عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

قبل وضع الشاهدة
في تأبين الأستاذ خليفة التليسي


طرابلس 15 / 1 / 2010
 

الله أكبر في سر وإجهار
لاحول للمرء فيما يفعل الباري
الله أكبر إن الموت جارتنا
والحياة سوى ضيم وإكدار
قالوا توفى كريم النفس قلت لهم
مامات من ملأ الدنيا بآثار

 

هكذا وصف شاعرنا " إبراهيم الهوني " رحيل توأمه في الاسم والشعر " إبراهيم الأسطى عمر " قبل ستين سنة مضت ، التي هي عمر الحضور الثقافي في الكامل لفقيدنا الكبير خليفة التليسي الذي نقف اليوم آسفين لفقده متأسين بضخامة أثره وعظمة دوره وجلال فخره ، عندما بدأ مشواره الثقافي وهو في الثامنة عشرة من عمره " 1948 معتمداً أشرف المداخل وأكثرها خلوداً هو مدخل التعليم ومن المكان المتوفر " مدرسة جنزور " فإذا ما آنس في نفسه أن لديه مايمكن أن يتقدم به في إطار المتاح النقدي الذي رفع به صوته المختلف ورأيه المتحدي ومن خلال أكثر المنابر الصحفية اصطداماً بالشارع السياسي هي صحيفة الليبي التي وجدت في قلمه " قلم التليسي " ما يمثل أشعاراًلذلك الجبل الذي انطلق مشواره من الواقع وأخذ يحفر طريقه بأظافره اعتماداً على جهود بعض من سبقه ، من أمثال علي و أحمد الفقيه حسن وعبد السلام خليل ومظفر الأمير وعبد السلام باش إمام إلخ . أولئك الذين كان لهم من فضاء النادي الأدبي ماأكد حضورهم المميز وتأسيسهم المحلي الذي أسهم فيه بقوة أمثال الشيخ عمر الجنزوري وعندما وجد التليسي المجال الأرحب المتمثل في جريدة طرابلس لم تغره اللعبة الإعلامية التي كانت كفيلة بتحقيق الصعود السريع لو انطلق من تلك الصحيفة إلى تأييد الطروح والمضي في العمل الصحفي المغري .. ولكنه اختار الطريق الأصعب والعمل الأبقى والأكثر قدرة على صون النفس وتحقيقها لإنجاز الأنفس والنفيس ، فكانت مزاوجته بين التحصيل والإنجاز بين الأخذ والعطاء بين الأدب والتاريخ بين التطور الوظيفي والمشروع الأدبي . وهكذا فبقدر ما واصل رحلته العملية من سكرتارية ومجلس النواب والقيام بوظيفة الجندي المجهول الذي يرجع إليه الفضل في إسداء المشورة الجادة للناشطين في ذلك المجلس والأكثر من دورة ، ليقدموا الاقتراحات البناءة والأسئلة الذكية والاستجوابات الحادة فضلاً عن الإسهام في صوغ القوانين تعديلاً واستحداثاً ، فإذا ماتطور به الحضور وأفسح أمامه المجال وآلت إليه حقيبة الوزراة " الأنباء والإرشاد " كان مصراً على جعلها ثقافية أكثر منها إعلامية ، فكان كصديقه الشويرف الذي سبق في حمل هذه الحقيبة ومثالاِ للعزوف عن الدعاية الشخصية والسير خلف المناسبة حتى إننا لانعرف له اسهاماً في أية مناسبة من المناسبات التي كثيراً ما سعى إليها من هم بمنجاة عن إحراجاتها وتراهم يصرون بتطوعهم نحوها يحرجون غيرهم فإذا ماأذن الزمن بخروجه مماكلف به كان له ذلك الكم الهائل من الكتب التي شرع بوالي إصدارها والتي وجدت في وقت لاحق وفي زمن الفاتح من سبتمبر تحديداً ماجعلها تكون مكتبة كاملة ترجمة وابتكاراً تجعت بين الدراسة الأدبية والتاريخية وكذلك الغامرة المجمعية مماهو كفيل بحضوره الدائم القادر على هزيمة الموت فهذه المدونة الكبيرة كماً وكيفاِ ستوفر المجال الخصب للكثير من دراسات الدراسين وضمان إضافتهم ومحاوراتهم مما يحقق البقاء الذي لايعنى بالغياب الجسدي ، بل يؤكد الحضور الفكري وقد أقول الروحي .
فإذا كان المقام الآن يسمح بالمضي في هذا الحديث الذي يتجاوز واجب المجاملة والتأثر بجلال الموت لأنه جزء من شهادة لم أتردد في الجهر بها طوال اللقاءات التي لم تنقطع أبداً منذ أن توقفت صلتي به أوائل الستينيات القرن الماضي إلى أن داهمه المرض الذي أذن بدنو أجله صلة اتسمت بالحوار والمكاشفة دون أن تحمله مالا يحتمل أو تطلب منه مالايستطيع معتمدة باستمرار قول الشاعر العربي


ومن ذا الذي تحصى سجاياه كلهما
كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه


فالعزاء في الراحل الكبير منا ولنا ، والدعاء الصالح من الحضور له خالصاً منا . بقدر تراب الوطن الذي أحب الفكر الذي أثرى والتاريخ الذي صان والأدب الذي لم يسلك طريقاً عداه عسى الله أن يغفر له ولنا معه ، ويجعل منه القدوة الحسنة والرمز الأبقى
ولله الأمر قبل ومن بعد وله الحكم وإليه ترجعون
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية