|
رأي حول فحوى المقابلة
التي أجريت مع المستشار/
مصطفى عبد الجليل
أمين اللجنة الشعبية
العامة للعدل
قرأت بشغف المقابلة التي
أجراها الصحفي فيصل
الهمالي مع المستشار
مصطفى عبد الجليل
أمين
اللجنة الشعبية العامة
للعدل، والمنشورة في
صحيفة أويا، بتاريخ 3/11
/2009 العدد 678. وهي
مقابلة اتسمت بالصراحة و
الشفافية، مما مكننا
اليوم من تقديم وجهة نظر
مغايرة في بعض ما تناولته
من آراء.
ورغم إتفاقي مع بعض
النقاط التي أثارها سيادة
المستشار، إلا أنني أختلف
مع بعضها الآخر. وإن كانت
وجهة نظري لن تتجاوز إلى
إبداء الرأي حول بعض
المسائل التنفيذية
الإدارية التي هي من صميم
عمل العاملين بالأمانة
والقائمين عليها وهم أدرى
بشؤونها وأكثر قدرة على
التعامل معها، إذ هم من
يعيش في خضمها ويعمل
جاهداً على تطوير هذا
القطاع وتحسينه، إلا أنني
سأتوقف عند نقطتين
قانونيتين إجرائيتين
أثارتها الأسئلة المطروحة
في المقابلة وردود
المستشار عبد الجليل
عليها، وهما: 1. مسالة
إختصاص النيابة العامة
بإعتبارها سلطة تحقيق
واتهام.
2. مسألة الحبس الإحتياطي
في قانون الإجراءات
الجنائية الليبي.
وهما مسألتان جوهريتان إذ
تتعلقان بحقوق الافراد،
وتمس اهم حق من حقوقهم
ألا وهو الحق في الحرية "
متى استعبدتم الناس وقد
خلقتهم امهاتهم أحرارا".
مسألتان لو لم تلقيا
العناية الكافية والأرضية
الصلبة، فإن ميزان
العدالة المتمثل في
التوازن ما بين الحفاظ
على الحق العام او حقوق
المجتمع وامنه وسلامته من
جهة، وما بين حقوق الفرد
وضماناتها من جهة أخرى،
سيختل لامحالة وبالتالي
يقع الظلم.. والظلم لا
يرتضيه الإنسان ولا يرضاه
الله لعبده وهو الذي قال
سبحانه وتعالى " وما ربك
بظلام للعبيد".
تمهيد:
صدر قانون الإجراءات
الجنائية الليبي في
بتاريخ 28. 11. 1953
بموجب مرسوم بقانون نشر
بالجريدة الرسمية بالعدد
الخاص لسنة 1954، وطرأت
على هذا القانون تعديلات
محدودة منذ صدوره، لعل
أهمها القانون رقم 3
لســــنة 1371(2003)
بتعديل بعض أحكام قانون
الإجراءات الجنائية. لذا
فإنه يمكن القول ان هذا
القانون ظل على ما هو
عليه تقريبا منذ أكثر من
نصف قرن، إلا انه لا يخفى
على أحد أن قوانين أخرى
ذات علاقة بقواعد
الإجراءات الجنائية صدرت
لاحقة عليه طالت القواعد
العامة لقانون الإجراءات
الجنائية، كقانون الأحداث
المشردين لعام 1955،
والقانون رقم 7 لسنة 1990
بشأن مكافحة المخدرات
والمؤثرات العقلية، أو
تلك التي أنشأت بموجبها
محاكم خاصة " كمحكمة
الشعب" سابقاً أو متخصصة
"كمحكمة أمن الدولة"
حالياً. الأمر الذي
يجعلنا نضطر عند الحديث
عن اختصاصات النيابة
العامة أن لا نتوقف عند
قانون الإجراءات الجنائية
الذي ظل جامداً خارج أطار
الزمن الذي نعيش فيه بكل
المقاييس، بل أيضاً
يدفعنا هذا للحديث عن
إجراءات وإختصاصات أخرى
يعرفها القانون الليبي
خارج الإطار التقليدي
الذي لازال سائداً في
قانون الإجراءات الجنائية
الليبي. ونحن سننطلق من
واقعة أن ردود الأستاذ
المستشار تخص قانون
الإجراءات الجنائية
الليبي التقليدي الساري
حتى يومنا هذا الصادر في
عام 1953، ولن نعرج على
غيره من القوانين إلا بما
تسمح به حدود هذا الرأي.
إختصاص النيابة العامة
بإعتبارها سلطة تحقيق
وإتهام:
أشار السيد المستشار في
المقابلة إلى ان " سلطة
التحقيق والإتهام اختصاص
أصيل للنيابة العامة" وأن
هذا الإختصاص "ورد في
قانون الإجراءات الجنائية
الذي تم وضعه في
الخمسينيات من القرن
الماضي والذي استمد من
القوانين الوضعية لبعض
الدول المجاورة خصوصاً
جمهورية مصر العربية
والقانون الجنائي
الإيطالي وغيرهما من
الدول التي تعتبر سلطة
الإتهام والتحقيق من
إختصاص النيابة العامة في
نفس الوقت"، كما تابع
قائلاً، " بأنني أعتقد أن
الفصل أو أخذ أي من هاتين
السلطتين من النيابة
العامة هو غل ليدها لأن
النيابة العامة عندما
تتوفر لديها سلطة التحقيق
تستطيع من خلالها القبض
على كل الأدلة التي
تمكنها من توجيه الإتهام
إلى الجاني"
وخلص سيادة المستشار إلى
" أعتقد جازماً بأن
السلطتين (التحقيق
والإتهام) مرتبطتان
أرتباطاً لا يقبل
التجزئة".
وللرد على ذلك نقول بما
يلي:
أن قانون الإجراءات
الجنائية ليس مقدساً، بل
هو قانون وضعي أستمد
أحكامه من قوانين أجنبية،
وهو وليد نصف قرن مضى،
بكل الظروف والأحوال
والأوضاع التي كانت قائمة
ولم تعد موجودة في بيئة
ومناخ اليوم، وانه من
الإجحاف والحيف الدفاع عن
هذا القانون أو الأستمرار
في تطبيقه في زمن غير
زمنه، زمن العولمة
والمعلوماتية، وحقوق
الإنسان والمواثيق
والقوانين الوطنية ذات
العلاقة (الوثيقة
الخضراء، قانون تعزيز
الحرية)، والاتفاقيات
الدولية ذات العلاقة
بحقوق الإنسان التي بدأت
ليبيا في الإنضمام اليها
في عام 1970، ثم توالى
إنضمامها إلى اتفاقيات
أخرى في عام 1989، وهو
أيضاً زمن الإرهاب وغسل
الأموال والمخدرات و
الجريمة المنظمة عبر
الحدود الوطنية، الأمر
الذي لا يمكن معه منطقياً
اللجوء إلى نصوص مضى
عليها كل هذا الزمن
فتحجرت وتخلفت عن ركب
التطور والتغيير. أن
القوانين خاصة ذات
العلاقة بالحقوق لكي تكون
ذات جدوى يجب ان تعكس
بيئتها فإن تخلفت، تحولت
إلى أداة أعاقة بدلاً من
أن تكون أداة تنظيم.
وفي حين ان القوانين التي
استمد منها قانون
الإجراءات الجنائية
الليبي نصوصه وعلى سبيل
الحصر قانون الإجراءات
الجنائية الإيطالي وقانون
الإجراءات الجنائية
الفرنسي، قد تطورا
ولحقهما تغييرات وتعديلات
جوهرية واكبت مجتمعاتهما
وتأثرت بلا منازع ليس
بدساتيرها و بالاتفاقيات
الدولية والاقليمية التي
أنضمت اليها، ولا بأحكام
المحكمة الأوربية لحقوق
الإنسان فحسب، بل
بالأنظمة الجنائية
المقارنة كالنظام
الأنجلوسكسوني ذو الطابع
الاتهامي، ولعل في إدخال
نظام المحلفين على سبيل
المثال في إجراءات
المحاكمة في فرنسا خير
دليل على ذلك.
لذا فإن قانون الإجراءات
الجنائية الإيطالي، على
عكس قانون الإجراءات
الجنائية الليبي الذي
تشبه به في زمن من
الازمنة، فصل منذ عام
1978 بين سلطتي التحقيق
والإتهام، ولم تعد في يد
النيابة العامة، إلا أنها
وأن تراجعت عن ذلك هذا
العام وألغت وظيفة قاضي
التحقيق، فإن هذا لم يكن
بهدف جمع السلطتين بل
تأثراً بالنظام
الأنجلوساكسوني (النظام
الأتهامي) وجعلت من
النيابة ذات أستقلالية
بما يعطيها الحق في توجيه
الأتهام أو عدمه، و تعمل
تحت قاضي مراقبة التحقيق،
كما أعطت للدفاع عن
المتهم الحرية والحق في
إجراء تحقيق موازي.
ومازال قانون الإجراءات
الجنائية الفرنسي الذي
نحى ذات المنحى في وقت
أسبق بالفصل بين سلطتي
التحقيق والإتهام، يتبنى
هذا الفصل، وجعل اختصاص
قاضي التحقيق ينعقد إما
بطلب من النيابة العامة
أومن المجني عليه.
إن المنطق يستدعي أن تقف
النيابة العامة والمشتبه
فيه أمام قاضي التحقيق
متساويان (رغم أن
المساواة هنا نسبية
والمقصود بها المساواة
القانونية لا المادية)،
أعتماداً على مبدأ راسخ
من مبادئ حقوق الإنسان
ألا وهو المساواة في
الأسلحة equality of
arms، أي أن لا يكون
للنيابة العامة سلاحاً
افضل أو اقوى من ذلك
الممنوح للمتهم، والتعبير
هنا مجازي وليس المفضل من
وجهة نظري، فتكون الغلبة
حتمية ومعروفة مسبقاً قبل
أن يبدأ السجال القضائي
بين موقف بإثبات البراءة
وآخر بإثبات الإدانة.
أن السلطة حتى وأن كانت
قضائية أو قانونية يجب أن
يحددها القانون، أما
الركون إلى شخصية وكيل
النيابة أو الإعتماد على
تقديراته وأهوائه، وهو
إنسان بغض النظر عن
وظيفته أو مكانته، بل
وعلمه وقدراته، لا يمكن
أن يمنح صلاحيات متضاربة
ذات اهداف مختلفة، فيكون
هو المحقق وهو ذاته من
يجمع الأدلة ضد من يحقق
معه في آن واحد أي أن
إجراءات التحقيق قد تكون
بهدف أتهامي، وهو الذي
يقف المشتبه فيه أمامه في
أدنى درجات ضعفه بينما في
يد من يحقق معه سلطة حبسه
أحتياطياً، وقد يكون
أتجاه التحقيق لدى
النيابة بهدف إثبات
الواقعة لا تحري الحقيقة
بشأنها. فكيف تتوفر
أشتراطات العدالة
والنيابة العامة تجمع بين
سلطتين مختلفتين وقد
تكونا متناقضتين. لا
يفوتنا القول ان في فصل
سلطتي التحقيق والإتهام
وغل يد النيابة العامة عن
التحقيق يوفر في حد ذاته
مناخاً للإختلاف وتباين
وجهات النظر وبما يعطي
للملف الجنائي حقه في
التمحيص والعناية وهي
اشتراطات لتحقيق العدالة.
إن قانون الإجراءات
الجنائية الليبي عرف وما
يزال سلطات لقاضي التحقيق
أستناداً للباب الثالث /
الفصل الأول ونصوص أخرى (
مثلاً المادة 51 و المادة
112 إجراءات جنائية)، إلا
أن القانون ذاته أعطى
للنيابة العامة ذات
الإختصاص بموجب المادة
(51 / إجراءات جنائية) ،
وهو النص "الثغرة" الذي
تمكنت بموجبه النيابة
العامة من الجمع بين
السلطتين. كما أنه جدير
بالقول ان النظام القضائي
الليبي عرف قضاة للتحقيق
في عدة ملفات شائكة،
الأمر الذي يعني ان
الملفات ذات الطابع
الجنائي العام تستوجب
قضاة للتحقيق، الأمر الذي
ينسحب على بقية الملفات
الجنائية اياً كان محورها
طالما هو الإنسان.
عليه، فإنه من المتعين
الفصل بين سلطتي التحقيق
والإتهام ضماناً للعدالة
وصوناً لها وتحقيقاً
للتوازن بين حقوق الافراد
ومصلحة المجتمع، ولنا
الأستعانة بتجارب الدول
الأخرى بالخصوص.
أما فيما يتعلق بالحبس
الإحتياطي، ودون أسترسال
في هذه المسألة التي لاقت
من البحث والتوصيات
بتعديل النصوص ذات
العلاقة بها الكثير، كما
لحقها خيبة الأمل عقب
صدور القانون رقم 3 لسنة
2003 الخاص بتعديل بعض
نصوص الحبس الإحتياطي
الذي لم يأت بجديد يذكر،
أو التراجع الذي طرأ
بالخروج عن القواعد
العامة في نصوص الحبس
الإحتياطي بموجب القانون
رقم 7 لسنة 1997 بشأن
تعديل قانون محكمة الشعب
رقم 5 لسنة 1988 والقانون
رقم 7 لسنة 2005 بإلغاء
محكمة الشعب مع الإبقاء
على اختصاصها ، بإطلاق يد
مكتب الإدعاء الشعبي
سابقاً ونيابة أمن الدولة
اليوم في الحبس أحتياطياً
لمدة تصل إلى 45 يوماً
وهي التي تجمع بين سلطات
التحقيق والإتهام، فإننا
سنوجز النقاط التالية
رداً على ما ذكره الأستاذ
المستشار عبد الجليل.
إن الحبس الإحتياطي هو
أخطر إجراء من إجراءات
التحقيق لأنه يمس الحرية
ويقيدها، وهو مناقض لمبدأ
أساسي وأصيل في الإنسان
ألا وهو أن الأصل في
الإنسان البراءة، ولا
يمكن ترك الأمر به في يد
النيابة العامة، اعتماداً
على سلطتها التقديرية حتى
وأن كانت في حدود
القانون.
عدم توفر بدائل للحبس
الإحتياطي، رغم التطور
التكنولوجي بالخصوص،
ووجود نظم بديلة معمول
بها في دول أخرى ثبتت
نجاعتها.
إن نص المادة 115 من
قانون الإجراءات الجنائية
المتعلق بأحوال الأمر
بالحبس الإحتياطي استخدم
عموميات عامة كلفظ
"تبين"، أو جملة " أن
الدلائل كافية"، إضافة
إلى جواز الحبس في
الجنايات على إطلاقها
والجنح مما تزيد العقوبة
فيها على ثلاثة أشهر، هو
أمر يعتمد على المعيار
شخصي و يدخل في إطار
السلطة التقديرية للنيابة
العامة، صاحبة اختصاصي
التحقيق والإتهام.
إن الأمر بالحبس
الإحتياطي من النيابة
العامة لا يصدر مسبباً،
ولا حق للمتهم الصادر ضده
أمر الحبس الطعن فيه.
إن الحبس الإحتياطي في
قانون الإجراءات الجنائية
الليبي غير محدد المدة
ومفتوح، وهذا امر خطير
للغاية ويستوجب وضع سقف
نهائي له، بموجب نص واضح
وصريح.
يجب ان لا يكون للنيابة
العامة حق الحبس
أحتياطياً، وان يكون لها
فقط الحق في طلبه من
المحكمة وان تبرر هذا
الطلب في جلسة يحضر فيها
المتهم ودفاعه، وللمحكمة
ان أن تأمر به أو ترفضه.
أنه لا يوجد نص صريح في
القانون الليبي يمنح الحق
لمن حبس احتياطياً وتبين
أن إجراء الحبس لم يكن
مبررا أو صدر بالمخالفة
للقانون. وأن الأمر يقتصر
على القواعد العامة في
التعويض.
أن الشكوى من أكتظاظ
السجون في حقيقتها مردها
إلى التوسع في سلطات
الحبس الإحتياطي، بما
جعلها الإجراء الأقرب
والاسهل حتى تكاد أن تكون
الأصل وليس الأستثناء،
والقول بأن الحبس
الإحتياطي أحياناً "جبراً
لخواطر المجني عليه،
وأحياناً أخرى يكون
رادعاً للمتهم وزاجراً
لغيره" إنما يؤكد ما
ذهبنا اليه من أنه إجراء
خطير يخضع لتقدير وسلطة
عضو النيابة كبر أو صغر
شأنه، وهو كما نعرفه
جميعا ليس عقاباً بقدر
ماشرع لمصلحة التحقيق.
إننا وقد ذهبنا إلى رأي
مخالف لرأي الأستاذ
المستشار أمين اللجنة
الشعبية العامة للعدل فإن
ما كان لهذا الخلاف في
الرأي أن يكون لولا
الشفافية والصراحة التي
أعتمد عليها الأمين في
حواره، فشكراً له، ولعل
في هذا الرأي ما يكون
عوناً له في القيام
بأعبائه الجسيمة، أعانه
الله عليها.
عزة كامل المقهور
محامية
يراجع بالخصوص المادة 51
من القانون رقم رقم 23
لسنة 2002 بتعديل القانون
رقم 7 لسنة 1990 بشأن
المخدرات والمؤثرات
العقلية.
القانون رقم 7 لسنة 1997
بشأن تعديل بعض أحكام
القانون رقم 5 لسنة 1988
بشأن إنشاء محكمة الشعب.
أنشأت محكمة ونيابة أمن
الدولة بموجب القرار رقم
27 لسنة 2007 ، وصدر
القانون رقم 7 لسنة 2005
بإلغاء محكمة الشعب،
والذي أحال أختصاصها
واختصاص مكتب الإدعاء
الشعبي إلى محكمة ونيابة
أمن الدولة.
صدر قانون الإجراءات
الجنائية الإيطالي الذي
أستمد منه القانون الليبي
أحكامه في عام 1930.
يعرف قانون الإجراءات
الفرنسي منذ عام 2002 نوع
آخر يعرف بقاضي الأفراج
والحبس، و منذ عام 2001
لايملك قاضي التحقيق حبس
المتهم ولكن له أن يطلب
منه قاضي الأفراج والحبس
حبسه أحتياطياً.
|