|
ثقافة المقاومة
والمقاومات الثلاث: العراقية، اللبنانية، والفلسطينية
د. فايز رشيد*
في
البدء كانت الكلمة. ومنذ أن نشأت البشرية، كان من الطبيعي
للإنسان ومن أجل خدمة أهدافه الحياتية، أن يتوق للمقاومة.
مقاومة ظروف الطبيعة ومقاومة الحيوانات الضارية، ومقاومة عوامل
أخرى، وذلك من أجل عيشه.
من هنا، فإن لزومية ما، ارتباط عضوي تاريخي عقلي جمع بين البشر
ومقاومتهم لظاهرة.. قد لا تخضع لانسجامٍ مطلق في غيبيتها بين
الوعي واللاوعي، بين المجرد والملموس، لذا، فإن القطب الآخر..
ألا وهو الانشداد نحو العدالة البشرية من خلال محاولة رفع
الظلم بمقاومة مقترفيه يشكلُ جزءً من الوجود الإنساني الممتد
عبر التاريخ بمختلف مراحله وعصوره.. إن في المشاعية البدائية
أو في مجتمع العبيد.
جاءت الدولة بنزوع الظاهرة القومية لتحل محل الإقطاعية، وتطلب
فائض الإنتاج فيها أسواقاً خارجية في ظل المنافسة بين الدول..
لذا كان من الطبيعي أن تتغير مهمات الدولة ووظائفها وفقاً
للتطور في نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج الرأسمالية. ومع نمو
الرأسمال الصناعي، بدأ التراجع التدريجية لدور الدولة في
العملية الإنتاجية لصالح أرباب العمل. ومع بزوغ فجر الاستعمار
الجديد، جيشت الدولة الجيوش لاحتلال المستعمرات، واستمرت
الطبقات المسيطرة في قهر الطبقات الأخرى، وارتفعت القيمة
الزائدة، وكان النزاع على المصالح بين الدول، وكانت الحروب
المتعددة، وبعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت قوى اقتصادية
عالمية جديدة، صاحبها ثورة تكنولوجية كبيرة، مما أدى إلى إنشاء
شركات عملاقة وعابرة للقارات.
من زاوية ثانية، ومن آدم مروراً بشريعة حمورابي، وبما تضمنته
من العين بالعين والسن بالسن، وصولاً إلى زمننا الحاضر فإن
المجتمعات البشرية، وكرد فعل طبيعي على وجود الشيء ونقيضه
(المستغلين) بكسر الغين، والمستغلين (بفتح الغين) فإن العلاقات
الداخلية اتجهت وفاقاً لقوانين الطبيعة نحو التناقض والتناصر.
في المجتمع العربي ما قبل الإسلام، كان الغزو، ورد الغزو وسط
مظاهر من الجوانب القيمية: الشرف، الدفاع عن النفس...الخ.
ومنذ فجر الإسلام، فإن الثورة في حياة العرب اتخذت بعداً
تنويرياً دينياً، تنظيمياً فكرياً وتاريخياً، ثورة المستضعفين
ضد الكفر، وضد الأغنياء، والمساواة بما تخللها من شعارات، في
الدعوة إلى الحرية والمساواة، الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، الشورى، تقويم اعوجاج الحاكم ولو بالسيف، كلمة الحق
عند سلطان جائر، الجهاد بالكلمة، المعارضة الشرعية في الإسلام
إن بالسلاح أو بالأشكال الأخرى المختلفة، وصولاً إلى داخل
النفس، أي إلى أضعف حلقات الإيمان.
من جانب آخر، فإن حياة السيد المسيح منذ ولادته، ومسيرة حياته،
وفي مراحلها التاريخية المختلفة، تثير الإعجاب والانتباه في
تجسيدها لروح المقاومة.
التاريخ العربي مليء بالغزوات التي اجتاحت امتنا العربية، وكل
احتلال كان يواجه بالمقاومة وطرد المحتلين.
مرحلة جديدة في التاريخ العالمي ابتدأت مع انهيار الاتحاد
السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية، حيث يتحكم في السياسات
الدولية قطب واحد، يحاول أن يرهن العالم لمصالحه وخططه، تعززت
هذه الفترة من التاريخ بأحداث سبتمبر في نيويورك، حيث جرى
استغلالها بشكل بشع.. فمن ليس هو مع أمريكا فهو ضدها، والحرب
على الإرهاب ليست محدودة بمكان أو زمان، والحروب الاستباقية
أصبحت مدخلاً للسيطرة ورسم ملامح العالم من جديد،وابتدأ تصوير
المقاومة المشروعة للشعوب، وبقرارات من الأمم المتحدة بما في
ذلك الحق في استخدام الكفاح، إرهاباً، وتحت شعارات مثل
الدمقرطة والتجاوب مع روح العصر ابتدأ التداخل الأمريكي في
منطقتنا، الذي أصبح يطال كل شيء من الاقتصاد والسياسة والثقافة
إلى المناهج الدراسية وخطب الجمعة في المساجد، (والله يُسْتُر)
فلربما يطال مستقبلاً طرق الزواج والطلاق، وأساليب العيش في
العائلة!
هذه السياسات لصقور الإدارة الأمريكية لم تكن وليدة صدفة.. بل
جرى التنظير لها منذ أوائل السبيعينات، عندما تحدث هنري كسينجر
عن ضرورة تعميم الثقافة الأمريكية، ومن أجل ذلك عقدت معاهد
البحث الإستراتيجية مؤتمرات كثيرة لمناقشة هذا الموضوع، وتُوجت
هذه المحاولات بموضوع نهاية التاريخ لـ فوكوياما وموضوع صراع
حضارات هننغتون، ومن أجل ذلك وفي نهاية حقبة الرئيس كلينتون،
أقرت مجموعة عمل أمريكية تألفت من ستين شخصية دبلوماسية وفكرية
وإستراتيجية ومخابراتية توصيات عمل للرئاسة الأمريكية القادمة،
والتي أفرزت سياسات جورج بوش وإدارته.
منذ أربعينيات القرن الماضي بدأت وكالة المخابرات المركزية
الأمريكية، وتحت شعار بناء كونسيرتيوم (اتحاد) من أجل تحصين
العلم ضد ما كان يسمى بالخطر الشيوعي، ولتنفيذ السياسات
الأمريكية ، في إنشاء الأشكال الثقافية كمدخل للاستهداف
والسيطرة. وأنشأت الصحف والمجلات وقامت بتقديم رشاوى لكتاب
ومثقفين على صعيد العالم أجمع، من أجل هيمنة الثقافة الأمريكية
وتمرير استهدافاتها، وتُوِّج ذلك بولادة المكارثية. وتطور
الأمر وصولاً إلى عام 1991، عندما أعلن الرئيس بوش الأ
الجلوبالية (globolism) أثناء حرب الخليج الثانية، وأعلن أن
آداته الرئيسية لذلك هي منظمة التجارة العالمية، والتي تم
إنشاؤها في عام 1995. ولعل من أفضل الكتب التي استعرضت
الاستهداف الثقافي الأمريكي للعالم، كتاب: الحرب الباردة
الثقافية، للكاتبة الأمريكية فرانسيس ستوندرز.
جاءت ظاهرة العولمة، ليس كوسيلة للتماس والحوار الحضاري، وإنما
كصيغة متوحشة ومتوغلة لتسييد الثقافة الأمريكية – الغربية على
العالم. وبغض النظر عن التعامل مع العولمة كظاهرة حديثة، أو
كظاهرة تاريخية، وفقاً للكاتب رونالد روبارتسون، الذي يراها في
مراحل أربعة: جنينية، نشوئية، انطلاقية، ولا يقينية.. لكنها
جاءت لتمحو الحدود بين الدول، ولكن في اتجاه واحد وليس في
اتجاهين: اتجاه سيطرة الشركات العابرة للقارات والرأسمال
الصناعي الطفيلي على الاقتصاد العالمي، والهيمنة على الدول
النامية، والحيلولة دون انتقال لا الثقافة ولا اقتصاد ولا
ساكني هذه الدول حيث الجنوب الفقير، باتجاه الشمال، الغني.
لعل مفكرينا العرب ومثقفينا يبدأون في مراجعة الماضي وبعض
ظواهر مقولاته من زوايا مختلفة، مثل بعض المفاهيم التي وصلت
حدود اليقين، وكانت تفتي بأن الرأسمالية واصلة إلى حتفها بعد
دخولها المرحلة الإمبريالية! الذي تبين أن الرأسمالية قادرة
مثل (الثعابين) على تجديد جلدها، وجوداً وطرحاً هيمنياً من
خلال وسائل جديدة جناحيها: الاقتصاد، والثقافة، وهما العنوانان
الرئيسيان لمضمون الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الذي تدعو
إليه الولايات المتحدة، شرق أوسط باقتصاد وبثقافة جديدتين،
بعيداً عن تراثه وتاريخه والقوى المؤثرة فيه إنسانياً وحضارةً…
علينا أن نعيد صياغة مفهوم الدولة، بمعناها التقليدي ومهامها
ووظائفها وفقاً لمستجدات العصر، وكذلك صياغة مفهوم (الأمة) ليس
على صعيد التنكر لمضامينها وفقاً للحداثيين، وإنما في محاولة
للانسجام والمواءمة بين الماضي والحاضر، وتثبيتها كمعتقد
يقيني، وتحصينها من أجل صياغة المستقبل.. فحتى البداوة،
وبالرغم من تمجيد فيلسوفنا العربي الكبير ابن خلدون لها
باعتبارها حافظاً للصفات الإنسانية العظيمة، إلا أنها على
قاعدة التأثر والتأثير، لا بد وأن تكون عرضة لبصمات الواقع،
فبالضرورة فإن الواقع هو العامل الأساسي في تحديد الوعي.
على مثقفينا تحرير الاجتهاد من مخاطرة الانغماس في الجديد
الطارئ النافي كلياً أو جزئياً للموروث الثقافي. كما يتوجب
أيضاً على الذات الفردية والمجتمعية الثقافية أن تتأمل التجارب
التاريخية وتحللها بالمعايير المتراكمة في مجرى إدراك الذات
للواقع المعاش، بكافة انكساراته واعوجاجاته، كأحداث طارئة (لا
تؤثر على استقامة القوس) كما يقول ابن عربي.
مررنا في طور من الهزائم السياسية والعسكرية والاقتصادية،
وأصبح روتينياً لدينا أن نرى مشاهد الذبح والاغتيال والاعتقال
والتدمير لشعبنا الفلسطيني على أيدي الجلادين الصهاينة يومياً،
في ظل من التناقص التدريجي للانفعال مع الحدث، وصولاً إلى حدود
التلاشي. وبتنا نشهد استضافة الإسرائيليين على الفضائيات
العربية وكأنها مشاهد عادية… كل ذلك، أتى وسط غزو مفاهيم كثيرة
لقاموسنا العربي من نمط اللا يقين، واللا جدوى، وعبثية
الانتصار على إسرائيل، أو الوقوف أمام بلدوزر العولمة وتيارها
الجارف، واستحالة مقاومة أمريكا أو مجابهتها، وغير ذلك من
المصطلحات التيأيسية. وتهنا في تساؤلات كثيرة مثل: هل هي أزمة
ثقافة أم مثقفين؟ وَضِعْنا في صراعات جانبية ما بين الأصالة
والمعاصرة، والتراث والحداثة.. وغيرها من التساؤلات المشروعة،
ولكن من التي يتوجب أن تُضبَطْ عوامل الصرع فيها.
لم تكن الإشكالية فقط في النظام العربي الرسمي وتقصيراته في
كافة المناحي، وبالتحديد الثقافية.. بل في بُنانا ومؤسساتنا
الفكرية وأحزابنا ونقاباتنا، في إعطاء الجانب الثقافي الجمعي
ما يستحق من اهتمام.. بل في مواقع كثيرة، كادت الكثير من
مؤسساتنا الثقافية المعنية، أن تلحق بالدعوات المتجهة نحو
المزيد من القُطرية، والانغلاق والتنكر للثقافة العربية
الواحدة.. والتي لا تنفي بالضرورة الثقافات الفرعية المشكلة
لها، والتي لا تتناقض معها، بل تغنيها وتؤلّقها.
الجبهة التي ظلّت عصية على الكسر، هي الجبهة الثقافية العربية
لعوامل عديدة أبرزها: أصالتها وامتداد جذورها عميقاً في
التاريخ، بنيتها ونسيجها الإنساني، تنوعها الحضاري، غناها
بالقيم، حرص كثيرين من المثقفين العرب والبنى الثقافية العربية
على صيانة مفهوم وحدة الثقافة العربية، وغيرها من العوامل
بالطبع.. ولأننا بطبيعتنا كبشر وبعفويتنا أيضا… مثقفون، فـ
غراشي يعتبر (أن كل إنسان مثقف، وإن لم تكن الثقافة مهنته، ذلك
أن لكل إنسان رؤية معينة للعالم، وخطاً للسلوك الأخلاقي
والاجتماعي، ومستوى معيناً من المعرفة والإنتاج الفكري).. ولكن
لا يجوز لنا الاتكاء على ذلك ووضع الأيدي في المياه الباردة،
فاجترار الماضي للانتصار على مرارات وهزائم الواقع قد يكفي
لإرواء ظمأ ذاتي بعيداً عن الإحساس بهذا الواقع. إنّ من
مهماتنا الأساسية: تطوير الثقافة العربية من أجل ذاتها، ومن
أجل كونها الرافعة المهمة للانتصار على كل هزائم المجالات
الأخرى.
بعض المثقفين العرب، ينكرون أي وجود للثقافة العربية، والبعض
الآخر يتكئ على متانة هذه الثقافة، وذلك في دعواتهم للتطبيع
الثقافي مع العدو الصهيوني، هذه المسألة، التي فشلت وسقطت،
بفضل جهود غالبية مثقفينا على امتداد وطننا العربي الكبير من
المحيط إلى الخليج.
علينا أن نجتث واقع (الأنا فقط) من ذواتنا. ولأنه (ليس أشكلَ
على الإنسان من الإنسان نفسه مثلما يقول أبو حيان التوحيدي،
فإن من بين مثقفينا من يختزنون في أوساطهم، من هم في حقيقتهم
أكثر قمعاً من أعتى النظم الدكتاتورية شدةً وبأساً.. المقولة
للمفكر العربي محمد عابد الجابري.. وكثيرون من المثقفين أيضاً
هم مثقفو الطبقات الحاكمة.. يرددون ما تقوله السلطات، مثل
(ببغوات) وينقلبون في مواقفهم بالنسبة للقضية الواحدة/
المختلفة في الجغرافيا مائة وثمانين درجة، وفقاً للتوجهات
الرسمية، وآخرون يدعون إلى التغريب الكلي للثقافة!
المثقف هو جزء من مجتمعه، ودور المثقفين لا ينحصر في تعبير
(الفن للفن) وفقاً للفهم الأفلاطوني، إذ أنه ومنذ أرسطو،
ومقالته الشهيرة الفن محاكاة للطبيعة، مروراً بالواقعية
النقدية (بلزاك وفلوبير) وبالواقعية الاشتراكية، وصولاً إلى
المرحلة الراهنة، فإن المثقفين والأدباء وبنسب متفاوتة بين هذه
المدرسة أو تلك، ارتبطوا ويرتبطون في إبداعاتهم، بمدى معايشتهم
للواقع. من حيث إدراكه ومدى التأثير وفيه.. ولعل الجانب الأبرز
في ذلك هو: ثقافة المقاومة.. بمعناها العريض... فهي قانون
الشعب الأزلي في التعامل مع المحتلين ومعتصبي الحقوق، وهي ليست
مجرد ردة فعل عفوية على المستعمر، بل إنها منهج بديل في تصور
التاريخ البشري، لمقاومة الظلم مهما تعددت أشكاله. ومهما كان
شكل المقاومة أولياً وهي التي تعني حرفياً، القتال ضد الاقتحام
الخارجي، والمقاومة الثانوية، أي العقائدية، حين تبذل الجهود
لإعادة تكوين مجتمع محطّم فإن جوهرها يعني: تهيئة طاقات
المجتمع بكافة شرائحه للفعل المقاوم من أجل تحريره من كل ظلم.
المثقفون العرب كانوا دوماً في طليعة أمتهم.. ظلوا يحملون
ماضيهم في أعماقهم ندوباً لجراح مذلة، وتحريضاً باتجاه الفعل،
كجزء من حركة مقاومة شاملة، مثلما يقول ادوارد سعيد.
الرابط بين حركات المقاومة
في كل من فلسطين والعراق ولبنان
بالطبع... فإن كل من المقاومات الثلاث هي أولاً عربية، وهي
مرتبطة شاءت أم أبت ارتباطاً عضوياً ومصيرياً. إنه الربط ما
بين الخاص الوطني والعام القومي من ناحية التأثر والتأثير.
وحتى وإن شاءت إحدى هذه المقاومات الانفصال والتقوقع عن
المقاومتين الأخرتين... فإن الاستهدافات لكل من المقاومات
الثلاث تنطلق من رؤية مشتركة لصالح المخطط الواحد وهو: تهيئة
الأوضاع للشرق الأوسط الجديد (الكبير) بمفهومه الأمريكي -
الإسرائيلي. فإضافة إلى العوامل المشتركة فيما بينها، والتي
تتمثل في مجابهة نفس التحالف الأمريكي - الإسرائيلي، وإلاّ أن
الهجمة على بلدانها تستهدف فيما تستهدفه، الحفاظ على الأمن
الإسرائيلي، وإزالة كل ما يمكن أن يهدد هذا الأمن مستقبلاً من
الطريق، والسيطرة على النفط في العراق، وإزاحة كونه عمقاً
استراتيجياً للكثير من البلدان العربية... لذلك فإن إضعاف أي
من هذه المقاومات، هو بالضرورة إضعاف للأخرتين.. وهو أيضاً
إزالة عقبة من بين ثلاث للنفاذ للمقاومتين، في طريق إضعافهما،
بهدف إزالتهما أيضاً من خلال القضاء عليهما، لتمرير وتنفيذ
المخطط الواسع المتعدد الحلقات.
صحيح أن الواقع الجغرافي لكل من هذه المقاومات مختلف، كذلك هي
الظروف الموضوعية والذاتية لكل منها، إضافة بالطبع إلى اختلاف
الأهداف الإستراتيجية لكل منها، وما يستتبعه ذلك من سياسات
تكتيكية ممارسة.. غير أن كل ذلك لا ينفي الارتباط العضوي فيما
بينها.
لم يكن الغزو الأمريكي للعراق، وكما أثبتت الوقائع من أجل
القضاء فقط على حكم صدام حسين، وبناء الديمقراطية في العراق،
ولا لأنه يمتلك أسلحة دمار شامل، أو لعلاقته مع الإرهاب،
وغيرها من المبررات التي جرى اتخاذها ذرائع لاحتلاله.. بل كان
الهدف كل ما ذكرناه سابقاً من تصور للمنطقة العربية، ضمن مخطط
شمولي للعالم أجمع، إضافة إلى بناء ست قواعد عسكرية أمريكية
دائمة في مناطق مختلفة من الأراضي العراقية، جرى الحديث عنها
علناً من مسؤولي الإدارة الأمريكية.
ولكن وبعد سنوات قليلة مرّت على احتلال العراق، لو تساءلنا: هل
نجحت الإستراتيجية الأمريكية في العراق؟ إن الإجابة الموضوعية
على هذا السؤال تشي بالعكس، فقد فشلت هذه الإستراتيجية فشلاً
ذريعاً، إلى الحد الذي بات فيه الكثيرون يقارنون بين المستنقع
العراقي الذي يغوص فيه الجيش لأمريكي في العراق، والذي لا يبدو
أن له مخرجاً قريباً على المدى المنظور... وبين المستنقع
الفيتنامي، الذي غاص فيه الأمريكيون في ستينيات القرن الماضي.
العراق بعد سنوات قليلة من الغزو الأمريكي لأراضيه يفتقد إلى
الأمن، ويختلط فيه الحابل بالنابل، ويفتقد إلى أدنى المقومات
الحياتية كالماء والكهرباء والنفط وهو بلد النفط. وفي الوقت
الذي يجري التأكيد فيه، على أن الفصائل المختلفة للمقاومة
العراقية، وباتجاهاتها الثلاثة القومية، والدينية، واليسارية،
بعيدة كل البعد عن ممارسة كافة أنواع الإرهاب ضد المواطنين
العراقيين الأبرياء، وبل تقتصر مقاومتها على قوات الاحتلال
وأعوانها.. فقد أثبتت الوقائع أيضا ضلوع المخابرات الأمريكية
والبريطانية والإسرائيلية في القتل العبثي للأبرياء في العراق،
(وكمثال على ذلك أدعو إلى التذكير بحادثة الجنود البريطانيين
الثلاثة في البصرة، والتي اعتقلتهم قوات الجيش العراقي في
البصرة، وبحوزتهم سيارة مملوءة بالمتفجرات، وكانوا يرتدون
ثياباً مدنية. وبعد اعتقالهم بيومين، قامت القوات البريطانية
بعملية عسكرية كبيرة على السجن، حيث يقيمون، واختطفتهم خوفاً
مما ستسفر عنه التحقيقات)! وأيضاً في محاولة إزالة الكفاءات
العراقية القادرة مستقبلاً على النهوض بالعراق، وذلك بقتل
علمائه، وكل من يملك كفاءة كبيرة في تخصصه، في مختلف المجالات.
تحالف الأعداء يحاول في العراق تفتيت وحدة الشعب العراقي، من
خلال تصعيد الخلافات المذهبية والعرقية. وللأسف فإن للأعداء
أعوانهم، الذين ينفذون سياسات تهدف أيضا إلى نزع العراق عن
عروبته وانتمائه التاريخي لأمته، من خلال تقسيم العراق، أياً
كان شكل هذا التقسيم، لكن، كافة الدعوات المتواءمة والمنسجمة
مع المخططات الأمريكية الإسرائيلية الغربية، لن يكتب لها
النجاح في ظل استمرار المقاومة، وهي المتصاعدة يوماً عن يوم
(كما أثبتت الوقائع) والمرشحة أيضاً للتصاعد.
أما بالنسبة للمقاومة الوطنية اللبنانية، فقد أحرزت نصراً
ساحقاً مؤزراً على الكيان الصهيوني، وباعتراف أوساطٍ عسكرية
وسياسية كثيرة فيه، إضافة إلى ما تكتبه الصحافة الإسرائيلية
حول إخفاقات الجيش (الذي لم يكن يُقهر) في عدوانه على الأراضي
اللبنانية.. هذا في الوقت الذي تتحدث فيه الكثير من القوى
والقيادات على الصعيدين المحلي اللبناني والعربي عن (هزيمة)
ساحقة أحاقت بالمقاومة وعمادها: حزب الله.
إن أياً من الأهداف التي وضعتها إسرائيل على جدول أعمالها، لم
تتحقق من حربها النازية على البلد العربي، فلم تستطع القضاء
على حزب الله لا وجوداً ولا تسليحاً، بل خرج الحزب بأقوى من
الصورة التي كان فيها قبل الحرب، وتوسع امتداد جماهيره في
لبنان والدول العربية عرضاً وطولاً. والجنديان الإسرائيليان ما
زالا بحوزته، ولن يطلق سراحهما إلا في صفقة لتبادل الأسرى، يتم
بموجبها إطلاق سراح اللبنانيين وربما بعض الفلسطينيين والعرب
من المحتجزين في السجون الإسرائيلية.
أما بالنسبة لتواجد القوات الدولية على أرض الجنوب اللبناني،
وفقاً لقرار مجلس الأمن (1701)، فإنها كانت متواجدة من الأساس،
الجديد حول هذه النقطة: أن هذه القوات قد جرى توسيعها وزيادة
بعض مهماتها من نمط: منح دخول الأسلحة إلى المقاومة من خلال
الطرق البرية والبحرية.
بدايةً، فإن أي حركة مقاومة، لا تتسلح في العلن، هكذا كان،
وهذا هو الواقع، وهكذا سوف يكون في المستقبل.. فالحركة
المقاومة التي تمكنت من التسلح سابقاً وبسرية مطلقة، ستظل
قادرة على التسلح بطرقها الخاصة.
كذلك، من الجدير ملاحظة أن قرار مجلس الأمن لم يتضمن أي بند
يتيح للقوات الدولية نزع سلاح حزب الله، إن هذا الأمر هو قضية
وطنية لبنانية داخلية، تأتي وفقاً للحوار الوطني اللبناني بين
كافة ألوان الطيف السياسي، وتخضع للاتفاق.. غير أنه وفي المدى
القريب المنظور، وما دام الخطر الإسرائيلي ما يزال ماثلاً على
لبنان، فليس هناك ما يشير إلى إمكانية ترك حزب الله لسلاحه،
وتسليمه إلى أي جهة كانت، وهذا ما أعلنه أمين عام الحزب، سماحة
السيد حسن نصر الله في خطابه في حفل النصر التاريخي الذي أقيم
في بيروت منذ بضع الوقت نقول ذلك وسط مؤشرات متصاعدة نوعاً ما،
في الداخل اللبناني تنزع وتهدف إلى توتير الأجواء على طريق
الاشتباك الداخلي.. ومع استبعاد هذا الأمر على المدى القريب
المنظور، فإننا نؤكد على ما صرّح به الأمين لعام للحزب، من
ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية اللبنانية، وإقامة حكومة وحدة
وطنية، دون استبعاد أي طرف. حرّيٌ بالقول أيضاً.. أن دور الجيش
اللبناني، التابع في قيادته للرئاسة، وفي ظل الرئيس اميل لحود،
هو دور وطني متوائم ومنسجم مع المقاومة في أهمية الدفاع عن
الأراضي اللبنانية أمام الخطر الإسرائيلي، لذا فإن انتشار هذا
الجيش في الجنوب لن يؤثر على قدرة المقاومة في ردع إسرائيل
مستقبلاً.
أما فيما يتعلق بأسباب الحرب الإسرائيلية على لبنان.. فإنه
إضافة إلى صفة العدوانية المستمرة، باعتبارها إحدى المسلّمات
المرتبطة بالوجود الإسرائيلي نفسه، فقد كشفت الأنباء أن هذا
المخطط الأمريكي.. الإسرائيلي قد تم إعداده في واشنطن، قبل
شهور من اختطاف الجنديين الإسرائيليين، وهذا ما كشفه سيمون
هيرش في (النيويوركر)… بل دعونا نقول، أن العناصر الأولى لهذه
الحرب قد تبلورت منذ عام 2000، حينما أجبرت المقاومة اللبنانية
فلول الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من الجنوب اللبناني في ذلك
العام.
أما حول أهداف هذا العدوان فهي أهداف أمريكية – إسرائيلية
مشتركة في محاولة للقضاء على المقاومة اللبنانية، بهدف نزع
لبنان عن عروبته وانتمائه، ليصبح جزءً من خريطة الشرق الأوسط
الجديد. كثيرون من المراقبين تحدثوا عن وحدة هذه الأهداف، إلى
الحد الذي تصاعدت فيها اتهامات كثيرة فحواها.. أن إسرائيل خاضت
حربها العدوانية نيابة عن الولايات المتحدة.
الانتصار الذي حققته المقاومة الوطنية اللبنانية يشكل بداية
مرحلة جديدة في التاريخ الكفاحي العربي، فهو حد فاصل ما بين
مرحلتين، ما قبله … وما بعده. إنها المرة الأولى في تاريخ
الصراع العربي- الصهيوني التي تتمكن فيها حركة مقاومة في بلد
يعتبر صغيراً.. ليس فقط من مقارعة العدو عسكرياً لمدة تزيد عن
الشهر، وإنما في تشكيل قوة موازية رادعة له بوصول صواريخها إلى
مدنه وعمقه، وإجبار ما يزيد على المليون من ساكنيه في النزول
إلى الملاجئ، بنفس الحيوية والروحية المجابهة في الأيام
الأخيرة من القتال كما في أيامه الأولى. إضافة إلى تكبيده
خسائر كبيرة في أرواح جنوده وضباطه ما بين قتيل وجريح، وخسائر
في معداته، وبخاصة تدمير أعداد كبيرة من دباباته الميركافا
(الجبل السائر)، والتي تعتز بها، والتي تعتبر أفضل دبابة في
العالم. وكل ذلك رغم الفارق في موازين القوى، وبوسائل قتالية
بسيطة، مقارنة مع ما يمتلكه العدو من أحدث أنواع الأسلحة
والطائرات، والبوارج الحربية (التي دمّرت المقاومة إحداها –
ساعر-). ولقد حرصت الولايات المتحدة على تزويد إسرائيل
بالأسلحة الجديدة أثناء خلال العدوان من خلال جسر جوي، كان
يربط ما بين واشنطن وتل أبيب عبر لندن، وتنقل من خلاله
الصواريخ والقنابل الذكية والفسفورية والعنقودية والفراغية
وغيرها، من تلك المحرّمة الاستعمال دولياً.
يتوجب النظر إلى الانتصار الذي حققته المقاومة اللبنانية
بمنظار شامل وواسع، فإضافة إلى ما أثبته من قدرة قتالية لدى
مقاتليها (وباعتراف العدو) وقدرة فائقة على التنظيم اللوجستي
للقتال.. فإن مجاهدي المقاومة حوّلوا اختراقات الجيش
الإسرائيلي لأراضي الجنوب اللبناني، ووفقاً لحرب العصابات إلى
جحيم.
للانتصار نتائجه الإستراتيجية أيضاً:
عربياً: لقد نزع المبررات من أمام النظام الرسمي العربي بعدم
القدرة على قتال إسرائيل واستحالة الانتصار عليها. لقد أحيا
روح وثقافة المقاومة والثقة في الذهنية العربية من جديد بعدما
خفت صوتها لفترة غير قليلة نسبياً. لقد أحرج إستراتيجية
(السلام) العربية مع إسرائيل، والمعبّر عنها في مبادرة السلام
المقرّة في قمة بيروت، والذي رفضها شارون في حينها.. وأوضح أن
هذه المبادرة هي هروب إلى الأمام من أجل عدم دفع استحقاقات
الصراع مع العدو الصهيوني.
وفي هذا المجال، حرّي القول، أن ما يسمى باستراتيجية السلام
العربية مع إسرائيل، ليست مبنية على خيار إستراتيجي إسرائيلي
متبني للسلام مع العرب، وبذلك فإن خللاً في توازن الرؤى ما بين
إسرائيل والعرب ما يزال قائماً، وهذا الخلل له تبعاته
وتداعياته، ولعل من أبرزها، ما كان عبّر عنه منذ بضع سنوات
الأستاذ محمد حسنين هيكل في مقالة له فحواها: أن المنطقة مقبلة
على مرحلة من الفوضى الشاملة.. قيمة انتصار المقاومة اللبنانية
أنها حوّلت اتجاه الفوضى المتوقعة إلى مسار المقاومة بمعنييها
العريض والضيّق، الثانوي والرئيسي.
الانتصار الذي حققه حزب الله.. خلق سيلاً كبيراً من الأسئلة
المتعلقة بالصراع، وفتح أبواباً كانت حتى الأمس القريب مغلقة،
من نمط: هل يمكن التعايش مع هكذا دولة (إسرائيل) وصنع أي سلامٍ
معها؟ وخاصة بعد تدميرها الهمجي المنهجي النازي للبنية التحتية
لدولة عربية، وارتكابها لمجازر كبيرة ضد المدنيين. معنى ذلك..
أن الصراع عاد إلى مربعاته الأولى... بعد أن اقتنعت شرائح
كبيرة بين جماهير الأمة العربية بإمكانية صنع (السلام) مع
إسرائيل.
إسرائيلياً: إخفاق إسرائيل في تحقيق أهدافها من العدوان على
لبنان شكّل بداية هزات سياسية وعسكرية فيها، فإضافة إلى إقالة
بعض العسكريين، وتشكيل لجنة تحقيق لبحث هذا الأمر (وبالتأكيد
سيكون لتقرير هذه اللجنة عندما تنشره انعكاسات وتداعيات كبيرة
ومتعددة من حيث مجالاتها المتعددة)، وكذلك انخفاض شعبية حكومة
أولمرت الائتلافية، وإمكانية تصدع الائتلاف القائم، ومطالبة
العديدين من قيادات حزب كاديما، وحزب العمل بإقالة كل من
أولمرت وبيرتس من منصبيهما، هذا يعني إمكانية قيام انشقاقات
وائتلافات جديدة في البنية الحزبية الإسرائيلية. ولعل من أهم
التساؤلات الإستراتيجية التي أثارها انتصار المقاومة، في
الداخل الإسرائيلي.. هو مدى قدرة الجيش على تحقيق الأهداف التي
تضعها على كاهله مجمل البنية الفوقية الإسرائيلية.... ولعل من
المفيد في هذا المجال القول: أن الكاتب الإسرائيلي حاييم بار
فجّر قنبلة كبيرة لن تمر تداعياتها بسهولة عندما ذكر في مقالة
له في صحيفة (يديعوت أحرونوت) بأن رئيس الوزراء الأسبق إسحق
رابين كان مضطراً للموافقة على اتفاقيات أوسلو.. لأنه كان يخشى
من فشل الجيش الإسرائيلي فيما إذا دخل في حرب (مواجهة شاملة)..
بالتالي، فإن تساؤلات إستراتيجية من نمط كيف سيكون مستقبل
الوجود الإسرائيلي برمته في المنطقة؟ قد أخذت تغزو أذهان
الكثيرين في إسرائيل، الذين كانوا يجزمون إلى حد الإيمان بأن
جيش دولتهم لا يمكن قهره، وأن أية مواجهة إسرائيلية مع العرب
هي بالضرورة تعني هزيمتهم (وكأن العرب لا يليقون إلاّ
بالهزيمة!) وبخاصة أن تاريخ الصراع العربي.. الإسرائيلي، أثبت
انتصار إسرائيل في كل حروبها مع النظام الرسمي العربي.
إخفاق إسرائيل في عدوانها على لبنان سيكون له انعكاساته
المباشرة على الاقتصاد الإسرائيلي من حيث المزيد من الإنهاك
بسبب الصراع، ومن حيث التقليل من الموارد السياحية، ومن حيث
الانعكاس على النسيج الاجتماعي.. إن في التقليل من الهجرة
اليهودية إلى إسرائيل، أو في ارتفاع نسب الهجرة المعاكسة منها،
وربما ليس على المدى القريب المنظور سنشهد نمطاً جديداً من
الخطاب السياسي الإسرائيلي.
دولياً: وإضافة إلى وضع عقبة جديدة أمام مشروع الشرق الأوسط
الجديد الذي تريد الولايات المتحدة تحقيقه، فإن الرهان على
حيادية أمريكا في صراعات منطقتنا لا بد وأن تخف وتائره، بعد أن
اتضح وبالملموس مدى الانسجام والتمازج بين التصورات والأهداف
الأمريكية للمنطقة والأخرى الشبيهة الإسرائيلية. كذلك، فإن
الانطباع الذي كان سائداً في الذهنية الإسرائيلية (حتمية هزيمة
العرب) في أية مواجهة مع إسرائيل، هو الذي كان سائداً أيضاً في
الذهنية العالمية، وبالتالي فإن هذا لعب دوراً (ولو جزئياً) في
مضاعفة التأييد الغربي الدائم لإسرائيل، فالعلاقات يتم نسجها
على الدوام مع الطرف الأقوى في الصراع.. ولذلك، وإضافة إلى
عوامل الضعف العربية الأخرى وعوامل القوة الإسرائيلية
والصهيونية، فإنه من المنطق (وفقاً للمنظور الغربي) أن نشهد
تعاطفاً غربياً ودولياً دائماً مع القضايا الإسرائيلية مقارنة
مع القضايا الفلسطينية والعربية. من التداعيات أيضا: احتمالية
أن تشهد منطقتنا العربية هجوماً مكثفاً للحد من فعل المقاومات
الثلاث، وهجوماً دبلوماسياً في محاولة وضع أسس جديدة نسبياً
لمحاولة إيجاد حلول للصراع القائم في المنطقة.. وهنا أيضاً
يمكن القول بأننا سنشهد خطاباً سياسياً دولياً جديدا.
فلسطينياً: فإن انتصار المقاومة الوطنية اللبنانية هو إحياء
ودفعة جديدة لنهج المقاومة في الساحة الفلسطينية، وكذلك بما
يثيره أيضاً من تساؤلات مشروعة كثيرة من نمط: أهمية استنساخ
تجربة المقاومة اللبنانية ولكن بثوبها الفلسطيني وبظروفها
الفلسطينية أيضاً، من حيث (ونؤكد على هذه النقطة منعا
للالتباس) أهمية أعادة النظر في مراحل التجربة الفلسطينية
السابقة، وتحديداً في تمحيص (تهيئة أسباب الانتصار).. وبخاصة
بعد أن وصلت تجربة أوسلو إلى طريق مسدود، وبعد أن اتضحت الآفاق
التي من الممكن أن تقدم عليها إسرائيل في رؤيتها للتسوية،
والتي تتمحور في حكم ذاتي للفلسطينيين منزوعاً من أية سيادة
فعلية.
