عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 
 

 

كمال ابوزيد و بوح الصمت

 

لم تكن صفة الصمت التي اختارها الفنان كمال ابوزيد عنوانا لمعرضه الذي اقيم اخيرا بفضاء المدينة القديمة ( طرابلس ) مجرد عبارة اطلقت كيفما اتفق ، بقدر ما كان تجسيدا صادقا و بليغا لذلك الموقف الذي لا يعقله الا العاقلون من الناس و لا يتخذه سوى الشجعان منهم ، منذ ان حفظ التاريخ لذلك الانسان الذي قال كلمته الخالدة في حضرة احد الملوك العظام في معرض اجابته على سؤاله عن سبب سكوته، و الاخرون فيما يبدو ، يكثرون الكلام فلم يزد كلمته واحدة ( الصمت ابلغ من جلالة الامبراطور ) و كذلك فعل احد الشعراء غير المشهورين حين قال " بلاغة الصمت نطق في حناجرنا " و الامثلة في هذا الصدد اكثر من ان تحصى حول ضرورة الصمت حين لا تتوفر شروط الكلام لقول ما يجب ان يقال ، او تتوالى الغريات و المطامع التي تدفع الى قول ما لا يجب ان يقال ، اذ لو كان القول من قبيل التقية لهان الامر ، و لكن حين يكون القول من اجل الظفر بمغنم من المغانم فعندئذ يكون للصمت نطقه ، و للصورة بالطبع بوحها الاقوى و تعبيرها الابلغ و حكمتها التي ( لا يلقاها الا الذين صبروا ) فهذه الصورة التي يفلح في احيان نادرة ، عدد نادر من الناس في النظر إليها من زاوية لا يلتفت إليها غيرهم و من ثم التقاطها ، تملك من شحنات الايحاء و عوامل الاحياء لدى المتلقي الواعي و المشاهد المتبصر ، تضع من ينظر إليها و بالاحرى ترفعه الى عوالم من التذوق الدال على ما تحمله اللوحة من كل ما يستعصي على التعبير و يعجز عنه الوصف ، فلا يبقى بعد ذلك سوى اللجوء الى بوح الصمت .
لقد كنت و انا اشاهد لوحات كمال ضمن عدد غير قليل من الذين لم تنتصر عليهم رداءة الجو فتحول دون حضور هذا المعرض ، استعيد رحلة طويلة قام بها العم أبوزيد الذي انفرد بهذا الاسم وحده و كان من اكثر الناس برّاً بالوالدة الكبيرة التي اقعدها المرض و طول العمر و قد خاض تلك الرحلة الطويلة في دنيا الغربة في مدن وعوالم كثيرة ، ليس خارجها المدينة القديمة حيث يقيم كمال معرضه اليوم ، و قد حل قبله الوالد و هو يحترف صناعة الجلد ، عندما شاءت الاقدار ان ينجب اطفاله من اكثر من زوج حين كان الموت متربصا به في اكثر من زيجة و تكون اخر غرباته في الخمس ، عندما انجب كمال و قد حل بها يومئذ في غربة من نوع خاص ، و تفلح هذه التجربة و ذلك الجو الاسري الحميميين في تفجير هذه الملكة الفنية و تأتي الخلاصة متمثلة في هذا المعرض المعبر بدراية واضحة و جهد ملموس في صون الذاكرة و تعانق الاجيال و هكذا تكون اللقطات التي تتخذ من نظرة الشاعر عبد الوهاب قرينقو و الاجتماعي النادر علي عبد العاطي ، الى جانب الحاج عبداللطيف العربي في مرحلة من مراحل عمره و الحاجة ضاوية التي تحيل بجلسة الشاي الى عوالم من السعادة لا يستشعرها سوى من عرف تلك الربوع الجميلة فيما تكون اللقطات المتصلة بمزج الماء الضوء و استثمار الماء و حركة الطيور و مظاهر الطبيعة و القفات الصغيرة التي أعدت للتمر الموزع مع الحليب لون اخر من الفن القادر بحق على هزيمة الزمن و حفظ الذاكرة و الدليل القاطع بأن التعبير ببوح الصمت ليس كلاما يقال بلا هدف و انما هو الهدف بكل ما في الكلمة من المعاني .
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية