عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 
 

 

التمذهب ووحدة العقيدة

كان السـؤال الأخطر الذي واجه الأسلاف العظام وهم يتهيؤن لتلك المهمة التاريخية المقدسة التي اختارتها العناية الألهية لتكون مشروع نهضة هذه الأمة قبل ما يقرب من ألف وخمسمئة سنة هو ما إذا كان من واجبهم أن يبقوا جامدين أمام النصوص التي جاءت لقاء ما كان يتطلبه واقعهم كما هو ثابت في أسباب نزولها،
أم أن عليهم أن يعالجوا مشكلات واقعهم طبقاً للمستجدات ودواعي الضرورات؟ تماماً مثلما كانت الأحداث المدونة في أهم المصادر التاريخية تؤكد أن الدنيا بدأت تطل برأسها قبل أن يقبر صاحب الرسالة، بل ويذهب بعضهم إلى القول بأنه قد حيل بينه وبين ما أراد أن يوصي به، كما أن الحسم الذي تم في سقيفة بني ساعدة ما كان له أن يكون لولا يقظة أولئك الأسلاف لما كان يتهددهم من مخاطر وما ينتظرهم من مهام، وأن ما رأى فيه البعض شيئاً من الانحراف إنما كان استجابة لما اقتضاه واقع الحال بصدد المهمة المنتظرة التي بدأها الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان المتمثلة في تأسيس الدولة وتثبيت دعاماتها وضمان أسباب مناعتها وقدرتها على مواجهة الأخطار المحدقة ومواصلة سلسلة الفتوحات العظيمة، وهي مهمة ما كان لها أن تتحقق وتكلل بالنجاح لو لم يكن أبو سفيان على ذلك القدر الذي جعل الرسول الكريم في معرص إعطاء الأمان للأهل يساوي بين دخول الكعبة المشرفة وبيت أبي سفيان، فقد تمت الفتوحات وتأسست الدولة وانجز العرب مشروعاً غير مسبوق ووجوداً ألحقهم بمن سبقهم وتوفرت لديهم إمكانيات لا محيص من أن تفرض استحقاقاتها وتسوغ بعض تجاوزاتها، لقد اتسعت أبصارهم فصار ضرورياً أن يتأثروا بمن حولهم، وتستيقظ في وقت لاحق الاثنيات داخلهم بعد أن اسكتتها في وقت سابق سيوفهم وساد فيها لسانهم، وكان أن بدأت هذه في مشروعها من خلال قراءة النصوص ذاتها ومن ثم إعادة انتاجها بالقدر الذي تكفل باستعادة ما ضاع وتعويض ما قد فات، دون أن تنعت بالمرتدة والحرية بأعمال السيوف، فكان ما كان بين بغداد ودمشق والقاهرة وتونس، وكان انبعاث حوزة النجف وحوزة قم، وكان السؤال الأخطر حول من هو الجدير بحمل هذه الرسالة المقدسة، أهو اللسان العربي والعقل العربي وحتى العرق العربي حيث الدين لله والوطن للجميع، أم هو ذلك الذي يعطى لغير العرب ذات الحق بل ويسوغ لهم تحقيق أجندتهم ومقومات زعامتهم على هدى قراءة لم يعد الزمن يسمح بالمضي فيها ولا يقبل بإمكانيات قد تساعد على بقائها بما في ذلك التراجع عن الكثير من النظم والتشريعات التي كانت إلى وقت قريب تتعهد بصون الأموال والأسرار، فإذا بها اليوم تبيح وتشرعن جميع أنواع التدخل لمجرد وجود شائبة الإرهاب غير المحدد، وعندما استهلت مثابة المدينة نشاطها الرمضاني في الليلة قبل الماضية بمناقشة أخطار التمذهب على وحدة العقيدة بوفرة ملحوظة في الأوراق وحرص على اتساع المشاركة، لم تخل معظم المقاربات من الانشغال بهذا السؤال ولم يستطع هاجس الإعلام أن يقلل من الحاجة وضرورة التفكير الجاد حوله، وهو تفكير لا تكفيه ندوة أو ندوات إلا أن الإصرار على طرحه وتكافؤ فرص الحوار حوله يقتضي التوقف عنده والإشادة بمعالجته وإبداء الامتنان الصادق والشكر الجزيل لكل المسهمين فيه.
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية