عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

 مقالات

 

‬من الخميس إلى الخميس

 

كل من يتابع ما يضطرم في حياتنا هذه الأيام من حراك في عديد المجالات ، لابد أن يلفت نظره هذا التناسل اللافت في الجمعيات التي يعلن عن قيامها بين الحين والآخر. عن انصار هذا الشأن أو ذاك مما يفترض أنه من مشمولات الجميع وموضع إجماع الجميع وليس من مسؤوليات البعض وموضع اعتراض من البعض الآخر . ولايكاد يمر يوم من الأيام إلا وتعلن وسائل الإعلام من إذاعة ونشر عن إشهار هذه الجمعيات واختيار أمانتها ودعوة الآخرين إلى الانضمام إليها،كما لو أن هؤلاء الآخرين ممن لاتكتسب هذه الجمعيات مبررات وجودها بدونهم: ليس من حقهم أن يحضروا إجراءات تأسيسها وتنصيب وصوغ البيانات وقبل ذلك إعداد البرامج .
أو أن هذا الذي يتأسس يمكن أن يدخل في عداد المشروعات التجارية والشركات المساهمة التي كثيراً ما يصار إلى تأسيسها من مجموعات محدودة يتم انتقاؤها في أحيان كثيرة بمواصفات خاصة لاكتساب مشروعية التأسيس ومن ثم عرض الأسهم للاكتتاب للتخلص من شائبة الاحتكار التي كثيراً ما طالت مختلف الأنشطة ذات النفع المادي.
وإذا كانت هذه الأخيرة تتعلق بمصالح تجارية محددة وخبرة ومواصفات قد يتعذر الأحتكام إليها في اختيار الكوادر المسيرة،حين يكون الاجتماع موسعاً،ففضلت الأطراف المأذونة أن تقر هذه الكيفية عند التأسيس على اعتبار أن ذوي المصالح يحتاجون إلى ضمانات من شأنها توفير حرية الحركة والحذر من المزالق التي كثيراً ما يؤدي إليها التوسع غير المحكوم،وأن توفير هذا الأسلوب من شأنه أن يسمح لهذه المناشط أن تنمو من أقصر الطرق وأن بعض المصالح الصغيرة التي تشكل العائق الذي يخشى من على مصلحة العمل ، بقدر ما يمكن أن توفر الحافز الذي يضاعف من النشاط ويدعو إلى بذل الكثير من الجهد ومواصلة العطاء جراء الخبرة المتوفرة والتي لاتستقطب وتشجع بدون هذا الأسلوب فلاشك في أن الأمر لن يكون صائباً بالنسبة للجمعيات الأهلية ، وعلى الأخص تلك المتصلة بالشأن الثقافي أو الشأن العام بالعموم،بالنظر إلى ما يسود الحياة من عزوف ملحوظ عن العمل العام وحذر واضح لدى الكثير من الفعاليات المقتدرة من أن تكون ليست موضع ترحيب وربما ثقة فتوثر أن تفسح المجال لغيرها وتحرص على الدوام أن تظل بعيدة عن أي موقع من المواقع الأمامية ، فمن الصعوبة والحالة هذه أن يجد المرء المبرر الكافي لهذه الوضعية القائمة على المباغتة والسرية في تشكيل هذا النوع من الجمعيات ، والإعلان عن اكتمال شروطها وبهذا العدد المحدود من أولئك المثقلين بأكثر من مسؤولية والمكلفين بأكثر من مرفق ، الأمر الذي يجعل الجزم باستحالة وجود المردود الجيد من أبسط الأمور،لأن التجارب اثبتت عبر التاريخ أن تعدد الاهتمامات أو المسؤوليات لا يؤدي إلا إلى الاخفاق فيها كاملة .
أما إذا أضفنا إلى ذلك ما نعرفه عن عدم حماس الكثير من الأطراف لما قدم إليها من مبادرات حول بعض الجمعيات ذات الصلة بالهواايات كاصدقاء الكتاب مثلاً والتي حيل دون إشهارها، تبين لنا بالطبع أن الأمور لايمكن أن تكون بهذه البراءة ، بقدر ما تشي بجملة من الاحتياطات البديلة أو الاستباقات الخاصة إزاء جملة من التوقعات المنتظرة ، تلك التي ليس خارجها ما درج عليه الخطاب الثوري من إدانة لمستويات الأداء من طرف الأجهزة التنفيذية، وما اثبتته التجربة من ضعف الرقابة وبالأحرى انعدامها حتى أن البديل عن ذلك صار يتجه إلى انسحاب الدولة عن مسؤولية الخدمات وترك المواطن يواجه مسؤولياته بنفسه ، وهو توجه ينطوي على الكثير من المخاطرة والكثير من التضحية لصالح الأغلبية غير المنظمة وغير القادرة وغير المؤهلة للإضطلاع بهذه المسؤولية ، والتي ليس أمامها إلا أن تسرق عن طريق الشطار والأذكياء المتربصين دوماً لكل متغير من المتغيرات والقادرين على حسن استثماره لمصالحهم الحقيقية،على خلفية أن الأمر لن يكلفهم سوى إظهار التأييد ، والتأييد ليس غير ذلك يعني أن هذا النوع من الجمعيات، وبمقتضى هذه الحسابات،يمكن أن تؤول إليه بعض الصلاحيات فوجب أن نكون على هذا النحو من الحيطة والانتقائية: أن القوم جاهزون للنهوض بأي مهمة منتظرة، إذ قد توفر اإخلاص باتباع هذا الأسلوب،وحيل بين كل من قد تتوق نفسه للمشاركة وإثبات مالديه من القدرات،والأمر لايكلف شيئاً يذكر فالبيانات التي تعقب التأسيس جاهزة لكثرة ما صيغت وأعيدت والتوصيات هي الأخرى في المتناول والأخطار الموهومة لاتحتاج لأي دليل.
ونرى أن طبيعة المستجدات المعاشة والاشتراطات الملحة ومقولات الشفافية التي صارت المسلك السائد هذه الأيام،تقتضي أن نهمس في آذان الأعزاء من قومنا أن هذا الذي يذهبون إليه ليس بأي حال من الأحوال وليس إلا تكرارا لممارسات جربت وثبت عجزها عن تحقيق أي مردود يذكر ، فمن طبيعة العمل الجمعوي أن يكون واضحاً ومعلناً ومتاحاً للجميع ، وأن تجديد الواجهات شرط لامهرب منه ولاغنى عنه بصدده، وكل محاولة لاتصب في ذات التوجه لن يكون لها من مآل سوى الفشل الذريع نعم أن الصيغ الجديدة لايمكن أن تتأتى من خلال الكوادر القديمة ، وطبيعة الحياة تعني أن من ارتبط  بسياسة من السياسات فلابد أن يفسح المجال لمن سواه عند التفكير في إحداث مستجد من المستجدات .

وكم يكون جميلاً لو يدرك هؤلاء الذين لايسأمون من تفريخ هذا النوع من الجمعيات أن ما يقابلهم به البعض من المناقشة أو حتى الاعتراض ليس إلا لوجود بقية من القدرة على المساهمة في العمل ، العام وإلا فإن الانضمام إلى صفوف المتفرجين أفضل بكثر من اتعاب المحاولة وما قد ينتج عنها من سوء الفهم وإضاعة الوقت في محاولة فيها فرص النجاح فيها شبه معدومة .

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية