عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

هنا من طرابلس.. وهناك من الخليج

 

لم تكن صورة طرابلس مخالفة لما تحمل ذاكرتي، وأنا أحل بها في النصف الأول من حقبة الخمسينيات من القرن الماضي، وأنا اليافع الذي لم يتجاوز فترة المراهقة كما يجمع أكثر الدراسين منذ كنت أعرف أنها مدينة تختلف كل الاختلاف عن ذلك الواقع الذي نشأت فيه أن تكون أحوال العمران تمثل بعض علاماته فلاشك أن حركة المجتمع تمثل الفارق الأكبر، فقد علمنا أن بطرابلس جماهير تتحرك عند اللزوم وأن هذه الجماهير حين يلهبها الحماس فلا تتردد في حمل كل من يفلح في التجاوب مع مطالبها ويجيد التعبير عن ذلك على أعناقها وأنها أي الجماهير الطرابلسية تقدر مواقف الناس بأكثر مما تحتكم إلى أصولهم العرقية، كنا نعرف الكثير من الأسماء التي مثلت فرق طرابلس الرياضية وكذلك القيادات النقابية وحتى السياسية وأن هناك جملة من التنظيمات التي تبنت مطالب الاستقلال والوحدة ولم تقبل بالنظام الاتحادي وكذلك المعاهدات الأجنبية التي رأى البعض أنها ضرورية وقال آخرون إنها يمكن أن ترفض ورغم أن الفترة كانت يومئذ فترة الكمون الذي نتج عن سير الأمور على غير ماقدرت بعض القيادات السياسية، كما أن ضغط الحاجة وبداية التراجعات قد مكنت يومئذ لتوجهها ذاك أن يكتسب الكثير من الأنصار، إلاّ أن وهج المدينة وبقايا الذاكرة وحتى بعض المتفائلين كان يعطي لطرابلس تلك الأهمية التي لاتوجد لغيرها من المدن بل لعل بعض الأهل كانوا يدركون الكثير من هذه الحقائق فكان أن زينوا لدنيا خيار المدينة لنختار في مرحلة سابقة أن نخترق صفوفها عن طريق تلك المؤسسات التي مالبثت أن باشرت تحركها متبنية الترحيب بالأجيال الجديدة من شباب ذلك الزمان سواء أولئك الذين بدأوا رحلتهم العملية في مجال التدريس وفضاء رابطة المعلمين أو الذين شرعوا في التحرك أثناء العطلة الصيفية وهم يعودون من دراستهم بالخارج فلم يكتفوا بما تلقوا بواسطة أساتذتهم والمقرر في مناهجهم.. وإنما أضافوا إلى ذلك ما اكتسبوا من العارف الجديدة والأفكار الجديدة ينتج عن ذلك كله طرح المزيد من الأسئلة والمزيد من المعاناة حول الواقع المعايش وناتجه الاجتماعي وماعساه يكون أكثر جدوى لمعالجة المشكلات العالقة والصعوبات المسيطرة فلماذا الانغماس في ذلك الواقع والتعاطي معه على ضوء ما وفرت التجربة الصغيرة وأضافت المدينة الكبيرة بل وأتاحت من واسع الفرص أمام كل ذي طموح ومحاولة وشيء من التصميم كي يكون رقما من الأرقام وليس بين ذلك الكم المهمل فكانت طرابلس الملاذ وكانت فضاءاتها المتمثلة في النوادي وما في حكمها خير من يتسع للتحرك ويكون نفراً من أهلها الأقرب من كل من عداهم، ومن ثم تتواصل الرحلة وتتواصل الفاعلية وتتوالى المتغيرات وجميعها تعمق الانتماء لطرابلس والانخراط في واقعها ومختلف شرائحها ومؤسساتها التي هي في حقيقة الأمر مؤسسات البلد بأكمله وحسبك أن كل المتألقين في هذه المدينة وفي تلك الفترة المبكرة من النصف الأول من القرن الماضي كانوا جميعا من أصول بعيدة جمعت عودهم لطرابلس جميعا وصهرتهم وصاروا من أعيانها ورؤوسها المعروفين ابتداء من نواديها ووصولا إلى مشيخة حواريها وشوارعها ويومئذ لم يفكر أحد أن يتخذ من أرومته البعيدة سبيلا لبعض المشروع القبلي وحتى المجموعات التي سكنت إلى جانب بعضها البعض لم يخرج الأمر عن الجيرة والتعاون الحياتي وماعدا فقد مثلوا جميعا المدينة بكل تطورها ومتغيراتها ورفضا لأي محاولة من المحاولات الجهوية، لقد كبرت طرابلس مئة مرة منذ سبعينيات القرن الماضي بحيث أصبحت تمثل ثلث سكان ليبيا على الأقل وكنا طوال هذا التاريخ وهذا التطور دائمي الارتباط بطرابلس المدينة وطرابلس المشروع وطرابلس السلوك الذي يتجاوز كل الصيغ القديمة وغير الحضارية وغير المستوعبة لحقيقة المدن بل وحقيقة التاريخ.
لقد استعدت شخصياً كل هذه المعاني العظة والمشاعر الفياضة والذكريات الخالدة حول المدينة، غير متجاهل أن بنغازي هي الأخرى تمثل صورة مقاربة بالنسبة لمناطقنا الشرقية ومدننا وقرانا هناك، وذلك عندما أبلغني الدكتور علي ريح دعوة اللجنة المنظمة لاحتفالات المدينة بالعيد الأربعين، وهي دعوة لم أستطع تلبيتها حين أدركت أنني قد لا أكون مفيداً بذات القدر الذي يمكن أن تضيفه بصدد التاريخ لطرابلس والحديث عن طرابلس ودور طرابلس على الأقل بالنسبة لي شخصيا، فنصف قرن من الإسهام والتواصل والوجود ورقم عائلي تم توثيقه في ذلك الزمن تحت رقم 48063 يوفر المجال لقول الكثير ويعطي الحق للانحياز لطرابلس التي لا تطلب من كل من يحل بها ويتطلع لأن يكون منها سوى أن يحسن التصرف ويتجنب الايذاء ويترفع عن الطمع في أي مكان وفي كل مكان.
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية