|
بعض ما يجب ان يقال عن جائزة الفاتح
بقلم/ أمين مازن
كنت في مختتم هذه السنة التي لم
ينقض على إنسلاخها من أعمارنا سوى أسبوع واحد، بين الذين شملهم
تكريم جائزة الفاتح للآداب والفنون، إذ رؤي أن يكون مكان
الاحتفال في مدينة الزاوية وفضائها الجديد المتمثل في البيت
الثقافي أي المنجز الذي دشن بحضور أمين اللجنة الشعبية- قبل
احتفال توزيع الجائزة بيوم واحد، وقد كان من الأجدر أن يكون
الاحتفال موحدا، كسبا للوقت وزيادة في التعبير عن الاهتمام
الرسمي مادمنا قد اعتبرنا إسناد الجائزة ضربا من ضروب التكريم،
خاصة وأنها قد بُعثت بعد غياب طويل وأخذ وردًّ وأطول، حتى لقد
تصور الكثيرون أنها صارت في حكم الماضي الذي لن يعود.
من
جهة أخرى، وعلى الصعيد الشخصي، لي مع التكريم قصة طويلة، أرى
أن دواعي الحرص على إنعاش الذاكرة تدفعني لكي أتحدث عن المتيسر
من تفاصيلها، خاصة وأنها قد تزامنت مع تخطي الثانية والسبعين
من العمر "25-12-2009" ولم يعد لديّ- بحكم العمر- ما يجبرني
على إخفاء أي معلومة ولا من الطموح ما يفرض الامتناع عن أي
شهوة عسى أن يكون في ذلك بإلقاء المزيد من الأضواء ولا سيما
حول تاريخنا الثقافي، الذي عرف التكريم في أوائل السبعينيات
الماضية عندما استحدث عيد العلم عن طريق الإدارة العامة
للإرشاد القومي، فشمل التكريم مجموعة من الكتاب اقتضى تقدير
القائمين عليه والمشاركين في المشورة حوله من الأدباء ألاّ
أكون من بينهم إذ تم الخلط بين الخروج من منصب مدير المطبوعات
وبالتالي قطاع الإعلام والثقافة وبين هذا الذي جرى بصدد
الماضي، ويومئذ لم أبادر بأي ردة فعل تجاه التجاهل الجائر
وإنما كتبت عنه على صفحات جريدة الثورة مكبراً التوجه داعيا
إلى المحافظة عليه والعمل على استمراره وبالضرورة تطويره إذ
كان يقينى إنما يبقى من المثقف إنتاجه ومواقفه وأن مردود
الثورات الوطنية وفي بداياتها بالذات كثيرا ما يذهب إلى كل من
لا يستحق ونحن شئنا أم أبينا جزء من تلك التجربة العربية
الكبيرة، وليس أمامنا إلا التعامل طبقا لهذه القاعدة.
لقد مضيت في ذلك الزمن الذي أصبح اليوم بعيدا بعض الشيء نحو
الأبقى المتمثل في الكتابة وإذ كان المتاح للنشر ليس في مستوى
الطموح كان البديل متمثلا في المجال الأدبي وبالتحديد النقد،
فكان الاقتراب الصارم من بعض الأعمال الرائدة وللأسماء الرائدة
من أمثال المصراتي
والقويري
والفزاني وكانت متابعة الكثير من الأسماء الجديدة، وهو مشوار
لم تؤثر فيه الكثير من الهزات بما فيها تجاوزات سنة ٧٣ التي
تلتها كتابات أكثر اصطداما وأكبر وضوحاً يحضرني منها تناول
منهج المرحوم الصادق النيهوم وبعض كتابات الأستاذ الكوني،
لتستمر بعد ذلك الأيام وتتوالى الإسهامات، يختفي من يختفي من
جاءت بهم الصدف ومن حركتهم الطموحات الفردية ومن شجعهم خلل
الموازين، وتتوالى كذلك الصعوبات التي طالت أجيالا أخرى، وكنت
على الصعيد الشخصي وفي إطار المتاح دائم الحضور والحرص على
الخروج بأقل الخسائر ولاسيما بعد زوال أو تفاؤل بعض العراقيل
ووجود أكثر من فضاء كان أقواها وأكبرها اتساعا فضاء الإذاعة
التي احتفظ لمن توالوا على إدارتها بالكثير من الاحترام مما
أمكن في وقت لاحق إصداره في الكتب وبعضه الآخر مايزال في مختلف
الدوريات شأن ما كان موجودا قبل سبتمبر وتم تجاهله في عيد
العلم الذي أشرت إليه منذ قليل، وإن كانت شبكة المعلومات
الدولية التي استحدثت أخيراً، وأدرك الكثيرون أهميتها وقدرتها
على التواصل وسد النقص ومقاومة كل من قد تسول له نفسه إمكانية
الحجر على الآخرين أو كنت من بين الذين أدركوا جدواها وتواصلوا
عن طريقها" أقول يسرت إعادة نشر كل ما لم يصدر في كتب وهو ما
فعلته حول الكثير مما تمكنت من إنجازه ومازالت المحاولة مستمرة
وربما تطول بعض الشيء.
والحقيقة
أن الثورة وفي مستوياتها العليا بالذات لم تكن بعيدة عن إدراك
الكثير من المفارقات التي رافقت رحلة الثقافة، وما أفلح في
تمريره البعض من الخلط بين العجز عن المنافسة واللجوء إلى
افتعال المخاطر المتصلة بالخيارات، بل وتضخيم بعض الصراعات
الشخصية إلى مستوى المصلحة العامة فكان أن عمدت بين الحين
والآخر إلى إيجاد بعض الفضاءات الكفيلة بايجاد مناخ أكثر
ملاءمة للتعبير والتحرير أهمها بدون شك تأسيس اتحاد الأدباء
والكتاب الليبيين في النصف الثاني من حقبة السبعينيات والتطلع
نحو استضافة المؤتمر الحادي عشر للأباء والكتاب العرب وما
اقتضاه من وجود كيان خاص بالأدباء والكتاب العرب وبوجود
الأسماء غير المجهولة عربيا فكان أن شكلت اللجنة التنفيذية
لذلك الاتحاد في جو من الحرية سمح بترجيح هذا الخيار "وكنت
شخصيا من بين أعضاء هذه اللجنة مكلفا بشؤون النشاط الثقافي"
وقد حدث ذلك بالرغم من ارتفاع الكثير من الأصوات التي شككت في
شرعية وجود اتحاد للأدباء والكتاب مع أن الكتابة ليست حرفة!
وهو الموقف الذي امتد إلى الرابطة ولكن الثورة ممثلة في
قيادتها كانت دائما متنبهة وبقدر ما سمح به الوقت والتفرغ،
فحرصت دائما على تخصيص شيء من الوقت للقاء بعدد من الكتاب
والتحاور معهم بما في ذلك ما قيل وربما ظهر عن ملامح صعوباتهم
الفكرية، مما جعل من رابطة الأدباء والكتاب في وقت لاحق مؤسسة
ذات حضور مميز وخطاب قائم على الخصوصية، وأداء لا صلة له
بالكثير من مراكز القوى وبالذات عند انبعاث فكرة التكريم عقب
هدم السجون وكذلك إنشاء جائزة الفاتح للآدب والفنون، حيث أسهمت
في الكثير من مجريات الأمور ولاسيما ما يتعلق بهذه الجائزة
التي شاركت في إسنادها مرتين إلى جانب بعض الزملاء يحضرني منهم
الدكتور محمد أوريث ثم الدكتور علي خشيم "وقد تعذر منحه
الجائزة المذكورة" وكان منطق الأشياء يقتضى أن أكون بين من
أسندت إليهم الجائزة في الدورة الثالثة، خاصة وأن أمانة
الثقافة كانت حيث هي ولكن الحسابات اختلفت والتقديرات تداخلت
وفي النهاية الغي القطاع وتوقفت الجائزة وجرت أحداث كثيرة،
منها بعض ما لحقني شخصيا ولم أعبأ به إذ حسمت الثورة، ممثلة في
شخص قائدها ما تكفل بوضع حد للكثير مما خطط، فكان له في فضاء
مؤسسة الصحافة وصحيفة الشمس برئاسة بلقاسم صميدة ومواقف أمانة
الشؤون الخارجية بمؤتمر الشعب عبد الرحمن شلقم أولا وسليمان
الشحومي ثانيا فضلا عن مدير مركز الكتاب الأخضر الرماح الجرد
عبد الله عثمان" حيث توفرت فرص النشر فضلا عن المشاركة في
الكثير من اللقاءات ذات الخصوصية في الخطاب والموضوع، كانت
الرحلة طويلة ومليئة بالتجارب والأحداث مما قد نفصل في كتابات
لاحقة ربما على النحو الذي تم في الفترة الماضية على صفحات
"أويا" ومن ضمن ذلك ما نشر حول التكريم وحول جائزة الفاتح مما
شكل تقاطعاً مع بعض الأطراف التي لم تستطع الارتفاع إلى مستوى
المرحلة وما تشهده من مستجدات ، وما غدا ينتج عن فقد الأداء من
الأدلة الحية على مستوى التعاطي مع استحقاقات العصر ليأتي
الإعلان عن إسناد الجائزة لمن أسندت إليهم ، حيث وضع حد للتوقف
