|
حقا ليس موضوع الطائرة
تحتفظ المدونة التاريخية
عندنا بجملة من الكتابات التي ارتبطت بالمهم من أحداثنا وطريقة
تعاملنا وحجم إسهامنا، مما تستوجب المراجعة المسؤولة ضرورة
التوقف أمامه، لتطوير مايحتاج لتطوير وإضافة مايقتضي الإضافة.
على الصعيد الشخصي وجدتني في الأيام الماضية، أمام هذا المقال
الذي تسنى لي نشره قبل عشرين سنة مضت على صفحات الصحيفة أنوال
المغربية بتاريخ29-11-1991م عند تزامن موضوعه مع وجودي بالمغرب
في مهمة من المهمات بدا لي أن أعيد نشره في عدد اليوم عسى أن
يكون دليلاً على أن ليس كل سفر يعني الهروب من الواقع.
خصنا
الأستاذ "أمين مازن " الأمين العام لرابطة الأدباء الليبيين
بالمقال التالي الذي يقدم فيه وجهة نظره في التحرشات الأمريكية
ضد القطر الليبي الشقيق:
تحرص الإدارة الأمريكية عبر تعاملها مع المشكلات الدولية،
بواسطة أجهزتها القوية الغادرة وعملائها النافذين في بقاع
كثيرة من الأرض، على الاحتفاظ بمجموعة من الملفات المؤجلة مع
الأنظمة التي لا تسير في نهجها السياسي أو الاقتصادي، تعمد إلى
تفجيرها كلما عصي عليها تحقيق أي مأرب من مآربها السياسية
الكثيرة، بحيث تكون هذه الملفات المؤجلة بمثابة الأدوات
الضاغطة أو القنابل الموقوتة التي تتكفل بإحداث الزلازل
المطلوبة لتخريب كل تفكير مكتمل وممارسة سياسية هادئة تتعامل
مع الأحداث بموضوعية وتراعي مصالح المجتمع الدولي بدراسة واسعة
وبعد عن الترامي أمام هذه القوة الدولية التي تزداد كل يوم
نهما وإصراراً على ممارسة ابتزاز الشعوب في صلافة ظاهرة وتعنت
يقل نظيره.
وإذا كانت الشواهد على صحة قولنا هذا أكثر من أن تحصى والوقائع
المؤيدة أوسع من أن تحصر، فإن مشكلة بان أمريكان التي أثيرت
أخيراً بعد صمت دام أكثر من ثلاث سنوات تعتبر من أصدق الأدلة
على صحة هذا القول.
على أن اختيارنا هذا لا يأتي عبثا، ولسنا بالذي يقول به كيفما
اتفق باعتبارنا من البلد الذي أثيرت معه المشكلة، كما قد يقال:
ولكننا نختاره مستندين على التناقض البين في الموقف الأمريكي
من هذه المشكلة التي ظلت برغم فداحة خسارتها موضع صمت وموضع
مناورة، ذلك أننا نعلم جميعا أن الإدارة الأمريكية ظلت لفترات
طويلة تلقي باللائمة على أطراف عربية أخرى بل وشرق أوسطية كانت
لها مواقفها وصراعها مع المصالح الأمريكية وعلى الأخص في
الساحة اللبنانية التي شهدت الكثير من حالات الاختطاف للعناصر
الأمريكية والبريطانية وكانت إيران وسوريا أيضاً موضع الاتهام
الأول بالنسبة لحادثة الطائرة، ليس لوجود القرائن والأدلة ولكن
لوجود خلاف كبير حول مختلف المعضلات الدولية، الأمر الذي ظل
موضع تبرم واستياء في أركان الإدارة الأمريكية ، ولا سيما
بالنسبة للقضية الفلسطينية وما يطرح بشأنها من مشاريع تصفوية
طالت ولا تزال تطال الساحة اللبنانية موضع نفوذ هذين الدولتين.
هكذا تركت قضية الطائرة طيلة السنوات الماضية لأن المصلحة
الأمريكية كما قدرتها تلك الإدارة، تقتضي ذلك، ولأن الإجراءات
التأديبية المقررة في تلك الفترة كانت تقتضي لفت الأنظار إلى
تلك الأطراف .. تماما مثلما شملت التهمة في أحايين أخرى بعض
الأطراف الفلسطينية الرافضة للحلول المطروحة، مما جعل اسم
ليبيا لفترة طويلة بعيداً عن موضوع الطائرة الأمريكية بالذات.
غير أن انعقاد مؤتمر مدريد بالطريقة التي عقد بها ، وبروز
الجماهيرية كصوت معارض لهذا المؤتمر، وضرورة التفكير في إجراء
تأديبي لهذا الموقف، جعل مشكلة الطائرة تبرز مرة أخرى، بل جعل
أكثر من طائرة تثار بعد أن كاد النسيان يقضي عليها، وكان تنشيط
المحاكم والمطالبة بتسليم المسؤولين، كل ذلك وسط حملة صحفية
ضخمة كرست جميعها لإلقاء المسؤولية على الجماهيرية في معزوفة
واحدة لا تخفى أسبابها على أحد ولا تنطلي بواعثها وأسرارها على
أحد أيضاً.
كان كل شيء إذن يؤكد بما بلا يدع مجالا للشك أن مشكلة الطائرة
لا تعدو أن تكون قضية مفتعلة، ليس فقط من واقع ما ذكرناه من
حيث طول المدة ومن حيث التأخر في توجه التهمة، وإنما بالنسبة
لطبيعة التفجير ذاته، فالحملة الصحفية كانت من الشمول والقوة
لدرجة لم تغب فيها الموضوعية فحسب، بل إنها تجاوزت عند البعض
حدود الأدب والذوق، وتصريحات المسؤولين الأطلسيين كانت جميعها
تصب في اتجاه استعمال القوة حتى ولو لم توجد المبررات، لدرجة
أن الرئيس الأمريكي قال بالحرف الواحد إن الموضوع أبعد من
تسليم العناصر المسؤولة عن تفجير الطائرة حسب تقديرات الإدارة
الأمريكية.
ونحن في الحقيقة نشاطر الرئيس الأمريكي رأيه في أن الموضوع
أبعد من تفجير الطائرة، لأن الطائرة لم تفجر اليوم ولا أمس،
كما أن الطائرة التي فجرها الروس على مرأى ومسمع من الجميع لم
تمنع الرئيس بوش من تطبيع العلاقات مع الاتحاد السوفيتي بدرجة
فات فيها كل من سبقه في رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وما
ذلك إلا لأن الموضوع أبعد من موضوع الطائرة وتحديد مسؤولية من
فجرها.
غير أن هذه الأبعاد كما نفهمها والتي ندرك أن الرئيس الأمريكي
يعنيها وإن لم يصرح بها تعني في حقيقة الأمر الوطن العربي في
عمومه، والتي نلسمها في استمرار العدوان على شعبنا العربي في
العراق بالرغم من انتهاء كل مبررات العدوان كما حددتها الإدارة
الأمريكية.
ومن يشاطرها الرأي والتوجه، والتي نلمسها كذلك في تشجيع كل ما
يزعزع الاستقرار لكل الأنظمة العربية وعلى الأخص تلك التي
تنسجم في مواقفها مع الموقف الأمريكي، حيث نلحظ في كل قطر من
هذه الأقطار فيضا من الإشكالات التي تحدب عليها وتشجعها
الإدارة الأمريكية أفلحت في اختلاق مبرراتها وإن لم تفلح في
إقناع الآخرين بها، بأي شكل من الأشكال.
ونحن قد نصل من هذا الطرح كله والتي تضطرنا طبيعة المرحلة، إلى
إنجازه نقول إننا قد نصل إلى تصور يرى أن هذه الأزمة المفتعلة
ترمي إلى تحقيق أهداف قد تصل في نهايتها إلى احتلال أجزاء من
التراب الليبي ومن ثم إسقاط نظامه. وقد يكتفي بهدم المنشآت
الحيوية من مدنية وعسكرية أو خلق أوضاع تؤدي إلى إنهاء التوجه
الوحدوي لتعود الحدود مرة أخرى وتنتهي هذه المبادرة التي خلقت
منعطفاً في العلاقات العربية ليست موضع ارتياح بالنسبة لأطراف
غير قليلة.. وذلك لأن فتح الحدود قد أوجد سوابق جديدة وأوضاعاً
جديدة وإن تكن لها بعض السلبيات إلا أن إيجابياتها في المدى
البعيد لايمكن أن تقارن خاصة عندما تتحمس للحفاظ عليها كل
القوى التقدمية.
ونحن ندرك بعد هذا أو قبل هذا كله أن أي إلهاء لمن يرفع صوته
معارضا مؤتمر مدريد من شأنه أن يضعف المفاوض العربي ويحد من
قدراته ويزيد بالتالي في تعنت العدو وشروطه المجحفة وطلباته
المذلة لأن أبجديات السياسة تعلمنا دائماً أن كل مفاوضات تدار
إنما تكتسب شروط نجاحها من قوة الأطراف المشتركة فيها وأن
السياسي الماهر هو ذلك الذي يفلح في تحقيق الاستفادة من
معارضيه بذات القدر الذي يستفيده من مؤيديه فالصقور عادة ترعى
الحمائم ولاتطعنها من الخلف.
ثمة هدف مبيت إذن، بل مجموعة أهداف يرمي إليها مدبرو العدوان
والمخططون له وما يطرح في الحقيقة ليس أكثر من تبرير ضعيف
لتمرير هذا العدوان فماذا يمكن أن يضاف؟
لكل رأيه، وموقفه الذي تمليه عليه ظروفه ومصالحه وتقديراته
للأمور أما الذي لانراه كليبيين فليس أمامنا في الحقيقة سوى أن
نقف حيث نحن، واضعين في اعتبارنا كل الظروف والملابسات، مصرين
على المطالبة بالتحكيم الدولي مؤملين كل الخير من القوى الحية
في العالم التي أثبتت وجودها وأكدت جدواها في غير ما مرة وفي
أكثر من موقف من المواقف الحرجة.
ونحن نوجه دعوتنا من هذا المنبر القومي التقدمي إلى كل القوى
الديمقراطية في الوطن العربي خاصة والعالم على وجه الخصوص كي
تنتبه إلى هذه المؤامرة وتضعها في حجمها الحقيقي وفي سياقها
التاريخي القائم على توجيه الضربة تلو الضربة لكل شكل من أشكال
القوة العربية لعل الجميع يدرك أن القبول بأي ضربة لابد أن
يفتح الطريق أمام ضربات جديدة، بل ولتنتبه الأنظمة قبل غيرها
أن كل لطمة لابد وأن تلد لطمة أخرى وأن الصمت لا يصنع شيئاً
على الاطلاق.
ورغم أن المظهر العام للأحداث يوحي لأول وهلة أن العالم أصبح
أحادي القوى وأن انهيار الاتحاد السوفييتي قد أعطى كل الأوراق
لأمريكا، إلاّ أن قراءة الأحداث بوعي وملاحقة الوقائع بفطنة
أكثر وأشمل تؤكد بجلاء أن ثمة قوة أخرى بدأت في التحرك مؤثرة
في كل ما يجري قد تكون حركتها في البداية وقد يكون تأثيرها
لايزال ضعيفاً إلاّ أن الأيام علمتنا أن لاشيء مستحيل، وأن
مصالح الدول أبقى من كل التحالفات ومثلما انهار حلف وارسو يمكن
أن ينهار حلف الأطلسي أو يعاد بناؤه على أسس تجعل الولايات
المتحدة الأمريكية شريكا في اللعبة وليس مالكا لها بالكامل كما
تطرح التسوية التي جرت مع الاتحاد السوفييتي.
أجل إن كل متابعة واعية لما يكتب ويذاع في أوروبا واليابان
يوحي بأن أوروبا لم تعد تقبل بالتبعية، بل لقد غدت تسعى بكل
قوة أن يكون الشريك المؤثر ولاسيما في حوض البحر الأبيض
المتوسط، بل إنها في شؤون البحر الأبيض المتوسط لم تعد تقبل
بتدخل الأطراف كما يعبر وزير خارجية فرنسا السابق وغيره من
قادة الرأي في أوروبا.. كما أن المغرب العربي ليتوفر على
إمكانيات جيدة لتحريك الأمور في هذا الاتجاه في هذه الفترة
بالذات .
فهل يمكن أن يتم النظر في المسألة من هذا المنظور ومن قبل
القوى الوطنية الديمقراطية في جميع الساحات المغاربية؟
- نحن نعتقد ذلك ونجزم به ولانتحرج في الإعراب عن جزمنا هذا.
- نحن نعتقد أن القوى الديمقراطية تستطيع أن تدعو لمائدة
مستديرة مع النظراء الأوروبيين ووضع كل الحقائق أمامهم وبحث كل
المشكلات معهم بعيدا عن الصلف الأمريكي القائم على الإدانة
المسبقة، دون الإصغاء لرد الخصم.
- نحن نؤمن أن الأدباء والكتاب المغاربيين خير من يمكن أن
يتقدم هذه القافلة بكل الشرف والمسؤولية، تحت شعارات ثلاثة:
- لا للغزو.
- لا للحصار.
- لا لما سوى التحكيم.
|