عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 
 

 

تلك الليلة

السنوسي حبيب
 

«في الأفق طيور سود في الأفق دم ورعود»
شوقي بزيع

طرابلس الجميلة، عروس الساحل الليبي، في عنفوان أنوثتها الناضجة وألق جمالها العربي، تتوسد ذراع مرفأها العامر، وترخي جدائلها فويق الماء، وعلى أطراف الموج المترقرق أحياناً، مرأة صقلية ترقص صور مناراتها ومآذنها الرشيقة والمصطخب أحياناً أخرى مُعلناً عن ضجة الحياة وبهجتها، وهي مرخية أعنة الخيال الخصب تسبح في فضاء الرب، واثقة من جدارتها بالحياة وقدرتها على الاستمتاع بها، حالمة بالهناء والمواسم الخيرة.
أضواء البواخر الراسية في الميناء تبرقش الأفق وتنعكس على صفحة الماء أقواس قزح أخاذة الألوان معلقة من أطرافها بقية المساء، والزوارق الصغيرة تنسل بخفة وانسياب بين البواخر الكبيرة لتأخذ مكانها الامن جوار الرصيف حيث البحارة المتعبون يعودون من رحلاتهم، يطرحون شباكهم على رصيف المرفأ ويعودون إلى بيوتهم محملين بالرضاء وبرزق اليوم الذي جاد به البحر عليهم.
العشّاق الصغار تنقر أقدامهم الرصيف تحت شرفات حبيباتهم متسقطين أية همسة أو ابتسامة صغيرة أو إشارة تنم عن اهتمام أو وعد بلقاء برىء.
أضواء البيوت تدخل حالة الخفوت بيتاً تلو الآخر والمدينة شارعاً بعد شارع تدخل حالة الاسترخاء استسلاماً لملكوت الليل وسكونه المحبب، فيما تتوقف إشارات المرور الضوئية عند مفترقات الشوارع على حالة واحدة.
الليل عباءة داكنة ترخى سدولها على أطراف المدينة لتغمرها بالدفء والهدوء، كل كائن يخلد إلى الراحة ويستسلم لسلطان النوم، فيما تظل النجوم في عليائها تومض مزينة قبة السماء ببهائها الرباني، ولكن وكما تهب العاصفة دون مقدمات مظلة سوداء كبيرة تحجب الأفق وتطفىء ألق النجوم وكما يفرقع الأعصار ويقعقع البركان الهائج بالحمم والقعقعات انفجرت سماء المدينة بالنيران، المظلة السوداء الكبيرة، بركان الجحيم تقذف اللهب بسرعة ووحشية وأصوات حادة صارخة تنعق لتصم الآذان وتهز البيوت فيما تنهمر القذائف حمماً مختلفة الأشكال والأحجام، انفجارات تتلوها انفجارات، قذائف تلحقها قذائف، الليل يتحول إلى ظهيرة حارقة ملتهبة بالدم والدخان، البيوت الآمنة تتحول إلى كتل من الدم واللحم البشري والخرسانة والدخان.
الأطفال الصغار لم يستطيعوا إكمال خدمات الفزع، كان الموت الأمريكي أقرب إليهم من أصواتهم.
النساء الحوامل لم يستطعن الوصول إلى عتبات البيوت كانت القذائف الأمريكية أسرع منهن في دك البيوت على ساكنيها.
الرجال لم يستطيعوا إكمال تساءلهم عن ماذا يجري كانت الإجابة الأمريكية أسرع منهم فغيمة أعمدة الدخان تتصاعد مغطية سماء المدينة ودماء الضحايا تتدفق حارة ملتهبة كانت إذاعة صوت أمريكا تبث إرسالاً خاصاً موجهاً لتعلن فيه بكل الغطرسة والعنجهية أن الطائرات الأمريكية قد اغارت منذ نصف ساعة على مدينتي طرابلس وبنغازي الليبيتين حين أشرقت شمس الخامس عشر من أبريل كان الوجه الأمريكي البشع قد تزين بلطخة دم أخرى.
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية