|
هذه الأطروحة
أمين مازن
ينتمي الأستاذ على الديب، موضوع هذا ال كتاب
إلى ذلك الجيل من الإعلام الليبيين الذين ولدوا في عشرينيات
القرن الماضي وتأسسوا ثقافياً في مرحلة من أصعب المراحل
التاريخية التي مر بها وطننا عندما نكب في مطلع العشرية
الثانية من ذلك القرن بالاستعمار الإيطالي البغيض ذلك
الاستعمار الذي تضاعفت اخطاره واشتدت وطأته بصعود الفاشية
الإيطالية إلى حكم إيطاليا وتحالف زعامتها بالغة التطرف مع
الفوهر الالماني والميكادو الياباني عبر تطور صناعي مذهل وقوة
عسكرية مخيفة وأسلوب استعمارى يرفض أن يعطي لشعوب المستعمرات
إلا ما يسمح باداء المهام ذات الصبغة المساعدة للسيد الجديد
اللهم إلا ما قد ينزعه المتفوقون بواسطة القدرات الخاصة
والتحصيل الشخصي وما اضطلعت به المساجد والزوي التي مثل بعضها
مراكز تعليمية معترف بها خارج الحدود مثل الاسمر بزليتن
وميزران بطرابلس عندما دأب على اللحاق بها الكثير ممن اكملوا
مراحل أقل في الزاوية ومصراته ومسلاته والخمس وغيرها فقد كانت
هذه الفضاءات دون غيرها الملجأ الأول والأخير للتكوين العلمي
سواء أمكن التوجه إلى مشرق الوطن العربي أو مغربه أو فرضت
الظروف الاكتفاء بما وجد هنا كما حصل للديب الذي حيل بينه وبين
الذهاب إلى مصر بعد أن وصل إلى مدينة بنغازي فقفل راجعاً ودخل
بالتالي معترك الحياة العلمية لمجرد أن سكتت مدافع تلك الحرب
وشرعت الإدارة البريطانية المؤقتة في شغل الضروري من الكوادر
الوظيفية بواسطة الامتحانات العامة ابتداء من التعليم والأمن
ووصولاً إلى الدرجات الأولى من القضاء وكان أن وجد الديب فرصة
الانتظام بالحياة العملية من باب الوظيفة العمومية ليعين عن
طريق الامتحانات العامة مدرسا وفي تطور آخر وبذات الأسلوب
قاضياً ويتخذ من هذين المجالين سبيلاً لمواصلة التكوين الذاتي
والاندماج في المجتمع فيكون تبعاً لذلك في مقدمة المؤهلين
للانخراط في النشاط العام ولاسيما عند طرح المصير الليبي في
المحافل الدولية وانبعاث الكثير من التنظيمات السياسية التي
نشطت في هذا السبيل محرضة الجماهير على التمسك بمبدأ الاستقلال
ورفض بقية الحلول المقترحة مثل الوصاية والانتداب بحجة أن
الشعب الليبي غير مهيأ لحكم نفسه بنفسه وأنه يحتاج إلى فترة
إعداد اقترح لها أكثر من طرف دولى وسعى إلى الظفر بها كذلك
أكثر من طرف مما ألقى على عاتق ذلك الجيل أضخم المسؤولية من
حيث تبنى الخيار الاسلم والتصدى بكل الحزم لما سوى الاستقلال
وبالذات عشية وصول وفود الهيئات الدولية التي انيط بها التحقق
من رغبات السكان بشأن تقرير المصير أولاً ونظام الحكم ثانياً
فكانت الشعارات التي حددت في الاستقلال والوحدة والانظام إلى
الجامعة العربية فكانت هذه وغيرها موضوع أدبيات ذلك الزمان
سواء على هيئة خطب في الجماهير الحاشدة أواشعار تلقى وتنشر أو
مقالات تزكى خيار أو تعارض آخر وتمتدح رمز أو تنال جملة رموز
فاذا ما حسم الأمر بواسطة هيئة الأمم المتحدة بقرارها التاريخي
الصادر في 21 / 11 / 49 القاضي بحق ليبيا في الاستقلال قبل
مطلع 52 كانت المعركة حول المرحلة المقبلة أكثر شراسة وبالذات
على أعمدة الصحف
لقد كان الأستاذ علي الديب واحداً من أبرز فرسان الكلمة في تلك
المرحلة والتي كان ميدانها متمثلاً إلى حد كبير في الصحف،سواء
عندما بدأ يكتب بصحف الآخرين ويمضي كتاباته بالاسم المستعار
الذي عرف به وشد إليه الانتباه "أبوجرد" فتكون هذه التسمية
أكثر اثارة للمتابع وأقوى وقعاً لدى المتلقى المتلهف والآخر
