعة وشر ))
* ندوة عقدت بمثابة
المدينة ""طرابلس""
يوم 22 / 8 / 2010م
|