|
كمال ابوزيد و بوح الصمت
لم
تكن صفة الصمت التي
اختارها الفنان كمال
ابوزيد عنوانا لمعرضه
الذي اقيم اخيرا بفضاء
المدينة القديمة ( طرابلس
) مجرد عبارة اطلقت كيفما
اتفق ، بقدر ما كان
تجسيدا صادقا و بليغا
لذلك الموقف الذي لا
يعقله الا العاقلون من
الناس و لا يتخذه سوى
الشجعان منهم ، منذ ان
حفظ التاريخ لذلك الانسان
الذي قال كلمته الخالدة
في حضرة احد الملوك
العظام في معرض اجابته
على سؤاله عن سبب سكوته،
و الاخرون فيما يبدو ،
يكثرون الكلام فلم يزد
كلمته واحدة ( الصمت ابلغ
من جلالة الامبراطور ) و
كذلك فعل احد الشعراء غير
المشهورين حين قال "
بلاغة الصمت نطق في
حناجرنا " و الامثلة في
هذا الصدد اكثر من ان
تحصى حول ضرورة الصمت حين
لا تتوفر شروط الكلام
لقول ما يجب ان يقال ، او
تتوالى الغريات و المطامع
التي تدفع الى قول ما لا
يجب ان يقال ، اذ لو كان
القول من قبيل التقية
لهان الامر ، و لكن حين
يكون القول من اجل الظفر
بمغنم من المغانم فعندئذ
يكون للصمت نطقه ، و
للصورة بالطبع بوحها
الاقوى و تعبيرها الابلغ
و حكمتها التي ( لا
يلقاها الا الذين صبروا )
فهذه الصورة التي يفلح في
احيان نادرة ، عدد نادر
من الناس في النظر إليها
من زاوية لا يلتفت إليها
غيرهم و من ثم التقاطها ،
تملك من شحنات الايحاء و
عوامل الاحياء لدى
المتلقي الواعي و المشاهد
المتبصر ، تضع من ينظر
إليها و بالاحرى ترفعه
الى عوالم من التذوق
الدال على ما تحمله
اللوحة من كل ما يستعصي
على التعبير و يعجز عنه
الوصف ، فلا يبقى بعد ذلك
سوى اللجوء الى بوح الصمت
.
لقد كنت و انا اشاهد
لوحات كمال ضمن عدد غير
قليل من الذين لم تنتصر
عليهم رداءة الجو فتحول
دون حضور هذا المعرض ،
استعيد رحلة طويلة قام
بها العم أبوزيد الذي
انفرد بهذا الاسم وحده و
كان من اكثر الناس برّاً
بالوالدة الكبيرة التي
اقعدها المرض و طول العمر
و قد خاض تلك الرحلة
الطويلة في دنيا الغربة
في مدن وعوالم كثيرة ،
ليس خارجها المدينة
القديمة حيث يقيم كمال
معرضه اليوم ، و قد حل
قبله الوالد و هو يحترف
صناعة الجلد ، عندما شاءت
الاقدار ان ينجب اطفاله
من اكثر من زوج حين كان
الموت متربصا به في اكثر
من زيجة و تكون اخر
غرباته في الخمس ، عندما
انجب كمال و قد حل بها
يومئذ في غربة من نوع خاص
، و تفلح هذه التجربة و
ذلك الجو الاسري
الحميميين في تفجير هذه
الملكة الفنية و تأتي
الخلاصة متمثلة في هذا
المعرض المعبر بدراية
واضحة و جهد ملموس في صون
الذاكرة و تعانق الاجيال
و هكذا تكون اللقطات التي
تتخذ من نظرة الشاعر عبد
الوهاب قرينقو و
الاجتماعي النادر علي عبد
العاطي ، الى جانب الحاج
عبداللطيف العربي في
مرحلة من مراحل عمره و
الحاجة ضاوية التي تحيل
بجلسة الشاي الى عوالم من
السعادة لا يستشعرها سوى
من عرف تلك الربوع
الجميلة فيما تكون
اللقطات المتصلة بمزج
الماء الضوء و استثمار
الماء و حركة الطيور و
مظاهر الطبيعة و القفات
الصغيرة التي أعدت للتمر
الموزع مع الحليب لون اخر
من الفن القادر بحق على
هزيمة الزمن و حفظ
الذاكرة و الدليل القاطع
بأن التعبير ببوح الصمت
ليس كلاما يقال بلا هدف و
انما هو الهدف بكل ما في
الكلمة من المعاني .
|