لبنانياً: الانتصار الذي حققته المقاومة دّق مسماراً جديداً في
نعش الطائفية والمذهبية، فالانتصار ليس انتصاراً شيعياً، بل هو
انتصار لكل الجماهير اللبنانية وللأمة العربية أيضاً ولكل قوى
التقدم التحرر والإنسانية في العالم أجمع، هذا من جانب.. أما
من جانب آخر فإن قوى محلية لبنانية وأخرى عربية.. ودولية
كثيرة، ولأنها انزعجت من هذا الانتصار، ولأنه يجيء ضد مصالحها
السياسية الاقتصادية والطبقية، فإنها ستظل تدق على وتر
الطائفية والمذهبية والمعادلات السياسية المحلية، باعتبارها
مدخلاً ملائماً لها (كما تعتقد) للتبهيت من صورة هذا الانتصار،
بل تحويله إلى هزيمة منكرة ألحقت بلبنان أفدح الأضرار، وأن
الحرب لم تكن سوى حرب إيرانية وبدعم سوري لأهداف إيرانية
وسورية وبأدوات لبنانية، وكذلك التصعيد من لهجة خطابها السياسي
والتركيز على أهمية نزع أسلحة حزب الله! لذا من الطبيعي أن
تشهد الساحة اللبنانية حدةً في التوتر السياسي، ممزوجاً
بمحاولات البعض الوصول إلى الاشتباك الداخلي اللبناني –
اللبناني. لكن في نفس الوقت تدرك هذه القوى صعوبة مواجهة حزب
الله في المرحلة الحالية سياسياً وعسكرياً، ففي الجانب الأول..
فإن امتدادات الحزب بين الجماهير اللبنانية قد زادت طولياً
وعرضياً، أما الجانب الثاني: فدعوني فقط أردد ما قالته وزيرة
خارجية إسرائيل، تسيفي ليفني، من أن من الاستحالة بمكان على أي
جيش في العالم أن ينزع السلاح من حزب الله.
على صعيد المقاومة الفلسطينية.
من الطبيعي وبعد الانتصار الكاسح، الذي حققته المقاومة الوطنية
اللبنانية، أن يتساءل مواطننا الفلسطيني عن الأسباب التي أعاقت
الثورة الفلسطينية عن تحقيق انتصارات شبيهة ملموسة على صعيد
قضيته الوطنية، أو حتى الجنوح نحو الكثير من الإخفاقات، رغم
تضحيات شعبنا الهائلة منذ ما يقارب القرن زمني. عشرات الآلاف
من الشهداء، مئات الآلاف من الجرحى والمصابين بإعاقات دائمة،
عشرات الآلاف من المعتقلين، الآلاف من البيوت التي هدمتها
إسرائيل، مصادرة أراضي، بناء الجدار، قتل واغتيالات يومية،
وعذابات إنسانية كثيرة لا يتحملها بشر. انتفاضتان شعبيتان:
أولى وثانية ما زالت مستمرة وقبل أيام قليلة كانت ذكراها
السادسة، وليس من أفق يبدو للخروج من النفق المظلم! صحيح أن
اختلافات جوهرية تكمن بين المقاومتين اللبنانية والفلسطينية،
إن من حيث طبيعة الأهداف الإستراتيجية لكل منهما، وطبيعة
الرؤية الإستراتيجية الإسرائيلية وما تريده من كل من لبنان
وفلسطين، وهي أهداف مختلفة بالطبع. وكذلك هو التواجد المقاوِمْ
على الأرض وبين صفوف الشعب، ومدى الدعم العربي والإقليمي
ومستوياته لكل من المقاومتين، وحجم التآمر الدولي والعربي على
كل منهما، ووجود الحزب الواحد في لبنان... في ظل تنوع تنظيمي،
إستراتيجي، سياسي، فصائلي في الساحة الفلسطينية، وغيرها من
العوامل التي تضع صعوبات حقيقية أمام مبدأ المقارنة بين
المقاومتين....!
لكن وبموضوعية نقول: أن جوانب أخرى كثيرة مشتركة، تعتبر شروطاً
أساسية للانتصار، ولعل أبرزها: التحديد الإستراتيجي للأهداف،
بناءاً على رؤية موضوعية لطبيعة العدو وإستراتيجيته، مصاحَبة
بثبات إستراتيجي على الهدف، وانتهاج السياسات التكتيكية
المتواءمة مع هذا الهدف، والتي تصب في مجراه ولا تتناقض معه.
الإيمان النظري المعتقدي في تبني الأهداف الإستراتيجية، كيفية
التعامل في الإطارات الداخلية للتنظيم الواحد، وبين التنظيمات،
والأهم كيفية التعامل مع الجماهير باعتبارها الحاضنة الرئيسية
للحركة المقاومة والرافد الأساسي لها، وما يقتضيه ذلك من
مسلكية اجتماعية ومالية، فردية وجماعية لأعضاء هذه الحركة
المقاومة، استغلال عناصر القوة في التعددية، إن من خلال
الاتفاق على برنامج الحد الأدنى من القواسم المشتركة، أو من
خلال إيجاد الصيغ المشتركة لكل مرحلة من المراحل، ووفقاً
للمتطلبات الجيوسياسية فيها وذلك من أجل تجميع وحشد عناصر
القوة ليس على صعيد التنظيمات فحسب، وإنما على صعيد الجماهير
كذلك.. وشروط أخرى من نمط: الخط السياسي السليم، الخط العسكري
السليم، القيادة الجماعية، التماسك القيادي، المحاسبة، الوقفات
النقدية التقييمية، ومحاسبة التقصيرات والمقصرين جماعياً
وفردياً، إحسان استغلال الأموال في الثورة، والربط ما بين
الخاص الوطني والعام القومي، وغير ذلك من الشروط الضرورية
للانتصار!! وأعترف، أنه ومع صعوبة الجمع (في مختلف المجالات
التي جرى ذكرها) بين الفصائل الفلسطينية ورؤاها حول تلك
المواضيع، فلكل منها توجهه المحدد في الإطار المحدد، وفصائلنا
متنوعة – ما شاء الله – من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مروراً
بالاتجاهات الوطنية – القومية.. وكذلك ومع صعوبة تحميل
المسؤولية لكل من الفصائل الفلسطينية، في عدم إنجاز الانتصارات
الملموسة على صعيد القضية الوطنية، بل توجّه المسار نحو
الإخفاقات.. إلا أنه ما زال ينقصنا الكثير من الالتزام الكامل
بشروط ومحددات الانتصار.. وأسوق مثالاً واحداً فقط: رغم التنوع
الفصائلي في التجربة الفيتنامية، من الحزب الشيوعي إلى
المنظمات الدينية المسيحية، إلا أنها ومن خلال جبهة التحرير
الفيتنامية، استطاعت الوصول إلى القواسم والأساليب النضالية
المشتركة، التي مكنتها من إحراز النصر. صحيح أن لفيتنام
ظروفها، ولنا ظروفنا المختلفة بالضرورة، والزمن الحالي غير ذلك
الزمن بمعطياته ومقاييسه والعوامل المؤثرة فيه، لكن البرنامج
الفصائلي الذي تقاد فيه الثورة، وفقاً لمدى تأثير الفصيل
القائد.. متشابه بالضرورة، إضافة إلى غير ذلك من العوامل.
لقد جرّبنا أوسلو، فهل استفدنا من تجربتنا؟ لقد عشنا وما زلنا
نعيش زمن السلطة الوطنية في الأراضي الفلسطينية، فهل استفدنا
من تجربتنا أيضاً؟
البعض في الساحة الفلسطينية ما زال يعتقد بصحة نهج أوسلو.. رغم
إعلان شارون وفاتها، ورغم اللاءات الخمس الإسرائيلية، لحق
العودة، وللانسحاب من القدس، وللانسحاب من مستعمرات الضفة
الغربية، ولإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي التي
جرى احتلالها في عام 1967، ولأي نوع من السيادة الفلسطينية على
البحر والجو وما تحت الأرض! ومع شرط جديد أضافته إسرائيل، وهو
التواجد العسكري في غور الأردن، وإحياء أولمرت لـ (لا)
إسرائيلية، للانسحاب من أرض الجولان العربية السورية.
القوى المتنفذة في منظمة التحرير وفي السلطة (فيما بعد) وبعض
فصائل اليسار الفلسطيني اعتقدت وبتوقيعها اتفاقيات أوسلو، أنها
في الطريق إلى الدولة المستقلة، واعتقدت هذه القوى اليسارية،
أنها أنجزت مرحلة التحرر الوطني، لصالح مرحلة التحرر الوطني
الديمقراطي.. لكن النتائج جاءت معاكسة لهذه التوقعات!!
وبدلاً من نهج القيادة الجماعية والالتزام بالبرنامج الوطني..
رأينا استئثاراً في المنظمة من قبل الفصيل الواحد بمؤسساتها
وكافة الهيئات التابعة لها، وبالمناصب الحيوية المؤثرة فيها،
وبأموالها وبإعلامها، وبدلاً من أن يكون تشكيل السلطة عاملاً
مساعداً لشعبنا في صموده لتحقيق أهدافه الوطنية، في العودة
وتقرير المصير، وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة،
وعاصمتها القدس.. رأينا بنىً لأجهزة أمنية كثيرة، وكماً هائلاً
من العقداء والعمداء وما يزيد على مئة ألف من الموظفين. ورأينا
مظاهر للفساد وللمحسوبية والإثراء غير المشروع، وحصصاً مفروضة
على أي استثمار يأتي من الخارج للمناطق الفلسطينية.. وشهدنا
إنشاء الشركات المشتركة مع الإسرائيليين وغيرها، وغيرها من
المسلكيات الخاطئة، التي ألحقت أفدح الأضرار بشعبنا وبقضيته
الوطنية.... وبدلاً من إصلاح م.ت.ف وإعادة صياغتها على أسس
جديدة ووفقاً للمستجدات باعتبارها، الصيغة الجامعة بين
فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الشتات، والصيغة التنظيمية الجامعة
أيضاً للفصائل، رأينا استهتاراً بها وتهميشاً لنفوذها وما يشبه
التجميد لفعل مؤسساتها، بل جرى النظر إلى السلطة باعتبارها
بديلاً للمنظمة.
يأتي كل ذلك وسط حصار أمريكي – إسرائيلي – دولي خانق تعيشه
جماهيرنا في الضفة الغربية وقطاع غزة، عقاباً لها على خيارها
الديمقراطي في الانتخابات التشريعية الأخيرة، ووسط إشكالات
حياتية صعبة يعيشها شعبنا.. يأتي كل ذلك وسط اشتراطات وضعتها
الولايات المتحدة بالتناغم مع إسرائيل لتشكيل حكومة وحدة وطنية
فلسطينية، ووسط استقطابات وعوامل جذب وشد محلية بين أكبر
تنظيمين فلسطينيين.. حيث أصبحت حكومة الوحدة الوطنية.. (حتى
ظروف اللحظة) مسألة بعيدة المنال.
لم أحاول أن أرسم صورة مأساوية لواقعنا... بالقدر الذي حاولت
فيه تصوير الواقع. ولكن ورغم كل ما سبق، فإن شعبنا تمكن من
تحقيق منجزات كثيرة، أبرزها: هويته الوطنية، فبدلاً من شعب
اللاجئين المحتاجين إلى مساعدات دولية إنسانية، أصبحنا شعباً
له حقوق وطنية مثل باقي الشعوب الأخرى. أنجزنا منظمة التحرير
الفلسطينية كإطار جامع لجناحيْ شعبنا في الداخل والخارج، صمدنا
في وجه الكثير من المؤامرات التي كانت تستهدف ثورتنا وجوداً
ومضموناً، مارسنا الكفاح الوطني المسلح وكافة أشكال النضال
الشعبي الأخرى، إلى الحد الذي شكلت فيه مقاومتنا نوعاً من
توازن الردع مع إسرائيل، وانتقل مركز النقل الفلسطيني إلى
الداخل بين صفوف جماهيرنا وشعبنا.. ومازالت مقاومتنا مستمرة،
فرضنا على العدو الصهيوني التراجع عن مشروع دولته الكبرى (من
النيل إلى الفرات)، وكذلك تفكيك مستوطناته في القطاع.. وأدْنا
الكثير من المخططات التي تستهدف الاقتتال الداخلي الفلسطيني –
الفلسطيني.. وما زلنا مستمرون!
ربما يقول البعض، أن بعضاً من هذا الإنجازات، كالدخول إلى
الوطن جاء بفضل أوسلو، وكان ثمنه كبيراً.. لكن أيّاً كانت
الطريقة، فمن حق أبناء شعبنا العودة إلى وطنهم، هذا عدا عن أن
اتفاقيات أوسلو قد ماتت، وفقاً لما تقوله إسرائيل ووفقاً
للواقع أيضاً.
وقد يقولون.. إنه ورغم تفكيك المستوطنات من قطاع غزة... لكنه
أصبح سجناً كبيراً.. معابره بأيدي إسرائيل، ولكن، من الذي يقول
بأن ثورتنا انتهت؟ إنها متواصلة ومستمرة حتى تحقيق أهداف شعبنا
الوطنية.
مقاومتنا الباسلة ورغم كل ما يواجهها من مؤامرات، قادرة على
الخروج من النفق، قادرة على إرجاع البوصلة لتأخذ اتجاهها
الصحيح.
|