|
مداخلة في كتابي الأستاذ
أمين مازن (( مسارب ))
تيسير بن موسى
أعتقد
ان بعضكم قد قرأ ما كتبته
في صحيفة العرب مؤخراً عن
مسارب أمين مازن بجزئيها
الأول والثاني . ولم أخفِ
فيما كتبته وقلته إعجابي
وتقديري بالنهج الذي
انتهجه أديبنا المتميز ،
ليسرد لنا سيرة حياته في
دوائر اتسعت وانْداحت
لتشمل سيرة الوطن الليبي
كله والمجتمع الليبي
بمعظم فئاته وتوجهاته
خلال ثلاثة عقود وهي
الأربعينيّات والخمسينّات
والستينيّات من القرن
الماضي . ولا شك أن هذه
العقود الثلاثة تحتل في
تاريخ ليبيا الحديث مكانة
خاصة ، إذ بدأت تتشكل
فيها ملامح المجتمع
الوطني الليبي وتُبنى
القواعد السياسية
والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية ، وأيضاً
الفنية والرياضية . وأخذ
الليبيون فيها يصنعون
بأيديهم مؤسساتهم ويضعون
اللبنات الأولى لقواعد
مجتمعهم الجديد الحديث
بعد قرون كثيرة من تغيب
العنصر الليبي ومنعه من
المساهمة في صنع حياته
ومقدراته بنفسه وبيديه .
وفي يقيني بأن الليبيين
كانت بين أيديهم فرصة
ذهبية ثمينة لبناء مجتمع
مقام على قواعد صحيحة
سليمة سياسياً وثقافياً
واقتصادياً ، لو أن حكام
العهد الملكي ومسؤوليه
كانوا على درجة من النضج
والإخلاص وذلك لأسباب
موضوعية وذاتية كثيرة
أهمها أن المجتمع الليبي
صغير في عدده والأهم بأنه
لم يكن لديه تجارب سابقة
ضاربة جذورهـا في أعماق
حياته السياسية
والاقتصادية والثقافية ((
كمصر مثلاً ))يصعب
اقتلاعها او تغيير
ملامحها او تحويل
توجهاتها وكان من الممكن
لأولئك الحكام الوصول الى
بناء مجتمع جديد صحّي
مُعافى ـ لو انتهجوا بحزم
سياسـة فيها كثير من
الفطنة والذكاء مع الصبر
وطول النفس . ولكن حكام
العهد الملكي _ كما أوضح
الأستاذ مازن _ لم يكونوا
سوى تلاميذ نجباء لأساتذة
مدارس الحكم الاستبدادي
في وطننا العربي بمشرقه
ومغربه وبقديمه وحديثه ،
آخذين نفس مناهج أولئك
الأساتذة في التحكم
والتسلط وكبت الحرية
وتغييب الجماهير ، وأيضاً
تجذير القبلية والجهوية
والشللية _ مع إبعاد
المثقف المحاسب المعارض
والناصح _ وتقريب الجاهل
المساير الموافق والمنافق
ولا زال مجتمعنا يعاني من
رواسب جميع ذلك حتى يومنا
هذا . وأمين مازن الذي
عاش هذه السنوات بعقل
متفتح وعيون مفتوحة منذ
ان استقّر به المقام وهو
فتى غضّ الاهاب في مدينة
طرابلس ، قد رصد لنا هذه
التحولات وتلك الممارسات
التي جاءت في جزئين من
المســارب ، في ذلك النسق
الفني الروائي المشوق ،
ولست هاهنا أنوي ارتداء
جلباب الرياء وأقول بأن
الأستاذ مازن وصـــل الى
حـــد الكمال فيمـــا كتب
وفيمـا دوّن ورصد وفق
قاعدة (( بعد هكّي ما فيش
)) بل ويسمح لي أخي
وصديقي العزيز أمين أن
أقول بأنني كنتُ أتوقع في
تلك المسارب طرحاً أكثر
عمقاً ووضوحاً وصراحة
لجميع المشكلات والقضايا
التي ناقشها وتحدث عنها ،
واختصاراً للأمر فإنني
سأحمل عدداً من الملاحظات
التي برزت أمامي بعد
قراءاتي للجزء الأول
والجزء الثاني من المسارب
.
أولاً : يبدو أن الأستاذ
مازن قد شعر بالهيبة وهو
يُشرع قلمه ليتحدث عن
مرحلة تاريخية مهمة لم
يتعرض لها في حدود علمي _
أحد قبله بذلك الشمول
والعرض والتقويم خصوصـاً
وان كثيرين ممن
عايشوهـــا لا زالوا
بيننا ، لذلك نراه في
العديد من المواضيع
والقضايا التي أثارها
يعمد الى الإيجاز والمرور
السريع ، وأحيانا الى
الرمز والإشارة في عرض
القضية أو إبداء رأيه
فيها ، بل نراه يعمد
أحياناً الى القفز على
بعضها وتخطيها ، دفعاً _
كما بدا لي _ لأي إحراج
او إثارة عواصف جدلية مع
الآخرين الذين قد لا يرون
رأيه . وهذا في تقديري
تحوط من أخي أمين في غير
محلّه ذلك أنه بتصّديه
لكتابه تاريخ هذه الفترة
التي عجبت بالأحداث
وامتلأت بها ، قد وضع
نفسه مختاراً في محراب
الأمانة التاريخية
المقدسة التي يتوجب عليه
مراعاة كل شروطها
ومتطلباتها ، خصوصاً وقد
عرفته مساحتنا الثقافية
الليبية . قلماً صريحاً
جريئاً له حضوره ووزنه
المتميز في هذه الساحة .
ومن ناحية أخرى فإن
إثـــارة العواصف الجدلية
وتعدد المناقشات
والمساجلات التي _ كما
أعتقد حاول أخي أمين
تجنبها والابتعاد عنها ،
وهي في تقديري مهمة
وضرورية وهي ظاهرة صحية
وذلك لأنها تزيد في إنارة
الطرق وتوضح الرؤية
وتُقّرب من الحقيقة التي
يتوق إليها كل محب لهذا
البلد ولتاريخه .
ثانياً : في تصوري أن
السيرة الذاتية تختلف عن
المذكرات الشخصية في أوجه
عديدة ، فالسيرة مثلا
يكون فضاؤها الخارجي أرحب
، ومساحتها أوسع ، وأفقها
أكثر امتداداً وبُعداً
يتضاءل فيها الحديث عن
القضايا الشخصية الجزئية
الى حدودها الدنيا لتحل
محلها قضايا موضوعية أشمل
وأعم ، بينما المذكرات
الشخصية تتمحور بصفة
رئيسية في حيـــاة كاتبها
الشخصية وأمين مازن كـان
كاتباً للسيرة ، وهو
بالفعل نجح الى حدٍ معقول
في توسيع دوائر هـذه
السيرة لتشمل _ كما قلتُ
_ سيرة الوطن بأكمله ،
لكنه وبخاصة في الجزء
الأول من المسـارب استفاض
في الحديث عن عدد من
القضايا ، هي من وجهة
نظري موغلة في الخاصية
ولا تقدم جديداً او أن
يكون لها أثرها على الأرض
. واستدرك هنا لأقول بأن
هذه الملاحظة وجهة نظري
الخاصة ، إذ قد تكون
لكاتب السيرة رأيه
وقناعته ودوافعه لِما ذكر
ولِما سرد .
ثالثاً : لم استطع تبرير
إقدام الأستاذ مازن على
الاكتفاء بذكر الاسم
الأول فقط لمعظم الشخصيات
التي شملتهم السيرة ،
وإحجامه عن إيراد الأسماء
بتمامها وكمالها ،
فالأستاذ خليفة التليسي
هو : خليفة ، والأستاذ
عبد اللطيف الشويرف هو :
عبد اللطيف ، والأستاذ
يوسف الشريف هو : يوسف
وهكذا . . . وإذا كان من
عاش تلك السنوات قادرا
على معرفة هؤلاء فإن شباب
اليوم والغد سيجدون
أنفسهم حين يطالعون أجزاء
المسارب في حومة من
الألغاز والأحاجي وستبقى
هذه الأسماء لهم مجرد
إشارات لأشخاص لا معنى
لها فاقدة لحيويتها
وفعاليتها مع أنها تعتبر
من الشخصيات الاجتماعية
التي كانت لها بصماتها
المميزة في المجتمع وذات
تأثير وحضور عميقين فيه
بدون أن يكون لها ذكر في
وثائق أرشيفية محفوظة
بعكس الشخصيات التي تسلمت
مهام سياسية او وظيفية
سامية وصدر بأسمائها
قرارات ومراسيم حكومية
وثائقية . وإن عدم توضيح
المؤلف لأسماء هؤلاء
الرجال هو ولا شك إجحاف
بهم وبالأدوار التي
أدّوها في مجتمعهم ، وكان
لها أثرها الطيب والذكر
الحسن .
وبعد . . فــــإنني أكتفي
بهذه الملاحظات الثلاثة
التي كما ترون كانت
ملاحظات لم تغــــادر
الشكل الى حدٍ كبير ولم
تصل الى عمق المضمون
والمنهجيـــة لجزئي مسارب
. وأعود وأقول في الختام
إن مسارب أمين مازن تعتبر
خطوة رائدة وجريئة لهذا
الكاتب المتمكن ، وتسجل
له كنقاط مضيئة في تاريخه
الأدبي والثقافي والوطني
الطويل والحافل وحبذا لو
حذا حذوه عدد آخر من
كتابنا الأجلاء الذين
عاشوا تلك السنوات
وأبانوا _ هم الآخرون _
وجهات نظرهم وانطباعاتهم
بكل حرية وجرئه خدمة
لتاريخ هذا البلد الكريم
المجاهد .
|