والقيل والقال بل وتأكد أن الإصرار على المواقف الجادة لايؤدي
- كما يتصور البعض - إلى الإقصاء فكان أن قبلت شخصياً الحديث
باسم المكرمين فأذكر شيئاً من المعلومات حول رحلتها الطويلة
وأشير إلى أن التوقف الذي قيل أنه قد دام عشر سنوات هو الذي
جعل العدد يصل إلى هذا الرقم فقرار إنشائها حدد العدد في ثلاثة
أشخاص وفي الجانب الإبداعي تحديداً أي الفن والأدب ولا مجال
لما عداهما وثمة محظورات أخرى لا أدري إلى أي حد روعيت وما إذا
كانت معروفة لدى المسؤولين أم لا ولا سيما من حيث تحديد معنى
الإبداع بالذات وإذا كان الاختيار في مجمله لم يكن بمنأى عن
التوفيق ، فإن القليل لا يمكن القبول به ويتعذر تنزيهه عن
الفرضية سواء من حيث المجالات التي اتجهت من أجل الذين أسندت
لهم أو من حيث الأشخاص ذاتهم إذ يوجد من هو أحق ، إذ لو وجدت
الدراسة الحقيقية والنظرة الفاحصة والمشورة المسؤولة لما حدث
ذلك ، وقد تأكد لي أكثر من ذي قبل أن بعض من حذرت منه وما
طالبت به كان في محله وأن استبعاد الكثيرين من المشورة بحجة
أنهم ضد المرشحين لا ينهض حجة ، فثمة من يعتبر وجودهم من تحصيل
الحاصل وليس في إمكان أحد أن يستبعدهم ثم إن المشورة يمكن أن
تكون حول مجالات أخرى غير تلك التي يعتبرون من المدفوع بهم
نحوها.
لقد قصرت كلمتي الموجزة التي ألقيتها باسم المكرمين على تحية
القيادة والعهد الأكيد بمواصلة الطريق الذي أمكن سلوكه ، وأريد
أن أكرر هنا أن هذا القول لا يصدر عن مجاملة متكلفة ولا هو
كذلك من قبيل ما اعتاد البعض قوله ربما دون أن يعنوه ولكنه
نتاج هذه المرحلة الطويلة التي اتسمت دائماً بالمسؤولية وثمة
فترة زمنية منها كانت في خطة القرار الثقافي ، خرجت بحصيلة
مفادها أن كلمة الصدق تجد طريقها إلى الإصغاء وإلى الاحترام
الكبير ولطالما شهدت بها في محافل كثيرة وعلى مرآى ومسمع من
أشهر المثقفين العرب الذين لم يخفوا تقديرهم لها وربما صاعفت
مما أمكن الظفر به من التقدير الشخصي ، وإذا كانت الجائزة قد
وجدت بما لايدع مجالاً للشك زوال كل ما راهن عليه أو توهمه
الكثيرون من إمكانية الإقصاء ، فإن الذي ينبغي أن يكون واضحاً
إذ أي إسناد في غير محله فهو من مسؤولية الجهات التنفيذية دون
غيرها وإذا كانت القيمة المالية - كما قلت في حينه - لم تعد
ذات شيء يذكر سواء من حيث النظائر العربية أو ما تنفق الدولة
والتي كان آخرها ما أعلن عنه بصدد الجائزة التي جمعت اسم
القائد وأسندت لأحد الأشقاء العرب وهو ليس أفضل من الكثير من
المثقفين الليبيين الذين كابدوا هذا الفارق ، فإن المطلوب الآن
من القطاع الثقافي وربما السلط الأكبر ضرورة إيجاد الملاك الذي
تتم بواسطته ممارسة المسؤولية الناتجة عن الجائزة والمتعلقة
بمنحها مستقبلاً وما يمليه الاستعداد من المراجعة والقراءة
والاطلاع فحين لا يكون للمرء مطمع من المطامع فإن رأيه يكون
أكثر نضجاً ونصحه أكثر صدقاً إذا لم يعد يرجو المساعدة من أحد
، فإذا ما وضعت القواعد اللازمة والضوابط الصريحة فإن الجدوى
ستكون أكبر ، وليس هذا في النهاية ليس كل ما يقال فمازال هناك
الكثير.
|