|
رجباني .. مقطوع من
شجرة؟!
فوزي البشتي
جيلاني
طريبشان.. رجباني مقطوع
من شجرة، كما يقول في
إحدى قصائده، ليست شجرة
مثل كل الشجر، ولكنها
شجرة من الكلام، كان
جيلاني طريبشان غصنا في
دوحتها.. ظل يرتعش
ويتماوج حتى وجد نفسه
خارج نطاق جاذبيتها، ودخل
في غياهب صمت عُرف به عند
كل أصدقائه ومجايليه من
الشعراء.. وبعض كتّاب
المناسبات الذين لم
يكونوا يطيقونه، وعندما
مات علقوا له عرجون؟!.
كان جيلاني طريبشان يلتحف
بصمته متنقلاً بين مقاهي
طرابلس العريقة، من «قهوة
عبدالله» في شارع الوادي
إلى مقهي زرياب في شارع
الاستقلال، ومن مقهي
«ريش» في ميدان طلعت حرب
القاهري.. حيث صديقه
الشاعر أمل ونقل وخصمه
الدائم الشاعر والمسرحي
نجيب سرور، إلى مقهي
الفيشاوي في «خان
الخليلي» حيث بقية الشلة
من الشعراء والشحاذين
وباعة الكلام.
جيلاني طريبشان، شاعر
ليبي تعرفه كل النهارات
المليئة بندوب التجربة..
حيث تستعيد الورود
أريجها، ويظل هو حائراًً
ومسكوناً بغصة تأبى أن
تغادره، رغم أنه كثيراً
مايصرخ في وجهها: أيتها
الـ «أما آن لهذا الجسد
أن يستريح؟ لكنه يظل هو..
هو الشيخ الجيلاني..
مسكونا بأحزانه.. وخارج
نطاق كل الاستعادات
الممكنة وغير الممكنة..
شاعر بلا طفولة ولا
شباب.. لقد اختصر كل
الزمن، وأخترق كل
المسافات، وبدأ حياته
كهلا مثقلا بغبار الأيام
ومحطات العمر الأخيرة.
لقد وجد نفسه يدلج إلى
شيخوخة لاترحم، يحمل
زاداً من التجارب يثقل
كأهله الواهن.. فيظل يصرح
في صمته ويعبر في شعره عن
المسكوت عنه أو المرمى في
الخارج أو في الهامش،
وخارج نطاق التغطية، فيجد
نفسه في كل مرة بعيداً عن
كل شيء.. فيعود إلى نقطة
البداية.. حيث تتراكم
الأسئلة وتتعدد وهذا
التعدد في الأسئلة
لايكتنه تعدد الإجابات
المفتوحة، بل ينزع إلى
سياقات أخرى، هي تعدد
المعنى.. حيث يحتمل هذا
المعنى اتساعاً آخر تمنحه
النصوص الشعرية، هو تعدد
الرؤية، محافظً على نقاء
وصدق القول الشعري
وملتزماً بالأهداف
والمستهدفات، ومترسما خطى
الفرسان الأوائل للتجربة
الشعرية الليبية الحديثة.
كان جيلاني طريبشان يكتب
قصائده ملتحفا بصمته
وغربته، ينقشها في دقة
متناهية، فيما هو يتنقل
بين مقاه عُرفت به وعُرف
بها.
في طرابلس كانت «زرياب»
هي العنوان الثابت عندما
يطيب له الاستقرار، يشد
إليها الرحال من
«الخرابة» التي كان
يتقاسم السكن فيها مع
مجموعة من العمال
البسطاء، في شارع سيدي
عمران عند مدخل الباب
الجديد لمدينة طرابلس
القديمة، ليلتقي أصدقاؤه
الحقيقيين، الفنان
التشكيلي محمد شعبان وفرج
قناو عاشق المسرح ومبدع
أجمل نصوصه، باعتباره
واحداً من كبار «حوش
العيلة» الذين ولدوا
كباراً وسيظلون كذلك وسط
مشاهد لاتنسي وذكريات
لاتتلاشي مع مرور الزمن.
كذلك كان هناك سعيد
المزوغي، الكاتب المسرحي
والصحفي المخضرم والفنان
من قمة رأسه التي اخمص
قدميه، ونبيل بن رحال
الصعلوك الذي تعرفه دروب
مدينة طرابلس وهي تلتحف
بسدول الظلام أو تستحم
بأشعة الشمس. وأحياناً
يظل أحمد إبراهيم الفقيه،
قبل أن يتدكتر» وإبراهيم
الكوني عندما كان يحاول
نسيان الصحراء، وزيادة
على قبل أن تدركه مواسم
الهجرة إلى صنعاء. ورضوان
بوشويشة قبل أن يتحول إلى
التشكيل فقد كان وقتها
يكتب الرواية والقصة
القصيرة والنقد الأدبى،
ويكتفي بالفرجة على
اللوحات التشكيلية التي
ترسمها زوجته الايرلندية
الرائعة. سلامات يارضوان
العزيز.
في القاهرة، كان جيلاني
طريبشان معروفاً بأنه من
«حكماء ريش» الذين تحدث
عنهم الشاعر نجيب سرور في
ديوانه العجيب الغريب»
بروتوكولات حكماء ريش»
وثمة صورة زيتية كبيرة
رسمها له الفنان محمد
حجي، معلقة بصورة دائمة
على جدار بارز في مقهي
«ريش» إلى جانب صور
أصدقائه من الشعراء العرب
البارزين.. عبدالوهاب
البياتي ومعين بسسيو وأمل
دنقل وحسن فتح الباب
وكامل الشناوي وبقية
الكبار من شعراء العرب
المعاصرين.
وفي الدار البيضاء يعرف
رواد «دون كيشوت» سي
الجيلاني.. الذي كتب
«سيدة الأقمار السبعة»
عند مدخل الكهف الذي يؤمه
الزبائن عند منتصف الليل.
وفي بغداد، كان كثيراً ما
ينام على عتبات «الميليا
منصور» عندما لايتمكن من
العودة إلى نهايات
«الرصافة» حيث تنتهي حدود
بغداد، وتبدأ مملكة
الصحراء، وإينما حل، ترك
هذا الشاعر غبار شخصيته
ليستكنه الآمكنة
والأزمنة، التي عندما
تستقبله فإنها لاتعد تفكر
في إمكانية رحيله.. ولكنه
رغم ذلك رجل وأوغل في
الغياب.. ولعله الآن يشير
لنا أن نلحق به، فمن يضمن
لنا إذا لحقنا به أن
نلتقيه.
|