عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 
 

 

تاريخ لا‮ ‬يكتبه المؤرخون

يوسف الشريف

 

أجدني‮ ‬أبدأ بسؤال مكرر:هل السيرة الذاتية وليدة رغبة ذاتية محضة أم هي‮ ‬وليدة ظروف عاش فيها كاتب السيرة‮..‬؟
أراها وليدة الاثنين،لأننا‮ ‬– حتى وإن كان لكل منا ذاته‮ - ‬فإننا‮ ‬نتاج ظروف حياتية تفاعل فيها الاجتماعي‮ ‬والاقتصادي‮ ‬والسياسي‮ ‬والديني،ومن تفاعلها تشكلت ذات كل منا وامتلكت أفكارها ورؤاها وأسئلتها وآرائها ومواقفها الخاصة،والتعريف الذي‮ ‬يقول أن الإنسان كائن اجتماعي‮ ‬قد‮ ‬يلخص الإجابة على السؤال،فالسيرة الذاتية كثيرا ما تتجاوز معناها المباشر والذي‮ ‬يعني‮ ‬أن فردا ما‮ ‬يروي‮ ‬قصة حياته مكتوبة،وسواء كان هذا المعنى مقصودا أو‮ ‬غير مقصود،فإنها قد تخرج مما أراد لها لتصبح جزءا من التاريخ الاجتماعي‮ ‬في‮ ‬معظم الأحيان أو جزءا من التاريخ السياسي‮ ‬في‮ ‬بعض الأحيان،وهي‮ ‬قبل هذا وذاك سيرة شخص كان شاهدا على عصره أو مشاركا فيه،بعلمه أو فنه أو أدبه،أو‮ ‬يكون سياسيا قام بدور بارز في‮ ‬مرحلة تاريخية معينة،لكن من المؤكد أنها تأخذ مكانها من التاريخ الأدبي،على أن ما‮ ‬يجمع هذه السير على اختلافها،هو أنها تكشف عن جوانب كانت‮ ‬غير معروفة لمن هم ليسوا مشاركين فيها أو شهودا عليها،إلا أن هذا الكشف‮ " ‬في‮ ‬البلدان العربية‮ " ‬كثيرا ما تعترضه اعتبارات شخصية أو عامة تمنعه من البوح بتفاصيله،فهي‮ ‬قد تكون اجتماعية تتعلق بالمباح والمحرم والمحظور سواء تعلقت بشخصياتها وأسرار حياتهم،أو تعلقت بثقافة المجتمع وتراثه الاجتماعي‮ ‬والديني،لكن هذا لا‮ ‬ينفي‮ ‬وجود استثناءات كما عند شريف حتاتة وسمير أمين ولويس عوض في‮ ‬مصر،وفي‮ ‬بعض الأحيان تكتسب هذه الاعتبارات صفة سياسية،كأن‮ ‬يمنع الخوف كاتب السيرة من البوح بما‮ ‬يغضب النظام السياسي‮ ‬أو أحد رجالاته لأنه‮ ‬يكشف ما‮ ‬يرون فيه سرا مقدسا لا‮ ‬يمكن الاقتراب منه،وعندها سيكون أمام كاتب السيرة أمران،إما أن‮ ‬يتخفى خلف الرمز والمبني‮ ‬للمجهول والأسماء المستعارة،وإما أن‮ ‬يختار السلامة فيبعد سيرته عن كل خطر قد‮ ‬يقع عليه،وهو إن فعل وفي‮ ‬كلا الحالتين‮ ‬يفقد سيرته أهميتها وصدقها وبذلك تفقد الجدوى من كتابتها،ثم‮ ‬يبقى أمامه خيار وحيد وهو أن‮ ‬ينتظر زوال النظام كي‮ ‬يكشف أسراره دون توقع العقاب،خاصة إذا كان مسئولا عن جهاز أمني‮ ‬أو مشاركا فيه،وهو إن فعل هذا فإنه سيلقي‮ ‬بكل خطايا النظام السابق على رجال آخرين،ولعل أوضح مثال على هذا،ما كتبه رجال مخابرات في‮ ‬مصر‮ " ‬صلاح نصر‮ " ‬وسوريا‮ " ‬محمد سامي‮ ‬جمعة‮ " ‬وآخرون،ويبقى نوع آخر من السير الذاتية له مكانته وتميزه،ذلك ما كتبه رجال‮ ‬غيروا مجرى التاريخ على مستوى بلدانهم أو على مستوى العالم وبدرجات متفاوتة،كما هتلر وتشرشل وديجول،وفي‮ ‬كل الأحوال فإن من‮ ‬يكتبها‮ " ‬ليس ملزما البتة بأن‮ ‬يكون دقيقا حول الأحداث كما هو الشأن في‮ ‬المذكرات،أو بأن‮ ‬يقول الحقيقة المطلقة كما هو الشأن في‮ ‬الاعترافات‮ " ‬كما‮ ‬يقول فيليب لوجون،وفي‮ ‬السيرة ليس بالضرورة أن‮ ‬يسرد علينا كاتبها تفاصيل مراحل حياته،إنه قد‮ ‬يفعل وقد لا‮ ‬يفعل وفي‮ ‬كلا الحالتين له أسبابه،فهو قد‮ ‬يختار قطاعا منها أو مرحلة من مراحلها،كما في‮ ‬حالة المحامي‮ ‬أو القاضي‮ ‬أو السياسي‮ ‬أو العسكري‮ ‬عندما‮ ‬يكتب سيرته في‮ ‬أي‮ ‬منها ويبرز دوره وآراءه،بل ويفصح عن مشاعره تجاه أحداثها وصراعاتها من خلال كشفه عن أسرارها ومعاركها والقوى والظروف التي‮ ‬أثرت في‮ ‬أحداثها،وفي‮ ‬كل الأحوال فإن الذاتي‮ ‬هو المرتكز التي‮ ‬تقوم عليه السيرة الذاتية لأنه‮ ‬يكشف لنا عن المكونات النفسية والاجتماعية والتي‮ ‬ساهمت في‮ ‬تشكيل شخصية كاتب السيرة،وهذا أمر في‮ ‬غاية الأهمية،لكن ما‮ ‬يؤخذ على ما قرأنا من سير ذاتية أنها أغفلت الخوض في‮ ‬مكون رئيسي‮ ‬من مكوناتها وهو المكون العاطفي،إذ‮ ‬يندر أن‮ ‬يكشف لنا الكاتب عن حياته العاطفية وأسرارها،وهذا‮ ‬يعود إلى سطوة ثقافة المنظومة الاجتماعية خاصة في‮ ‬جانبها الجنسي‮. ‬
هذه الاعتبارات في‮ ‬مجملها تتجلى في‮ ‬ما قرأنا من سير ذاتية لأدباء وسياسيين ورجال اقتصاد وسياسة عرب،ولا‮ ‬يشذ عنها إلا نفر قليل،وانطلاقا من هذه الاعتبارات قد نعيد النظر في‮ ‬ما قلناه في‮ ‬أول المقال،من أن السيرة الذاتية تاريخ،لكن من قال أن التاريخ كله‮ ‬يمضي‮ ‬في‮ ‬خط مستقيم،أو أنه صادق كله أو كاذب كله،هو متن كامل متواصل لا‮ ‬ينتهي‮ ‬إلا بانتهاء من‮ ‬يعيشونه ويكتبونه،ولعلنا لهذا السبب نفرق بين التاريخ السياسي‮ ‬والتاريخ‮ ‬الاجتماعي،الأول نطوي‮ ‬صفحته الأخيرة بزوال النظام من هرمه إلى قاعدته،أما الثاني‮ ‬فمتواصل جيلا عن جيل،يكتبه بعضنا توثيقا مجسدا في‮ ‬سيرته هو ويكتبه بعضنا توثيقا مجسدا في‮ ‬ما شاهده من حياة الناس وشارك فيه،وإذا ما توقفنا هنا عند ما‮ ‬يمكن أن نطلق عليه‮ " ‬هوية‮ " ‬السيرة الذاتية،نجد أنفسنا نفرق بين نوعين رئيسيين منها،الأول نكتبه باعتبارنا نتاجا لثقافة عامة عشناها وساهمت في‮ ‬تشكيل شخصيتنا وتراكمات تاريخية مثلت جذور هذه الثقافة،وهذا‮ ‬يعني‮ ‬كتابة السيرة من خلال الناس،والنوع الثاني‮ ‬نكتبه انطلاقا من فرديتنا،مما‮ ‬يترتب عليه إخضاع سيرتنا لعقلنا الفردي‮ ‬يفسر ويشرح ويستخلص النتائج وفق هواه وميوله وأحاسيسه،ونحن إن فعلنا هذا،فإننا نقصي‮ ‬عن عمد أو عن‮ ‬غير عمد البيئة التي‮ ‬كونتنا‮ ‬– سياسية اقتصادية اجتماعية‮ ‬– وإذا حدث هذا فإن السيرة تفقد هويتها الجمعية لأنها هي‮ ‬التي‮ ‬تدفعنا لقراءة سيرة وإهمال أخرى،وعندما نقول بهذا الرأي‮ ‬فإنه لا‮ ‬يعني‮ ‬إقصاء الأنا منها،لكن باعتبارها نتيجة وليست سببا‮.‬
في‮ ‬هذا العدد تفتح مواسم ملف‮ " ‬السيرة الذاتية‮ " ‬الليبية إن صح التعبير،‮ ‬وما‮ ‬يؤخذ عليها هو ما‮ ‬يؤخذ على السيرة الذاتية في‮ ‬أي‮ ‬بلد عربي‮ ‬آخر،بل إن الراوي‮ ‬كثيرا ما‮ ‬ينفصل عن سيرته فتقترب من المذكرات للاعتبارات التي‮ ‬سبق وأن أشرنا إليها،كما‮ ‬يؤخذ عليها الانتقائية في‮ ‬أحيان أخرى،فهي‮ ‬سيرة كانت أو مذكرات تبقى أسيرة هذا المأخذ،وفي‮ ‬المجمل ليس لنا أن ندين كاتب السيرة إن هو لم‮ ‬يقترب من الذاتي‮ ‬جدا،فما هو إلا نتاج ثقافة اجتماعية تراكمت عبر أجيال عديدة وصارت مكونا رئيسيا لشخصيته هو،وهذا لا‮ ‬يزول إلا بزوال هذه الثقافة،وهو أمر مستبعد على الأقل في‮ ‬المستقبل المنظور،إلا أن هذا المستقبل سيطول حتى نقرأ سيرة ذاتية ليبية تمتلك جرأتها لمواجهة هذه الثقافة وتجاوزها،لكن‮ ‬يبقى لما كتب من سير ذاتية رغم قلتها،كونها تمثل جزءا من تاريخا الثقافي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬في‮ ‬فترات مختلفة،وهي‮ ‬من جهة أخرى توفر للمنشغل بالأدب وتاريخه ما‮ ‬يمكنه من تتبع المكونات البيئية ومؤثراتها على المنتج الثقافي‮ ‬والإبداعي‮ ‬مكتوبا أو مرسوما أو مسموعا،والمعنى من كل هذا أن السيرة الذاتية تاريخ لا‮ ‬يكتبه المؤرخون‮.
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية