عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

 

اذ نعيد نشر هذا المقال للأستاذ ادريس بن الطيب ، نثمن ما حمله من اراء بناءة لا تلغي امكانية الاختلاف بالطبع ونحي في أويـا تبنيها لمثل هذا الخطاب

 

( علامــــــــات )

دعوة للمصالحة الوطنية‮ ‬،‮ ‬أم‮ ‬تفتوفة‮ ‬للتعويض ؟‮!‬

 

إدريس ابن الطيب

 

قـرأت‮ - ‬كما قرأ‮ ‬غيري‮ ‬– الإعلان الصادر عن أمانة اللجنة الشعبية العامة للعدل والذي‮ ‬يدعو إلى تعبئة نماذج سماها الإعلان نماذج‮ ( ‬المصالحة الوطنية‮ ) ‬للحصول على تعويضات مالية لثلاث فئات من السجناء السياسيين هـــي‮ :-‬ المحكومون بالبراءة مع استمرار حجزهم‮ .‬ الذين قضوا مدة إضافية على الحكم الصادر بحقهم‮ .‬ الذين لم‮ ‬يحالوا إلى المحاكمة أي‮ ‬لم‮ ‬يتحصلوا على حق المحاكمة‮ .‬ وقـد سبب هذا الإعلان بعض الارتباك لدى السجناء السابقين من الفئات المختلفة مصحوباً‮ ‬بكم كبير من التفاؤل في‮ ‬حل المشكلة برمتها‮ ‬،‮ ‬وتم تحميله كثيراً‮ ‬من التأويلات التي‮ ‬لا تنطبق عليه وإدخال فئات أخرى لم‮ ‬يشملها الإعلان‮ ‬،‮ ‬بما‮ ‬يعكس‮ ‬– في‮ ‬مجمله‮ ‬– رغبة حقيقية لدى هؤلاء السجناء في‮ ‬تجاوز الماضي‮ ‬بشكل‮ ‬يرضيهم‮ ‬،‮ ‬خاصة وأن ظروف معظمهم المالية ليست على ما‮ ‬يرام‮ .‬

‮ ‬لكنني‮ ‬رأيت في‮ ‬هذا الإعلان رغبة صادقة من أمانة العدل في‮ ‬تنظيم شؤون العدل بما‮ ‬يكفل تطبيق القوانين بصدد هذه الفئات التي‮ ‬انتهكت حقوقها بشكل واضح‮ ‬،‮ ‬لأن مثل هذه الحالات كان‮ ‬يجب ألا توجد أصلاً‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬بلد متحضر‮ ‬،‮ ‬ووقوع الظلم الصارخ على هذه الفئات أمر لا خلاف حوله‮ ‬– فيما‮ ‬يبدو‮ ‬– بين كافة أطراف الدولة‮ ‬الليبية‮ ‬،‮ ‬كما أن تصدي‮ ‬أمانة العدل لتعويض هؤلاء هو عمل تقوم به نيابة عن أجهزة الدولة التي‮ ‬ارتكبت هذه الانتهاكات‮ .‬ والحقيقة أن هذا عمل محمود ومشرف وهام من قبل السيد المستشار مصطفى عبد الجليل أمين العدل الذي‮ ‬يقوم بإدارة شؤون أمانتة عقلية القاضي‮ ‬على عكس‮ ‬غيره من القضاة الذين‮ ‬يديرون جلسات محاكماتهم بعقلية الوزير والسياسي‮ ‬،‮ ‬فلو قام كل أمين في‮ ‬ليبيا‮ " ‬بتنظيف‮ " ‬أمانتة‮ ‬من انتهاكات القانون ومخالفاته لكنا فعلاً‮ ‬نعيش في‮ ‬بلد‮ ‬يسود فيه القانون ولاقتربنا قليلاً‮ ‬من الفردوس الأرضي‮ ‬،‮ ‬ولذلك فأنْ‮ ‬تبدأ بهؤلاء الذين هم ضحايا‮ " ‬عدم تطبيق القانون‮ " ‬أمر له بالغ‮ ‬الدلالة والأهمية‮ .‬ ‮ ‬لكن هذا الإعلان ليست له علاقة بالمصالحة الوطنية إلا بقدر ما‮ ‬يمكن أن تشكل أمانة العدل الجهة الاستشارية‮ ‬لتحقيق المصالحة الوطنية‮ ( ‬العادلة‮ ) ‬،‮ ‬أو اعتبار هذه الخطوة هي‮ " ‬البداية‮ " ‬في‮ ‬مسلسل المصالحة الوطنية الطويل‮ ‬،‮ ‬فالمصالحة الوطنية مصطلح سياسي‮ ‬وليس قضائياً‮ ‬ولذلك فإن على المقبل على التعاطي‮ ‬مع هذا الملف النظر إلى مجموعة كبيرة من العوامل والفئات التي‮ ‬لم‮ ‬يشملها الإعلان المذكور والتي‮ ‬تشمل أعداداً‮ ‬هائلة من الشعب الليبي‮ .‬

‮ ‬إن المصالحة الوطنية لا تقف عند حد تطبيق القوانين وإنما تتجاوزها إلى ضرورة إعادة النظر في‮ ‬مجموعة من التشريعات الجائرة والتعسفية والتي‮ ‬لدينا منها الكثير‮ ‬والتي‮ ‬صدرت على أساس منها إعداد من الأحكام الجائرة‮ ‬،‮ ‬كما أنها لا تقف عند ضمان‮ " ‬حق المحاكمة‮ " ‬وإنما تتجاوزوا إلى ضمان حق المحاكمة‮ ( ‬العادلة‮ ) ‬وهو الأمر الذي‮ ‬لم‮ ‬يتحقق سواء في‮ ‬الأحكام الصادرة عن محكمة الشعب السابقة أو المحاكم الاستثنائية الثورية أو المحاكم التخصصية الحالية بل وحتى بعض الأحكام الصادرة عن محاكم الجنايات خلال عقدي‮ ‬الثمانينيات والتسعينيات والتي‮ ‬تم فيها مخالفة قانون الإجراءات سواء فيما‮ ‬يخص جهات القبض أو جمع الأدلة أو صحة إجراءات التقاضي‮ ‬أو حتى ضمان حق الاستئناف بالطعن في‮ ‬الحكم‮ ‬،‮ ‬ويمكن أن أقدم مثالاً‮ ‬لهذا النوع من القضايا متمثلاً‮ ‬في‮ ‬القضية رقم‮ ‬1978 /40 نيابة أمن الثورة التي‮ ‬أحيلت إلى محكمة الجنايات وأصدرت فيها حكماً‮ ‬بالسجن المؤبد على اثني‮ ‬عشر كاتباً‮ ‬وأديباً‮ ‬رغم عدم تمتع من قام بالقبض بصفة مأمور الضبط القضائي‮ ‬وعدم توفر المحكمة على أية أدلة سوى المضحك منها‮ ‬،‮ ‬وأنا‮ ‬– بهذه المناسبة‮ ‬– أدعو السيد المستشار مصطفى عبد الجليل أمين العدل لإعادة فتح ملف هذه القضية وإعادة محاكمة المتهمين فيها وفق إجراءات قانونية‮ ‬سليمة تضمن تحقيق العدالة‮ .‬ ‮ ‬والمصالحة الوطنية لا تشمل السجناء السابقين والقتلى منهم فقط بل إنها تمتد إلى ضرورة جبر الضرر للذين تضرروا بالتبعية كالأولاد والزوجات والأمهات‮ ‬،‮ ‬ولنا في‮ ‬الحكم الرائع الذي‮ ‬حكم به المستشار مصطفى عبد الجليل في‮ ‬أوائل التسعينيات لمواطن بتعويضه وأمه وزوجته وأولاده خير مثال خاصة مع التسبيب الرائع الذي‮ ‬استند إليه الحكم‮ ‬،‮ ‬وهو بالمناسبة حكم لم‮ ‬ينفذ حتى الآن‮ ‬،‮ ‬كما أنها‮ ‬– أي‮ ‬المصالحة الوطنية‮ ‬– يجب أن تشمل أولئك الذين اضطهدوا بسبب وجود أخ أو قريب سجين أو معارض ومنعوا من استكمال الدراسة أو تقلد الوظائف أو السفر إلى الخارج‮ .
‬وهو الأمر الذي‮ ‬لا علاقة لهم به‮ " ‬فلا تزر وازرة وزر أخرى‮ " .‬ ‮ ‬المصالحة الوطنية من اختصاص السياسيين ولذلك فإن عليهم العمل على إيجاد الصيغة المناسبة والمرضية والعادلة لإعادة اللحمة بين أفراد الشعب الليبي‮ ‬وإزالة الضغائن‮ ‬،‮ ‬وأنا هنا أتوجه إلى المهندس سيف الإسلام القذافي‮ ‬باعتباره على رأس قيادة مشروع ليبيا الغد أن‮ ‬يستجيب إلى الدعوة التي‮ ‬طالما دعونا إليها وهي‮ ‬تنظيم مؤتمر وطني‮ ‬عام للمصالحة الوطنية عبر المصارحة والمكاشفة‮ ‬يشمل الليبيين جميعاً‮ ‬من الداخل والخارج‮ ‬،‮ ‬تشكل له لجنة تحضيرية متنوعة تضع جدول أعماله وتحدد زمان ومكان انعقاده بما‮ ‬يكفل نجاحه في‮ ‬أجواء الشفافية والوضوح والحرص على الوطن وتجاوز الجراح خاصة مع وجود هذا القدر الكبير من الوعي‮ ‬الوطني‮ ‬بأهمية تجاوز‮ ‬الماضي‮ ‬لدى المتضررين وأهمية التأكيد على تجاوزه أيضاً‮ ‬بحرمان كافة السياسات التي‮ ‬أدت إلى هذا الوضع من ممثليها الذين مارسوها عبر إعلانهم التخلي‮ ‬عن تبنيها هذا الدور دون الحاجة إلى الدخول في‮ ‬أ‮ ‬ي‮ ‬صراع‮ ‬شخصي‮ ‬مع أي‮ ‬منهم‮ ‬،‮ ‬واعتقد أن الدولة الليبية الآن لا تواجه أية مصاعب خارجية قد تغلّب الجانب الأمني‮ ‬على حساب الوطن و ثقة الدولة‮ ‬بنفسها وبأطروحتها التي‮ ‬يجب أن تكون واضحة و صريحة هي‮ ‬التي‮ ‬يجب أن تكون الدافع المحرك وراء العمل على انعقاد هذا المؤتمر‮ .‬ ولنترك الجميع‮ ‬يتحدثون بصدق ومسؤولية ومكاشفة حتى‮ ‬يتم الوصول إلى توصيات محددة من هذا المؤتمر بغض النظر عن الزمن الذي‮ ‬يستغرقه‮ ‬،‮ ‬توصيات تكون ملزمة للدولة بشكل خاص ولا‮ ‬يكون مصيرها كمصير الأحكام بالتعويض التي‮ ‬صدرت عن القضاء وترفض الدولة تطبيقها‮ .‬ ولا‮ ‬يمكن لأية مصالحة بطريقة أخرى ملتوية ومبتورة ومعتمدة على سياسة‮ " ‬التفتوفة‮ " ‬إلا أن تترك جيوباً‮ ‬عديدة من‮ ( ‬خرّاج‮ ) ‬الإحساس الفادح بالظلم الذي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتنبأ المرء بتطوراته‮ ‬،‮ ‬وهو أمر لا‮ ‬يفيد أحداً‮ ‬سواءً‮ ‬الدولة أو المواطن‮ ‬المظلوم‮ ‬،‮ ‬فتجاهل أهمية تصفية النفوس سيؤدي‮ ‬– على المدى البعيد‮ ‬– إلى مزيد من التراكم السلبي‮ ‬وانعدام الثقة حتى في‮ ‬مشروع ليبيا الغد برمته‮ ‬،‮ ‬وهو ما سوف‮ ‬يفقد المشروع زخمه الشعبي‮ ‬الذي‮ ‬يحتاج إليه للتوجه نحو المستقبل‮ .‬ والمصالحة الوطنية ليست مجرد دفع أموال مهما كانت طائلة لأشخاص انتهكت حقوقهم بل تشمل ضرورة تحقق القبول والرضا ودون تحقق هذا فلن نصل إلى نتيجة محمودة‮ ‬،‮ ‬كما أن الدولة‮ ‬– باعتبارها خصماً‮ ‬في‮ ‬هذه الحالة‮ ‬– لا‮ ‬يحق لها أن تحدد هي‮ ‬من جانب واحد قيمة التعويضات التي‮ ‬يجب أن تدفعها‮ ‬،‮ ‬بل‮ ‬يجب أن تشكل لجنة محايدة لا تشمل السجناء ولا مسؤولي‮ ‬الدولة لتقدير قيمة التعويضات لكل حالة أو‮ ‬فئة‮ ‬،‮ ‬ويمكن اختيار هذه اللجنة من رجالات القانون الشرفاء‮ ‬،‮ ‬وما أكثرهم في‮ ‬بلادنا‮ .‬ إن المبادرة الهامة التي‮ ‬قامت بها جمعية حقوق الإنسان بمؤسسة القذافي‮ ‬للتنمية برئاسة الأستاذين محمد العلاقي‮ ‬،‮ ‬ومحمد طرنيش بالدخول في‮ ‬الحوار الصريح والمكاشفة والاستماع إلى رأي‮ ‬أسر ضحايا مذبحة بوسليم هي‮ ‬في‮ ‬حقيقتها خطوة‮ ‬غاية في‮ ‬الأهمية‮ ‬،‮ ‬بل أنني‮ ‬اعتبرها‮ " ‬بروفة‮ " ‬لفكرة المؤتمر الوطني‮ ‬العام للمصالحة الوطنية التي‮ ‬أدعو إليها‮ ‬،‮ ‬كل ما في‮ ‬الأمر أن علينا أن نتحلى بمزيد من الشجاعة والثقة في‮ ‬النفس والثقة في‮ ‬الآخرين‮ ‬،‮ ‬إن بناء الثقة هو الخطوة الأولى الأكثر أهمية بين أطراف المصالحة‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬أمر لا‮ ‬يتم إلا بالحوار الذي‮ ‬يتضمن أيضاً‮ ‬تنمية القدرة على الاستماع الصبور‮ .‬ وإنني‮ ‬على ثقة من أنه إذا ما اتجهت الدولة بإجراءاتها الفعلية نحو احترام آلام الضحايا وأُسرهم والاعتراف أمامهم بالأخطاء فسوف تجد منهم كل تقدير وتفهم وحس وطني‮ ‬عميق‮ ‬يتعالى على الخصومة ويعمل من أجل الأجيال القادمة‮ .‬ أما ما عدا ذلك فإنها ستبقى مجرد‮ " ‬تفتوفة‮ " ‬تدخل جيب سجين سابق مفلس قد‮ ‬يعتبرها‮ " ‬بلة ريق‮ " ‬بسبب ظروفه‮ .‬ لكن الهم الوطني‮ ‬العام سيبقى كما هو بانتظار أن نلجأ إلى الطريقة السليمة قبل فوات الأوان .
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية