|
عن الثقافة ورائحة النفط
ان
الموضوع قد يبدو غريبا
عند البعض، بل ان هذا
البعض قد يذهب إلى أكثر
من ذلك فيمط شفتيه وهو
يعبر عن هذا الاستغراب،
أو يشيح بوجهه مستهجنا
وربما رفع عقيرته قائلا
بحكم سريع، إننا نلوي عنق
الأشياء ونصر على إيلاج
بعضها ببعض دون أى مسوغ
من عقل أو رافد من تفكير.
ونحن في الواقع لن ننزعج
من أى أمر من هذه الأمور
ولن نضيق بأي قول من هذه
الأقوال، ان لم نقل اننا
سنقبلها وكلنا ابتسام
وهدوء؟ إذ لم تبل الثقافة
العربية بشيء مثلما
ابتليت بهذا السيل الجارف
من الأحكام الجائرة
المتعجلة التي كثيرا ما
يطلقها البعض هنا وهناك
في جرأة قل نظيرها، وتعسف
يصعب على المرء ان يجد له
دافعا مشروعا أو مبررا
معقولا أو أى سند من
أسانيد العقل والمنطق،
فما هى العلاقة التي يمكن
للمرء ان يعثر عليها إذن
بين النفط والثقافة، وأي
الإثنين يمكن ان ينتج
الآخر، وأيهما الأصل
وأيهما الذى يجسد
النتيجة.
والحقيقة
ان الامر ليس صعبا على
الإطلاق، فإما ان العلاقة
وثيقة بين النفط
والثقافة، فذلك أمر لا
يحتاج في إثباته إلى
أسانيد كثيرة، وإما ان
الثقافة تتأثر بهذا النفط
فذلك أمراً لا يحتاج كذلك
إلى جهد كبير لإثبات
البرهان فيه وتحديد
الدليل بشأنه، فالنفط حين
يتفجر في بلد من بلاد
الله المتخلفة ويعم
بخيراته "السخية"
وعطاءاته الواسعة تلك
البلاد، فإنه في الواقع
يصنع كل شئ وتبدأ مظاهر
هذه الصناعة منذ الشروع
في التنقيب عن هذا النفط،
وقبل ان يتفجر بسنوات
طويلة، لأن فوائده التي
يعرفها أولئك الذين
يظهرون معه ويستظلون بظله
وكما قال أحدهم وهو يصارع
للحصول على تمويل حقول
"البترول" في إحدى
المجالس الليبية في مطلع
الستينات لأن هذه الفوائد
والقول لذلك الليبى
الذكي... هى تلك التي يتم
الحصول عليها قبل تصدير
النفط ، اما عندما يبدأ
التصدير فإن كل شيء سيذهب
إلى خزائن الشركات
الكبيرة .
ان آثار النفط إذن تظهر
في كل شيء لمجرد ان يكتشف
ويشرع في البحث عنه ويبدأ
الإنفاق بصدده ومن ثم بعد
ان يصدر ويبدأ في البحث
عن اكتشافات جديدة منه
... ومثلما تستخدم مشتقات
النفط الكثيرة في إنتاج
مزيد السلع الاستهلاكية،
فيستغنىَ
بذلك عن مختلف المواد
الأولية التي تكون قبل
النفط سببا رئيسيا من
أسباب الإنتاج ومصدرا من
مصادر الرزق الطيب
للإنسان وأسلم له في يومه
وغده وأدعى إلى توفير قدر
أكبر من مشاركته في
العملية الإنتاجية،
ومثلما يأتي النفط بمواد
جديدة تتجاوز تلك
القديمة، فإنه يأتي كذلك
بمجموعة من الأخلاقيات
الجديدة التي تكون في
مجموعها ما يمكن ان نسميه
بالثقافة الجديدة، فترى
مجتمعات النفط عادة ترفض
كل التصورات القديمة
القائمة على المثل
العظيمة الرافضة لكل
أنواع الأنانية والمرتكزة
دوما على الإثرة ونزعة
المشاركة والإيثار فتشيع
بدلا من ذلك النزعة
الفردية الضيقة ويسود
الاستسلام الكامل
للمبادرة واللهث المخل
خلف المصالح الآنية
والمطامع الصغيرة والسعى
إليها ومحاولة الحصول
عليها بأي ثمن وبأي
وسيلة، وهو تأسيسا على
ذلك يصنع ثقافته وينتهج
أدواتها وطرائق استهلاكها
وتوفير الظروف الكفيلة
بتسويدها والتمكين لها .
أجل ان هذا النفط العظيم
يتوفر على قدرة فائقة
ومقومات مهولة، تؤهله
عادة من امتلاك الناس
والسيطرة عليهم فتراه إلا
في النادر القليل يملك
هؤلاء الناس بدل ان
يملكوه ويطبع أنماط
حياتهم بدل ان ينطبع هو
بهذه الأنماط، وتغدو قيمة
الإنسان بما يملك من
مظاهر الحياة الدنيا، لا
بما يتوفر عليه من معرفة
وما يتحقق له من نجاح في
عالم الكسب وهكذا تكون
الاستقامة شذوذا والعفة
انغلاقا، والنزاهة فشلا؟
وتختفي بالكامل تلك الصور
التقليدية الجميلة التي
كانت لفترات طويلة تشكل
قيمة من القيم العظيمة،
وتمثل معنىَ من المعاني
الرفيعة التي يشكل توفرها
علواً وغيابها نقيصة
وخللا.
ولأن النفط صناعة أمريكية
دماً وروحا، فقد ظهرت
آثار هذا النفط في ثقافة
أمريكا السائدة، بمعنى ان
هناك ثقافة أمريكية أخرى
غير متأثرة بهذا النفط،
لكنها غير سائدة وما كان
لها ان تسود، أما تلك
التي أفلحت في تحقيق
السيادة وتمكنت من
الهيمنة، وأن ترفع
نموذجها الدال فإنها تلك
المتمثلة في ثقافة النفط
والموجهة إلى مجتمع
النفط، فإذا ما تأملت
الشريط المصور وجدت
الإخراج المهول والتصوير
الفخم والأحداث الخارقة
والقفلة التي تنوء لحملها
الجبال، أما إذا بحثت عن
معنى من المعاني
الإنسانية النبيلة أو
فتشت عن تسلسل معقول في
القصة فإنك تخرج بقبض
الريح، أما إذا تعرفت إلى
كتاب من الكتب فإنك تجد
الطباعة الفاخرة والورق
المصقول والتجليد الفخم
والإخراج منعدم النظير،
ناهيك عن حملات الدعاية
التي تبشر بهذا الإنتاج
الذى يأتيك من تلك
العوالم سواء كان بذات
اللغة أو ترجم إلى أى لغة
من اللغات الحية، بل ان
الدعاية ذاتها لا تقوم
بها وسائل الإعلام وإنما
يقوم بها في الغالب عدد
من الكتاب الذين تم
تجنيدهم بطريقة عجيبة
لهذه الثقافة الوافدة
التي تسحر الكثيرين بما
يشبه عصا موسى.
ان هذه الأقلام مسخرة
بطريقة عجيبة، وتسعى بكل
جهد ودون أى ملل أو ضيق
بإشاعة نوع من الكتابة
التي لا علاقة لها بحياة
الناس من حيث كونها معرفة
تحتاج إلى مساهمة الكتاب
بقدر ما هى وكما تصورها
هذه الكتابات المدجنة
تعود إلى مأساة الحظ الذى
يرفع من يشاء ويخفض من
يشاء، والذكاء الفردي
الذى يؤدى وحده إلى تجاوز
الفوارق أو يفلح في
بلوغها حسب الأحوال...
انها أقلام وعقول تعتمد
الاستبيانات وتقوم على
المعلومات الدقيقة التي
تقدم عن الناس كل شيء حتى
وهم يطلبون خدمة من
الخدمات أو يتلمسون مطلبا
من المطالب، فتراهم
يحصلون على المعلومات
التي قد تصل إلى آدم في
النسب والى مقاسات
الملابس الداخلية أيضا!!.
وقد كانت الثقافة الوطنية
وحتى وقت قريب ترفض بكل
الشدة مثل هذا الأسلوب
الامريكى المكارثي، وكان
المثقفون يدينون هذا
الأسلوب الأرعن وهذا
الفهم التجاري في إدارة
الثقافة، غير أن الأمر
فيما بعد وقد خرج عن
إرادة المثقفين أو ان
كثيرا من هؤلاء المثقفين
قد تم استيعابهم
واحتواؤهم .
ان تلك المواقف العظيمة
والوقفات الرافضة لم
تستطع ان تستمر طويلا،
فأكثر الذين تصدوا لمؤسسة
افرانكلين في الخمسينات
لم نلبث ان نلتقي بهم في
مؤسسات أخرى لا تقل ضراوة
عن افرانكلين وان تكن تحت
تصنيفات أخرى... وجميع
الذين كانوا يكتبون في
الطبعات الشعبية جرفتهم
المؤسسات الكبيرة ولم يعد
سوى من لا يتجاوزون أصابع
اليد الواحدة من لا
يزالون يراهنون على توفير
الكتاب وتوصيل الرأي
بأيسر الطرق واقل
التكاليف.
ان ظاهرة الورق المصقول
والتكاليف المبالغ فيها
هى السائدة هذه الأيام،
وحيثما يممت وجهك شرقا
ومغربا وجدت هذه الظاهرة
المحزنة، ظاهرة احتراف
الكتابة والخروج بالكتاب
وبالعمل الثقافي عموما من
وسيلة من وسائل الخطاب
إلى وسيلة من وسائل
الارتزاق والكسب الظاهر
للعيان، والحرص الظاهر
على تسخير الإنتاج الفكري
في تحقيق أكبر قدر ممكن
من الكسب .
لقد فعل الزمن فعلته فيما
يبدو وها نحن نشهد سيلا
جارفا من المجلدات الفخمة
التي تكلف طباعتها مئات
الدنانير أو لنقل
الدولارات وتؤدي الكميات
المضاعفة من طبعها
وتخزينها إلى ملايين
الدولارات التي لا تمنح
لمؤسسة عامة وإنما في
محاولة مكشوفة لتحقيق
الثراء غير المشروع لفريق
من الكتاب كان همهم الأول
والأخير التزام الموقف
المحايد نحو كل ما يجري
في الواقع بل وفى أحيان
كثيرة إلقاء التبعة على
الجماهير ووصفها بما هى
براء منه، وبالذات عندما
كان المثقفون الحقيقيون
يواجهون الوجود الأجنبي
ويقاومون شروط التخلف
وممارسات الفهم الرجعي،
وقد كان هذا الوضع مثار
اشمئزاز وموضع إدانة، إلا
إنه في السنوات الأخيرة
أمسى يتحول إلى نموذج
يحتذىَ وأسلوب يقتدى به .
ان المرء لابد ان يقف
مندهشا أمام هذا الارتفاع
المهول في سعر الكتاب
والذي يعزوه الكثيرون إلى
ارتفاع أسعار الورق، وهو
مبرر يمكن قبول بعضه،
لكنه في واقع الامر ليس
الأول والأخير، ذلك ان
الارتفاع الملاحظ يقتصر
على نوع معين من الكتب
وبالتحديد تلك المتمثلة
في معاجم اللغة أو مصنفات
التاريخ أو مختارات الشعر
أو التراجم بل ان الإصدار
بالذات يكاد ان يتوقف
أمام هذا النوع من الكتب،
وتعليل ذلك في الحقيقة ان
نفرا من الكتاب قد تحول
إلى ما يمكن وصفه
بالاحتراف، ولعله ان يكون
في هذا الصدد قد استمرأ
لعبة الوراقة التي عرفت
في بداية عصر التدوين
ولعل ما يشجعنا على القول
بهذا الرأي أكثر فأكثر
هذا التزايد المستمر في
دور النشر الفردية التي
تسير في هذا الاتجاه
وتشجع عليه من ناحية
وتلقي من الأنظمة العربية
على مختلف اتجاهاتها
وأهوائها الرعاية تلو
الرعاية .
لقد أوجد النفط قطاعاته
المختلفة المستفيدة منه
والمعولة عليه، وها هو
الامر يطال الثقافة أيضا،
ويتسلل على نحو خاص إلى
الساحات العربية التي
يفترض ان تكون قليلة
الحماس لهذا النوع من
الإصدار على الأقل .
غير ان الملاحظ بكل أسف
ان هذه الساحات غدت أكثر
احتفاء بهذا النوع من
الكتابة وأكثر إصرارا على
تكريس نموذجها وإعطائه كل
الفرص الثمينة بتسويده ،
وتلك بلا جدال سلبية من
سلبيات الممارسة، ودلالة
من الدلالات على بعد
المسافة بين التوجه العام
والتنفيذ اليومي، ونحن في
هذا الصدد لن نكون من ذلك
الصنف الذى يوزع
المسئولية ويلقي بها على
أقل المستويات ولكننا
نقول وبدون مواربة ان
توجيها محددا لابد ان يتم
ولابد ان يطال هذا النوع
من الكتابة، بحيث توزع
فرص الإنتاج على الجميع،
ويحال بينها وبين هذه
اللعبة المكشوفة الرامية
إلى استثمار الإمكانيات
المخصصة للكتاب في نوع
معين من الإنتاج هو إلى
الترف اقرب منه إلى
الثقافة الحقيقية، بل ان
مؤسسات النشر الرسمية
بالذات تعتبر الآن مطالبة
بالحيلولة دون استنزاف
الدخل العام في هذا النوع
من الكتب وذلك بمحاولة
طباعتها رأسا ودون الحاجة
إلى وسيط.
وربما يكون مهما في هذا
الصدد ان يشيد المرء
بتجربة الدار العربية
للكتاب التي أقدمت منذ
سنوات على طبع الذخيرة
وترتيب القاموس المحيط
وروائع الشعر العربى
بعيدا عن الاستثمار
الفردي البشع، وطلبات
الشراء التي لا علاقة لها
بواقع السوق والاحتياجات
الفعلية .
هناك إذن علاقة وثيقة بين
النفط والثقافة، وثمة اثر
واضح لهذه العلاقة وهو
اثر يفضي إلى السلبية
ويحد من الثقافة الحقيقية
ويوظف مختلف الإمكانيات
نحو انعدام الموقف
وانعدام الجدية، والسير
المستمر نحو الكسب وتشجيع
الاحتراف، وتحويل العمل
الثقافي إلى وسيلة من
وسائل الثراء وتحقيق
الكسب اللامشروع.
وهناك علامات دالة على
هذه الحقيقة المحزنة،
تظهر في نوعية الإنتاج
الثقافي وتظهر في ارتفاع
التكلفة وفى عمليات
الشراء الملفتة للنظر،
والتي كثيرا ما تتم على
حساب المؤسسات العامة
وعلى حساب الإمكانيات
المحدودة التي تواجه
بتقشف عجيب يندر وجوده
ويقل نظيره.
وتظل الثورة مطالبة بالحد
من هذه الأمور مطالبة
بالتدخل السريع لحماية
الثقافة الوطنية من تأثير
النفط وأخلاقيات النفط
ومشاريع النفط، تظل
الثورة مطالبة بذلك ولا
عذر لها في الحقيقة إزاء
كل تقاعس يتم أو تجاوز
يحصل، فالوقت للعمل ولا
شيء غير العمل.
|