|
التجربة الشعرية المعاصرة
تعتبر
التجربة الشعرية المعاصرة
من أثرى أشكال الأدب
العربى تجددا وأغناها
اتساعا وتألقا فلقد
استطاعت هذه التجربة ان
تقدم إضافة لا مجال
لانكارها أو التقليل من
فاعليتها في رحلة الأشكال
الأدبية المستحدثة وذلك
منذ ان أفلح الأدب العربي
في الخروج من ربقة التخلف
الذى انتاب الحياة
الفكرية العربية طوال
عصور الانحطاط العربى وما
رافق ذلك من وهن في وسائل
التعبير وخمول في محتوى
التفكير، وعجز بيّن عن
مجاراة العصر في تلك
الحقبة المعتمة .
ومع ان هذه التجربة قد
ولدت في أحضان التجربة
الشعرية التقليدية
الحديثة التي أسس لها في
المشرق البارودي وشوفي
وحافظ والزهاوي ومطران،
واستجاب لها في المغرب
العربى مصطفى بن زكرى
وسعيد أبو بكر وأحمد
الشارف ورفيق المهدوي
وإبراهيم الهوني، وصولا
إلى الأسطى عمر وعلي صدقي
عبد القادر ومحمد ميلاد
مبارك ورجب الماجري وحسن
السوسي ومن ثم على
الرقيعي وعلي الفزاني
وحسن صالح ومحمد الشلطامي
وغيرهم، وغيرهم إلا ان
الذى لا مراء فيه ان
التجربة الشعرية المعاصرة
قد تميزت وخلفت لنفسها من
فنون المعالجة ما اعطاها
من السمات ما جعلها خليقة
بالدراسة النقدية من
ناحية والمقابلة
الاحتفالية من ناحية
أخرى، وذلك لما تمكنت من
تحقيقه في مجال الانجاز
النصي والقدرة على طرحه
في الساحة الأدبية .
على ان هذه التجربة
الشعرية وان تكن في
انبعاثها قد مثلت الوليد
الشرعي لتلك النهضة
الأدبية التي ازدهرت منذ
مطالع هذا القرن وطوال
معارك التحرير التي
خاضتها جماهير الأمة
العربية بقيادة شرائحها
المختلفة وهى تحاول
التخلص من السيطرة
التركية وتواجه في ذات
الوقت مؤامرات الاستعمار
الأوروبي وخياناته
المتلاحقة ودسائسه التي
يعجز القلم عن حصرها،
فإنها ما لبثت ان خرجت عن
طوع ذلك الأب القديم ليس
فقط على مستوى الاكتفاء
بالتفعيلة الواحدة كما
حصل في الخمسينات
والستينات من حيث بناء
القصيدة أو من حيث نزوعها
نحو الجموع والالتزام
بقضاياهم بل إلى درجة هجر
التفعيلة بالكامل
والاستعاضة عنها بواسطة
الصورة والموسيقى
الداخلية إلى غير ذلك من
المصطلحات التي أفلح
النقاد في استحداثها
واكتشاف أسرارها البعيدة
والقريبة، حتى لقد غدونا
نقرأ ألوانا من الإبداع
لا صلة لها على الإطلاق
بذلك الموروث الذى قرأناه
واستقر في وجداننا لآماد
طويلة ودأبنا على التفاعل
به وإعادة ترديده أثناء
الليل وأطراف النهار.
وبالرغم مما قيل وكتب في
مناسبات كثيرة حول رحلة
الشعر الجديدة وحول فنون
الإبداع التي حفل بها
ومظاهر التطور التي حققها
فإن الانفصال ما يزال
كبيرا بين هذا الشعر
الجديد وبين جماهير
القراء المستهدفين بهذا
الخطاب الجديد والمطالبين
بتذوق جمالياته والتعامل
معها وإعطائها ما تستحق
من الفاعلية والتفاعل ولم
تعد الذاكرة العربية في
حقيقة الامر تعيد من
الشعر العربى سوى تلك
النصوص الخالدة التي
أبدعها أعلام الشعر
العربى منذ المتنبي وأبي
العلاء ومن قبلهم أبي
تمام وبشار إلى زمن
المدرسة التقليدية ومدرسة
المهجر، وصولا إلى نزار
والبياتي والسياب وأدونيس
في مراحله الأولى، بل ان
هذا الأخير يقدم في
دراساته التطبيقية سوى
نصوص القدماء والنزر
اليسير من نماذج النهضة
الحديثة، وكانت المسألة
الملحة دائمة والدعوة
المستمرة أيضا هو ان هذه
التجربة ذات التنظيرات
الكثيرة لابد لها من
تقديم دراستها التطبيقية
حول نصوص شعرية محددة
توفر للآخر إمكانية
الحوار وتعطي للحياة
الأدبية ما تحتاج إليه من
الحيوية والتجدد، لتحقق
بالتالي ما ينتظر منها في
مجال الإثراء والإسهام
الجيد الفاعل .
كانت هناك معضلة حقيقية
أمام هذا النص الشعري، لم
تستطع كتاباتنا الكثيرة
ان تتغلب عليها أو تقلل
من تأثيرها وقد بدأت
مظاهر هذه المعضلة تتجسد
أكثر فأكثر عقب استفحال
المشكلات التي غدت تواجه
المواطن العربى في معاركه
المستمرة التي لم يستطع
ان يخوضها كما يجب ان
يخوض ولم يسمح له بتأدية
دوره الذى كان وما يزال
يتطلع إليه،ولم يحسب عليه
فقط سوى ما ظل يتوالى من
الهزائم المستمرة
والنكسات المتعاقبة
والورط التي لا مخرج
منهلا على ما يبدو في
المنظور القريب .
وكان على فرسان الكلمة ان
يلتفتوا إلى هذه المعضلة
بجدية وان يتوقفوا أماها
بكل ما تستحق من الاهتمام
والمتابعة لاتصالها
بمسألة الوجدان ومسألة
التعامل مع الكلمة
وإشكاليات الوعي المتنوعة
.
وقد لا يعزب عن أحد جلال
الدور الذى قام به الشاعر
علي صدقي عبد القادر في
معايشة هذه الأمور، ومدى
الحضور الذى أكده في
الحياة الشعرية منذ ما
يقرب من خمسة عقود في عمر
الزمن، كانت خلاصتها هذا
العطاء الشعري المتتالي
الذى حملته مجموعاته
الشعرية المتتالية
ومشاركاته الإلقائية
الكثيرة، سواء في المناشط
التي تقام داخل
الجماهيرية أو تلك التي
تنظم في المحافل الدولية
والعربية، والتي كانت
جميعها في اتجاه التجريب
وخوص غمار التجربة من كل
نواحيها .
لقد بدأ علي صدقي عبد
القادر تجربته الشعرية في
إطار المدرسة التقليدية
الصرفة، بحيث يلحظ المرء
في دواوينه الأولى الكثير
من القصائد التقليدية بل
إنه حتى عندما طرق باب
التجديد انما عالج ذلك من
خلال التفعيلة الواحدة
ليس غير، إلا أنه ظل بعد
هذه البدايات وطوال
مداومته على كتابة الشعر
ينزع أكثر فأكثر نحو
التخلي عن التجربة
القديمة حتى إنه غدا في
تجاربه التي دأب على
كتابتها في السنوات
الأخيرة يكتفي بالصورة
المكثفة والعبارة
المقتضبة ليس غير .
ورغم ان هذا اللون من
الشعر يمكن تذوقه بواسطة
القراءة دون الإلقاء، فإن
الشاعر ظل يحرص على إلقاء
قصائده هذه وكأنه يريد ان
يقول ان التجربة الجديدة
لا تصدم المتلقي التقليدى
بالكتابة فحب بل انها
تهدف إلى اقتحامه بواسطة
الإلقاء أيضا.
حقا إنه ليس الوحيد في
هذا الميدان،فكل فرسان
القصيدة الجديدة يحرصون
على خوض هذه التجربة إلا
ان علي صدقي في الحقيقة
يظل دائما نسيجا وحده
وتجربة لها من الفرادة
والخصوصية ما لا يمكن
لأحد ان ينكره .
غير إنه لا يقف وحده في
هذه التجربة فهناك أعداد
كبيرة من الشعراء الذين
يكتبون في بلادنا هذه
الأيام وكلهم إمعان في
التجديد وكلهم رفض
للموروث الشعري في كل
كتابة يكتبونها وكلهم ثقة
في ان تجربتهم متميزة وان
الحركة النقدية ظلمتهم
ولم تستطع ان توفر لهم
المناخ الملائم ولم تستطع
ان تنزلهم المنزلة التي
يستحقونها ولم تلامس بعد
اضافتهم الشعرية .
كل هذه الشروط التي
أومأنا إليها وتلك التي
لم نستطع الإلمام بها
دفعت (بالفصول) وهى تجربة
الملفات الثقافية ان تعقد
هذا الملف للشاعر علي
صدقي عبد القادر وان تترك
الحيز الأكبر من الإسهام
فيه لعدد من المثقفين
الشباب شعراء وكتابا
للكتابة عن علي صدقي بعد
القادر والتحاور مع علي
صدقي عبد القادر، وذلك
بعد ان قدمت عبر
المساهمات الفردية
والمجهود الشخصي الكثير
من الدراسات عن تجربة هذا
الشاعر عبر دواوينه
المختلفة .
وهى دراسات وان تكن لم
تستطع ان تعطي الشاعر حقه
إلا انها بدون شك عبرت عن
جزء من الاحترام الشخصي
والعناية المستمرة
بإبداعه والتثمين العالي
لمواقفه المشرفة، على
انها كانت وما تزال بحاجة
إلى مزيد المراجعة ومزيد
الإثراء .
ان الملف الذى يحويه
العدد القادم يندرج ضمن
المحاولات الرامية إلى
الجمع بين تكريم السابقين
في درب الكلمة والاحتفاء
بهم ليس فقط من منطلق
التمجيد المطلق ، وإنما
بواسطة الحوار المسئول
لعطاءاتهم وما قدموه
للحياة الأدبية من إنتاج
زائد وعطاء غير قليل.
وهو تأسيسا على ما سبق لا
يكتفي بما حواه بقدر ما
يجسد دعوة ملحة لكل
الفاعليات الأدبية لتوالي
المناقشة وأعمال الرأي
المسئول لسد أى نقص عساه
ان يكون قد وجد وتصويب أى
خطأ ربما يكون قد حدث .
ذلك ان الحياة الأدبية لا
يمكن ان تحقق ما يراد لها
من الازدهار وما ينتظر
لها من التقدم إلا
باستمرار المبادرة وتوالي
المشاركات .
بل لعل في إصدار هذا
الملف ما يجسد دعوة ملحة
لكل الفاعليات النقدية
لمناقشة قضية الشعر من
الأساس ولا سيما بالنسبة
للأصوات الجديدة ،
فالتجربة لابد ان تصنع
دارسيها ولابد ان تفرز
القادرين على فهم أسرارها
واكتشاف عناصر إبداعها.
ورغم الكثير من المحاذير،
فإننا نعتقد ان اليوم
الذى ستصل فيه التجربة
إلى هذا المستوى لن يكون
بعيدا بل وانه لأقرب من
القريب .
|