المستهدف،إذ كان في كتاباته تلك جامعاً بين قوة الحق وفرادة
موضوع الاختلاف، إذ قد تصدى لاشهر الرموز واقواها في ذلك
التاريخ وهو الشاب محدود الشهرة سواء وهو يرد على كاتب أكثر
منه شهرة مثل الطيب الاشهب الذي تناول بالنقد كتاب جهاد
الابطال للشيخ الطاهر الزاوي،والاشهب كما هو معروف من كتاب
المقالة المعدودين في ذلك الزمن أو وهو يصدر صحيفة الليبي
ويكرسها لذلك الموقف الخاص من اقوى الرموز الوطنية واكثرها
سيطرة على الشارع في ولاية طرابلس تحديد المرحوم السيد البشير
السعداوي والتي حاكى بتأسيسها على ما يبدو صحيفة المصرى،خاصة
وأنه قد أسس هذه الصحيفة عقب رحلة قام بها إلى القاهرة وتعرف
اثناءها على أمين الجامعة العربية "عبد الرحمن عزام" المعروف
بعلاقته الوطيدة بالشيخ الطاهر الزاوى عندما هاجر هو الآخر
لمصر وكان موضع رعاية من طرف عزام وربما تشجيعه وهو يكتب في
قضايا التاريخ وتبنى الموقف العدائى لمعظم أبناء الاسرة
السنوسية،فكانت الليبي أشد الصحف مجاهرة بعداء البشير السعداوى
غير أنها من جانب أخر كانت أكثر الصحف احتفاء بفن الصحافة
وأساليب الكتابة وفنون الأدب، حتى أنها انفردت بنشر أول مواجهة
نقدية للشعر التقليدي ومن خلال التعرض لاقوى اصواته الشاعر
رفيق المهدوي،الأمر الذي ما لبث أن أعلى من شأن الديب وتهيئته
لدور أكبر، تمثل يومئذ في انتخابه لعضوية المجلس التشريعي
لولاية طرابلس عن دائرة الزاوية ومن ثم ليكون أول رئيس لذلك
المجلس، تلك الرئاسة التي دفعت به إلى مواقف أكثر ايجابية بدأت
بالاصرار على تقييد منصب الوالى بحيث يكون مسئولاً أمام المجلس
أو يبقى في موقع شرفى وتسند المسئولية لغيره وذلك عند مناقشة
القانون الأساس للولاية، وهي مهمة بذل في سبيل تحقيقها الاستاذ
علي الديب الكثير من الجهد وحشد لها الكثير من الاسانيد بل
وترك مقعده في رئاسة المجلس أكثر من مرة كي يقنع الأعضاء ويقيم
الحجج الدامغة، مما اضطر سلطات الولاية إلى استصدار الرسوم
الملكى القاضي بحل المجلس،وبدلاً من أن يقابل الديب الأمر
بالرضا والتسليم عسى أن يحظى بموقع بديل كانت خطوته غير
المسبوقة المتمثلة في الطعن لدى المحكمة العليا حول دستورية
المرسوم الملكى ومن ثم تفجير أكبر أزمة دستورية عرفها التاريخ
الليبي والكيان الوطنى الوليد، مما دفع السلطة إلى الدفع
بالغوغا،كى تستنكر حكم المحكمة.نعم إن الحكم لم ينفذ ولكن
الديب ظفر بالنصيب الأوفر من الأضواء، مما جعله يعود مرة أخرى
إلى عضوية المجلس ويصدر الليبي أيضاً ويجعل منها صوتا وطنياً
واضح الملامح متعدد الاطياف.متنوع الاهتمامات مصراً على مقارعة
الاخطاء جملة واحدة ليقدم المجلس التنفيذي على اقفالها وتحدث
بسببها اشد المناقشات في المجلس المذكور،ويأتي علي الديب في
وقت لاحق رئيساً للمجلس التنفيذي للولاية فرئيسا للمجلس
التشريعي ويعلن موافقة هذا المجلس على إلغاء النظام الاتحادي
ويعود إلى ميدان المحاماة،موقنا ضمن الكثير من مجالسيه أن
التجربة التقليدية افلست وليس أمامها ألا أن تسقط،مكتفيا بمن
كانوا يتحلقون حوله في الفندق الكبير مقدرين علمه والكثير من
اخلاقياته،وكان هو من جانبه لايتردد في الوقوف إلى جانبهم
ودعمهم بكل ما يملك،غير متأثر بأى اعتبار من الاعتبارات حتى
أنه لم يتردد في تقديم الفنانة أم كلثوم وهي تزور ليبيا في
أواخر الستينيات بدعوة من ابرز اصدقائه " السيد عبدالله عابد"
تلك الصداقة التي صانها علي الديب ولقى بسببها ما لقي من
المتاعب التي تحملها دونما أنين.
ومن الواضح أن الباحثة نجية التهامي في اطروحتها الجامعية هذه
٠٠علي الديب الشاعر والكاتب والخطيب /استكمال الاجازة العالية
(الماجستير)
قد غطت هذه الجوانب كافة ، ولاسيما الأدبي منها ، سواء من خلال
الأسئلة التي وضعتها للرجل وأجاب عليها بطريقته الخاصة ، وكذلك
المنجزة من طرف الأستاذ الطاهر النعاس ، أو من خلال النصوص
المختارة من مقالاته وخطبه وأشعاره والبيئة التي عاش فيها
والمراحل التي مر بها ، والتحليل الواعي لبعض نصوصه النثرية
والشعرية وعلى الأخص تشطيره لرائعة أبي فراس الحمداني التي لم
يسر فيها - حسب الباحثة - مسيرة من خاضوا تجربة التشطير ،
ليكتفي بتمطيط النص بل جاء تشطيره حسب المقارنة والأبيات
المحددة في موضع المتفوق أو المختلف عن الأصل مما يجعل من هذا
الفصل الذي يمثل قلب الكتاب أو ذروته كما تعبر لغة الأخبار
إضافة واعية وتمثلاً حقيقياً للتجربة التي كابدها الديب ،
واستطاع أن يقاومها باستدعاء شخصية الحمداني الذي لم يزده سجنه
إلا صموداً وإصراراً على التمسك بقناعاته ، وكذلك كان الديب
طوال حياته قبل وبعد التجربة وكذلك جاءت القراءة الموسعة
لمراثيه الشعرية والنثرية ، وعلى رأسها كتابته عن أبرز رموز
التاريخ الوطني المرحوم خالد القرقني الذي ارتبط معه بعلاقة
مميزة منذ عودته من المهجر وحتى رحيله من الدنيا ، ففي هذا
التناول وفيما أضافه نثر الديب في بابه الشهير " أمام المرآة "
وآراء الباحثة ما يجعل من هذا النص خير ما يمكن أن يعول عليه
في توجيه الناشئة وتربية الذوق الأدبي في تكوينه بدلاً من
استعارة نصوص الآخرين التي طالما جعلت ناشئتنا تبدأ رحلتها في
المعرفة وهي منفصلة عن الرمز المحلي ، وفي ذلك ما فيه - كما لا
يخفي على كل مدرك - من النيل من الشعور الوطني وضعف الإحساس
بالولاء والذي لا سبيل لبلوغه إلا بواسطة النشأة الأولى مما
يجعل من قرار الجامعة الموقرة نشر هذه الأطروحة خطوة جديرة
بالتقدير وحسن الثناء.
وقد يسوغ لي في معرض التعبير عن السرور بهذا العمل والاعتزاز
بشرف تقديمه ، أن أورد بعض الإشارات التي لا يمثل غيابها نقصاً
ولكن وجودها قد يزيد إضاءة ، منها إن رحلة الديب التعليمية قد
اتصفت بالتعميم أكثر من محاولة التفصيل ، فلم نجد على سبيل
المثال ذكرا للمستوى التعليمي الذي توصل به في فترة الاستعمار
الايطالي ، وما إذا كان قد ولج باب المدرسة الإسلامية العليا
أو توقف على ما توفر له بمدينة الزاوية ، فالرجل الذي عرف عنه
الحديث باللغة الايطالية والذي يجيد الخط بفنونه المعترف بها
لا يمكن أن يكون سليل الدراسة الدينية وحسب خاصة وأنه قد عاش
بطرابلس وفي بيوت جامع ميزران تحديداً كما أقام بزليتن بعض
الوقت ، حتى الشيوخ الثلاثة الذين أرجع إليهم الفضل في تكوينه
وهم الشيخ القمودي والشيخ عمر التنبكتي والشيخ عبد الرزاق
البشتي لم يحدد الكتب التي درسها عليهم والمتون التي توقف
عندها ، سواء من قضى برفقته ثماني سنوات " التنبكي " أو من وضع
قدمه على طريق الكتابة " البشتي " لقد خصهم بوافر ثنائه ولكنه
لم يحدد دورهم في تعليمه وبداية مساراته ، فلم تطلب الباحثة
تحديداً من الأستاذ الديب ولم تحاول فعل ذلك من طريق آخر ،
وكذلك فعلت حول مصدر معرفي آخر خصه الديب بالإشارة وظهر جلياً
في أساليبه الكتابية ألا وهو مجلة الرسالة التي أصدرها لسنين
طويلة الأستاذ أحمد حسن الزيات وداوم عليها الديب إلى حين
توقفها في مطلع خمسينيات القرن الماضي وتقتضي طبيعة الدراسة -
فيما أزعم - تبين أثرها في كتابات الديب وما إذا كان قد ظل
متأثراً بالأساليب الزياتية أو أفلح في بناء أسلوبه الخاص وهذا
المصدر في المتناول ، وبالجملة فإن ما تحقق للديب من مقدرة
ملحوظة في عديد المعارف ذات المستوى الممنهج يستحيل أن تكون
نتاج المطالعة
بقدر مايشي بتحصيل منظم ومعاشرة مرتبة أحسن الاستفادة منها
وظلت غائبة إلى حد ما وتبقى بعد ذلك بعض المحطات العملية التي
حط بها الديب في رحلة المسئوليات وذكر أسباب مجيئها وذهابها
وبدا ماذكره في حاجة إلى المراجعة على ضوء القرائن وربما
المعلومات .
من ذلك رئاسته للمجلس التنفيذي لولاية طرابلس الغرب عند تعيين
السيد فاضل بن زكري واليا للمرة الثانية خلفاً للسيد أبو بكر
نعامه فقد ارجع الأستاذ الديب السبب إلى شرط أبداه بن زكري لدى
الملك ادريس ،فهذا الشرط لا يستقيم مع طبيعة الملك في إدارة
شؤون البلاد عندما صار صاحب الكلمة الأولى والأخيرة و منذ أن
قامت الحكومة الأولى في زمن الاستقلال بأبعاد السيد البشير
السعداوي أقوى الزعامات التقليدية بالمناطق الغربية وصاحب
الآثر الأكبر في اقناع طرابلس بالنظام الملكي
وما تبعها بعد ذلك من أصرار القصر على انفراد الملك بتوقيع
المراسيم بمعزل عن الوزراء ورئيس الوزراء وماضمته المادة 36 من
الدستور فقد اقيل السيد فاضل بن زكري الذي كان أول والي
لطرابلس حين بدر منه التطلع إلى عدم الانصياع لرغبات الحاشية
وقبل وظيفة رئيس مجلس إدارة المصرف الزراعي وكذلك فعل مرة أخرى
عندما قبل البقاء في منصبه الأخير مع أن التعديلات الدستورية
سحبت كل صلاحيات الولاة واقتضى ذلك خروج السيدين عمر سيف النصر
من فزان وحسين مازن من بنغازي في حين بقي فاضل بن زكري مع خروج
الديب من رئاسة المجلس التنفيذي وهو خروج لم يكن من تأثير ولي
العهد إذ لو كان الأمر كذلك لما عين السيد محمود المنتصر رئيسا
للديوان وهو المعروف برفضه القاطع للحسن الرضا والواقع أن
الديب عين رئيسا للمجلس التنفيذي لطرابلس حتى لا يكرر الطعن
حول قفل صحيفته الليبي واخرج بتاثير موجدة يحملها الملك إدريس
شخصياً للديب سواء من مبادرته بالرد على الطيب الأشهب والدفاع
عن الطاهر الزاوي "ألد أعداء السنوسية"أو طعنه في دستورية
المرسوم الخاص بحل المجلس التشريعي لولاية طرابلس .
وقد نجتهد أكثر فأكثر فنذكر بأن تأسيس الليبي ذاتها قد تم -
حسب الديب- عقب زيارة قام بها أي الديب إلى مصر واتصاله بعبد
الرحمن عزام إنها الموجدة التي ظل مصراً عليها حتى إنه رفض أن
يكون اسم الديب - بين الاعضاء الذين أضيفوا المجلس الشيوخ سنة
68حسب تأكيدات رئيس الوزراء الذي قدم الترشيحات ووصف ذلك الرفض
بالغصة .
وعسى أن تدفع هذه الاشارات إلى المزيد من المتابعة نحو تفاصيل
تاريخنا المعاصر وما تتوفر عليه ذاكرة بعضنا من دقيق المعلومات
التي لاغنى عنها لكل مختص ولعل في إيرادها ما يجسد جدية
التعامل مع هذا العمل الجاد لهذه القلعة العلمية التي طالما
يممت وجهها نحو واقعنا الثقافي والاجتماعي وهي ترتاد مجال
الدراسات العليا - حسب علمي- منذ التسعينيات الماضية مع كل
التقدير وجزيل الشكر وموفور العرفان.
|