|
كان للجميع بامتياز
كان فقيد الثقافة العربية الدكتور
محمد صالح الجابري واحداً من أبرز المثقفين التونسيين ذوى
الحضورالمميز على المستوى العربي ، وقد تسنى له تحقيق ذلك من خلال
دأبه اللافت في المدونة الأدبية التونسية وخوضه في كتابة معظم أو
كل أجناسها ، فهو كاتب القصة المنجز لأكثر من مجموعة قصصية وهو
مؤلف الرواية التي أصدر في حقلها عدداً لابأس به ، وهو كاتب
المقالة الأدبية والصحفية ، وهو المؤرخ والدارس لمسيرة الشعر
التونسي فضلاً عن الكثير من زوايا التاريخ الجزائري والليبي ، وهو
المرتبط بأوثق العلائق مع ألمع الأسماء في الكثير من الساحات
العربية ، وهو المشغول الذي لا يعرف الكلل بالعمل المغاربي منذ أن
طرق باب النشر في ستينيات القرن الماضي ، وعقب تكوين ثقافي بدأ في
الزيتونة وانتهى إلى الجامعات المشرقية ، كما أنه أحد الذين جمعوا
بين النشاط الثقافي والعمل الأكاديمي ، إلى جانب الهم السياسي
القومي والعمل الجمعياتي مثل اتحاد الكتّاب التونسيين وغيره في
سبعينيات القرن الماضي ، وقد شكلت هذه السيرة الخصبة والتجربة
الحياتية الفنية موضوعاً للكثير من أعماله الروائية ومنها رواية
البحر ينشر ألواحه وليلة السنوات العشر ، وكانت أعماله في أوقات
كثيرة موضع اهتمام الدارسين لما امتازت به من عمق المعاناة وقوة
المضمون وجمال المعالجة وكان هو من جانبه لا يتردد في متابعة كل ما
يراه جديراً بالمتابعة . . وأذكر أنني ومنذ أول لقاء معه في حقبة
الستينيات من القرن الماضي لم أجد عنده إلا ذلك الحرص الذي لا يعرف
الكلل على تعميق العلاقات المغاربية عامة والليبية التونسية على
وجه التحديد ، بل إنه من القلة التي لا تخفى تبرمها من أي مثقف لا
يعمل في ذات الاتجاه سواء بالتقصير أو البرود أو ما هو أسوأ من ذلك
، ويكفي أنه من القلة التي أحاطت الصديق الراحل الأستاذ عبدالله
القريري بكل ما كان في حاجة إليه من التواصل وحسن التفهم عشية
اضطراره لعلاقاته بتونس جراء ما لحق من مشاعر الإحباط .
أما عندما عمل هنا " مديراً للمركز الثقافي التونسي " وفي ظروف لم
تكن مواتية فقد بذل الكثير والكثير لولا أن المناسبة الآن لا تسمح
والحيز كذلك لا يتسع ، ونحن نتوصل بخبر نعيه من المنظمة العربية
للتربية والثقافة والعلوم التي أسندت إليه مشروع الموسوعة العربية
الذي ظل متفرغاً له بالكامل حريصاً على انجازه أولاً بأول على
الرغم من الصعوبات الجمّة ، ولاسيما عقب سوء أحواله الصحية وتعرضه
لإجراء أكثر من عملية ومع ذلك فقد بقى الجابري دائماً مثالاً للعمل
والعمل الدائم .. وأشهد أنني انجزت له ترجمة عشرين شخصية ليبية كان
دائم الاحتفاء داعياً لمواصلة الإعداد أكثر فأكثر .. وبالتالي فإن
هذه السطور لا تصدر عن علاقة شخصية فحسب ولا بتأثير الصداقة فقط ،
وإنما تتجاوز ذلك إلى المشترك الثقافي والموقف المسؤول مما يجعل من
محمد صالح الجابري فقيدنا جميعاً وحرياً بأن نتبادل حوله العزاء
وما عساه يكون من واجب التكريم هنا في ليبيا أو هناك في تونس ، فقد
كان للجميع بامتياز |