|
يوم 24 ــ 12 ذلك الاستقلال
حتمت التحولات الجذرية التي طالت
الواقع الليبي قبل أربعين سنة مضت، متمثلة في فجر الفاتح من
سبتمبر 69 وما نتج عنها بشكل متسارع من تغيير في السياسة
والاقتصاد
والاجتماع.
أن يكون الرابع والعشرون من ديسمبر 24ـ12 يأتي ويذهب في كل
سنة، دون أن يشعر به أحد، وذلك بعد أن كان وعلى مدى ثماني عشرة
سنة كاملة ومنذ 24ـ12ـ51 ملء السمع والبصر، به تقام الاحتفالات
وتعطل الدوائر ويعلن العديد من القرارات التي كثيرا ما مست
شؤون الحياة والناس.
فهو اليوم الذي تم فيه الإعلان عن ليبيا المستقلة التي وصفت
إعلاميا بالدولة العربية الثامنة التي انضمت إلى المجتمع
الدولي عبر الأسرة العربية.
إنه الاستقلال الذي أمكن تحققه كثمرة من ثمرات الآباء والأجداد
وبمقتضى إرادة دولية جسدها قرار الأمم المتحدة في الحادي
والعشرين من نوفمبر 1949 بحق ليبيا في الاستقلال في موعد أقصاه
مطلع سنة 52، فكان من الضروري أن يتم الإعلان عن الاستقلال
المشار إليه قبل مختتم تلك السنة .. وفي نهاية الأسبوع الثالث
من ذلك الشهر الأخير من سنة 51 وذلك بعد أن فرغت الجمعية
التأسيسية من وضع الدستور وشكل العلم ونظام الحكم الذي رؤي أن
يكون ملكيا اتحاديا، على خلفية أن لكل إقليم من الأقاليم
الأساسية طرابلس، برقة، فزان، أوضاعها الخاصة ومواقفها
المختلفة من مسألة المصير والقوى الدولية التي ربحت الحرب
والزعامات التي ارتبطت بها، كما تذكر تلك الوثائق التي أرَّخت
لذلك الزمان، بل والتي تابعت المسألة الليبية منذ انسحاب تركيا
لصالح إيطاليا في بداية القرن الماضي، وتحرك القوى الوطنية على
أكثر من صعيد وبأكثر من وسيلة ، إن تكن البندقية أقواها فإن
المفاوضات ومشاريع الاتفاقيات ومبدأ المبايعة لم تكن خارجها،
بمعنى أن كل الخيارات التي برزت عشية استعداد الليبيين وقبل
ذلك سعيهم لنيل استقلالهم عقب الحرب العالمية الثانية هي ذاتها
التي كانت موجودة عقب الحرب العالمية الأولى وطوال عشرينيات
القرن الماضي، كما أن معظم المناورات كانت موجودة والمطامع
الأقليمية هي الأخرى ليست غائبة وقد مثل ذلك السعي الرامي
لاحتواء الكيان الوليد واعتبار الكثير من السياسات المتطلعة
لامتلاك الإرادة أو مراعاة الظروف والرغبات في عدم التفريط في
الحق والتساهل في المطالب .. فالهجوم دائماً أحسن الوسائل
للدفاع وإن يكن ليس أقدرها على البقاء.
وإذا كانت الوقائع المحفوظة والوثائق الموجودة والشهادات
المتتالية تؤكد في مجملها أن الاستقلال الذي أعلن في ذلك اليوم
24ــ12 لم يكن في مستوى البرنامج المطروح من قبل القوى الوطنية
التي كان لها إسهامها القوي في معارك الجهاد وفي العمل الوطني
أيضا ابتداء، من النظام الاتحادي ومرورا بالمعاهدات غير
المتكافئة إلى آخر ما كان غير متفق مع حجم التضحيات. فإن تدشين
العهد لمسؤولياته بالتدخل في الانتخابات ولأسباب شخصية بالدرجة
الأولى "حيث لا توجد قوى سياسية متطرفة" وإبعاد أقوى شركاء
العمل الوطني من البلاد مثل السيد بشير السعداوي والأستاذ أحمد
زارم إلى جانب تجميد آخرين من أمثال الأستاذ مصطفى بن عامر
وعدم القبول بحكم المحكمة العليا في أول خلاف دستوري يعتبر أول
ما تكفل بتجريد الكيان الوليد من محتواه، الأمر الذي أخذ في
التوالي حتى كانت النهاية الخاطفة التي أجهزت على العهد في
لحظة واحدة، ومن ثم خروج الرابع والعشرين من ديسمبر من كل
وسائل إعلامنا طوال الأربعين سنة الماضية، ولكن الذي لا شك فيه
أن دوائر المعارف العالمية والمعاجم التي تدوّن لكل أيام السنة
تذكر أن هذا اليوم قد شهد مولد ليبيا الحديثة، الدولة التي
شرعت في تأسيس الكثير من مؤسساتها وتبني العديد من كوادرها في
ظروف لم تكن في أحيان كثيرة خالية من المصاعب، ومن بين ما أسست
جيشاً وطنياً وكلية تخرج ضباطا بدلا من الدول الشقيقة والصديقة
.. فوجد بالتالي الفضاء الذي أتاح لثوار الفاتح من سبتمبر أن
ينظموا صفوفهم ويشكلوا خلاياهم ويحققوا ما حققوا في ذلك اليوم.
ويزيحوا ما أزاحوا يوم 24ـ12ـ51 لضرورات واستحقاقات قدروها أما
وأن أكثر من خمسة وستين في المائة من سكان ليبيا اليوم لا
يعرفون ذلك اليوم بل ولا العهد الذي جاء بعده، فلم يعد يضير
أحدا أن يعود ذلك اليوم إلى الذاكرة من جديد ويدرس ما نتج عنه
وما سبق وما لحق فالزمن باق ونحن الذين نعيش فيه ــ على أي
مستوى ــ متغيرون.
|