عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

" ‬المطر وخيول الطين نموذجاً‮ "

 

حققت الرواية الليبية طوال الفترة الزمنية التي‮ ‬يمكن تحديدها في‮ ‬ثمانينيات القرن الماضي‮ ‬وجوداً‮ ‬ملموساً‮ ‬تمثل في‮ ‬تعدد الأسماء التي‮ ‬طرقت أبوابها بجدارة بذات القدر الذي‮ ‬امتد إلى طبيعة التناول إلى جانب الموضوعات وقد كان الكاتب الراحل خليفة حسين مصطفى واحداً‮ ‬من الذين دأبوا على إثراء مدونتنا الروائية بالرواية تلو الرواية من دون أن‮ ‬يفت في‮ ‬عضده ما‮ ‬يسود واقعنا الثقافي‮ ‬من ضعف الرعاية الرسمية لهذا الفن الوافد سواء من حيث الحوافز المشجعة على المضي‮ ‬في‮ ‬تجربة الكتابة من حيث سرعة النشر وترتيب المردود أو ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يساعد على مواصلة المسيرة في‮ ‬شيء من الجدية لتؤدي‮ ‬التجربة الروائية ما‮ ‬ينتظر منها نحو المجتمع وما‮ ‬يضطرم فيه من صراع‮ ‬ويشهده من متغيرات ليس مثل فن الرواية ما هو جدير بالتعاطي‮ ‬معه‮ .‬
وأذكر أن هذا الكاتب قد بدأ مشواره في‮ ‬مجال الكتابة الروائية هذه في‮ ‬مطلع الثمانينيات وذلك بعد أن أثبت حضوراً‮ ‬في‮ ‬مجال الكتابة القصصية في‮ ‬أواخر الستينيات حين شرع‮ ‬ينتج كتاباته في‮ ‬مجلة الإذاعة أولاً‮ ‬وليبيا الحديثة ثانياً‮ ‬عشية جمعه بين العمل في‮ ‬مجال التعليم ومواصلة الدراسة الجامعية حيث صدرت مجموعته المعنونة‮ "‬بصخب الموتى‮" ‬وما بعدها لتأتي‮ ‬بعد ذلك روايته البكر‮ " ‬المطر وخيول الطين‮ " ‬ومن ثم تتوالى كتاباته دونما انقطاع فتكونت لديه تلك المدونة التي‮ ‬تعاطت مع الكثير من مشكلات التاريخ وأسئلة الواقع ومتطلبات التطور وما‮ ‬ينتج عنها من عديد الإكراهات وإذا كان المنجز الروائي‮ ‬لكاتبنا الراحل أصبح اليوم‮ ‬يوجب على كل من تتوق نفسه إلى الإسهام في‮ ‬قراءة فننا الإبداعي‮ ‬ومن موقع الطموح إلى إبراز مكانته في‮ ‬المحيط العربي‮ ‬عامة فإن ذلك لابد أن‮ ‬يكون منطلقا من نقطة البداية ونعني‮ ‬بها رواية‮ "‬المطر وخيول الطين‮" ‬وتبين ما إذا كانت تلك الرواية البكر قد استطاعت التخلص من إكراهات الكتابة القصصية أم أنها ظلت مشدودة إليها بحيث‮ ‬يصح القول بأن ظلال القصة القصيرة قد بقيت مهيمنة على رواية المطر وخيول الطين وربما امتدت إلى أعمال أخرى قد‮ ‬يتسنى الحديث عنها في‮ ‬مكانها من مسيرة هذا الكاتب أو مسيرة الرواية الليبية عامة‮ .‬
ومعلوم أن الكاتب الليبي‮ ‬قد ظل بعيداً‮ ‬عن خوض‮ ‬غمار تجربة الإبداع الروائي‮ ‬طوال الفترة التي‮ ‬انقضت على انبعاث الحركة الأدبية الحديثة فعلى الرغم من أن الأرضية النفسية التي‮ ‬أسهمت في‮ ‬بعث الشكل القصصي‮ ‬وهو أكثر فنون الإبداع شيوعاً‮ ‬تعتبر جديرة بالدفع نحو هذا الاتجاه من حيث أنها تمتلئ بمأساة الحرب الليبية الإيطالية وكذلك الحرب العالمية التي‮ ‬قدر لها أن تنتهي‮ ‬بزوال هذا الاحتلال البغيض وما ارتبط به من المآسي‮ ‬فإن المعالجة الأدبية المنصرفة إلى الملحمة الروائية ظلت بعيدة فقد كانت القصة القصيرة خاصة هي‮ ‬الوعاء المحبب لهذا المبدع وكان لابد أن‮ ‬يقدم القادرون على خوض تجربة الرواية من خلال التقنيات السائدة في‮ ‬هذا الفن وتلك هي‮ ‬المهمة التي‮ ‬حاول النهوض بها الكاتب خليفة حسين مصطفى الذي‮ ‬سبق له الإدلاء بدلوه في‮ ‬معالجة الكتابة القصصية فتوجب تبعاً‮ ‬لذلك وقبل الاقتراب من تجربة خليفة حسين مصطفى أن نلم ولو قليلاً‮ ‬بما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون أساساً‮ ‬للفن الروائي‮ ‬وبصدد هذه المسألة‮ ‬يمكن القول إن كل من تابع النصوص الروائية التي‮ ‬عرفها الأدب العربي‮ ‬سواء تلك المنقولة عن اللغات الأخرى أو المكتوبة أصلاً‮ ‬باللغة العربية‮ . ‬إن الرواية لا تعدو في‮ ‬تعريفها المجمل أن تتعدى تصوير قطاع من الناس قد تختلف تفاصيل حياتهم وتتقارب مشاكلهم ولكن‮ ‬يجمع بينهم في‮ ‬الغالب هذا الواقع وتكون لهم إسهاماتهم الملموسة في‮ ‬مسيرته تقاطعاً‮ ‬أو اتفاقاً‮ ‬وتكون مهمة المبدع في‮ ‬الغالب التعبير عن الحركة الكبيرة وفقاً‮ ‬لموقفه أو انتمائه وما‮ ‬يفرض هذا الخيار من شروط التعاطف أو الاصطدام وفي‮ ‬مدى زمني‮ ‬قد تفرضه رحلة الإبداع وطبيعة الأحداث وقد تصنعه قدرات المبدع وسعة مخيلته التي‮ ‬كثيرا ما تتجاوز الزمان والمكان‮.‬
وقد كانت الاتجاهات السائدة في‮ ‬زمن ما سبّاقة إلى تحجيم دور البطل الروائي‮ ‬انطلاقاً‮ ‬من الإيمان بأن الحياة نتاج عمل المجموعة أكثر من كونها نتاج صنع الأفراد بل إن نجاح الفرد نفسه كثيراً‮ ‬ما‮ ‬يتحول من خلال ما‮ ‬يتهيأ له من عمق الارتباط بالآخرين‮ . ‬صحيح أن حدثاً‮ ‬ما كثيراً‮ ‬ما‮ ‬يمثل بؤرة العمل الروائي‮ ‬ومع ذلك فإن عوالم كثيرة‮ ‬تظل تمثل أقوى العوامل في‮ ‬تطور النص وما‮ ‬يزخر به من شخوص وأحداث فأين تقف رواية المطر وخيول الطين من هذه التعريفات أو المقاربات بمعنى هل استطاع الكاتب أن‮ ‬يضع هذه القواعد في‮ ‬وعيه أولا وعيه،‮ ‬وهو‮ ‬يخوض تجربته الإبداعية هذه متطلعاً‮ ‬إلى أن‮ ‬يكون أحد رواده المقتدرين‮ .‬
وسنترك الإجابة تأتي‮ ‬من الدخول‮ ‬إلى عالم الرواية‮ ‬،‮ ‬وهو كما سنرى‮ ‬،‮ ‬يقوم على حدث أساسي‮ ‬يتلخص في‮ ‬علاقة الحب التي‮ ‬نشأت أو بالأحرى مشروع الزواج الذي‮ ‬تقرر بين مسعود أحد بسطاء الشارع الغربي‮ ‬الذين لايملكون المال ولا الجمال وليس لهم سوى تعلقهم القوي‮ ‬بالشارع ووردة الفتاة الجميلة أو لنقل أجمل فتيات الشارع كريمة الأستاذ عبدالحفيظ ذلك الرجل التقليدي‮ ‬الذي‮ ‬لايخرج من بيته إلا لعمله الرسمي‮.‬
كانت وردة هذه موضع طموح كل الناس في‮ ‬الشارع الغربي‮ ‬فهي‮ ‬فتاة ذات نصيب لايضاهى في‮ ‬الجمال‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬كذلك فتاة مستقيمة‮ ‬،‮ ‬أما مسعود فقد كان إنساناً‮ ‬بسيطاً‮ ‬ليس له من أحد سوى أن التي‮ ‬تعمل في‮ ‬بيوت الشارع‮ ‬ويساعدها في‮ ‬عملها هذا ابنها مسعود‮ ‬،‮ ‬وقد‮ ‬غدت اليوم قعيدة فغدا‮ ‬يقوم بخدمتها إلى جانب خدمة الآخرين‮ .‬
وقد جاءت فكرة الزواج هذه بناء على عرض تقدم به والد وردة‮ ‬مباشرة إلى مسعود والذي‮ ‬لم‮ ‬يصدق ما سمع في‮ ‬بادئ الأمر بسبب اختلاف الأوضاع ليصبح الحدث بعد ذلك موضع اهتمام الناس جميعاً‮ ‬في‮ ‬حي‮ ‬الشارع الغربي‮ ‬وباعث أحاديثهم وتعليقاتهم التي‮ ‬طالما كان مبعثها اختلاف الأمزجة‮ ‬،‮ ‬وتضارب المفاهيم‮ . ‬ذلك أن الزمن ذاته لا‮ ‬يسمح للأحداث أن تمر دون تعليق من الآخرين بل إن مصالح الناس ومواقفهم من هذا النبأ تختلف وتملي‮ ‬عليهم بالتالي‮ ‬مواقف تتقارب أحياناً‮ ‬وتختلف أحياناً‮ ‬أخرى‮ ‬دون المساس بالهدف الواحد‮.‬
تجري‮ ‬أحداث الرواية في‮ ‬مدى زمني‮ ‬طويل‮ ‬،‮ ‬والقصد على ما‮ ‬يبدو إعطاءها النضج اللازم خاصة وأن الشخصيات مختلفة‮ ‬،‮ ‬فهناك الأرملة المحرومة والمسكونة بالحزن‮ ‬،‮ ‬والمطلقة الشقية التي‮ ‬لا تخلو من ندم‮ ‬،‮ ‬وهناك الحاج الذي‮ ‬تقدم لخطبة وردة ذات‮ ‬يوم‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يستطع أن‮ ‬يظفر بقبولها‮ ‬،‮ ‬وهناك المشعوذ الذي‮ ‬لا‮ ‬يسأم إطلاق البخور ويفلح في‮ ‬أحيان كثيرة من الانفراد بالإناث‮ ! ‬وهناك الشيخ الذي‮ ‬يجلس أمام المسجد ولا‮ ‬يجد حرجاً‮ ‬في‮ ‬أن‮ ‬يمد‮ ‬يده ليلمس بها خد الفتاة التي‮ ‬تعبر الطريق أمامه مستفيدا من مكانته المرموقة في‮ ‬الحي‮ ‬،‮ ‬وكأنه لا‮ ‬يعرف معنى اللمس عند العلماء والمتعلمين‮ ! ‬فنستطيع أن نجزم على ضوء ما أسلفنا أن هذا النص قد تحققت له الشروط الأساسية‮ ‬للرواية بمعنى أنه قد سلم‮ ‬من تلك التهويمات الساذجة والحكايات التي‮ ‬لا فائدة من سردها ولا معنى ولأن العمل الفني‮ ‬طبقاً‮ ‬لهذا الفهم لا‮ ‬يستحق أن‮ ‬يحسب فنّا مالم تتحقق له الدلالة الاجتماعية تقدمية كانت أم رجعية‮ ‬،‮ ‬فإَن من الممكن القول إن الرواية لا تفتقد الدلالة الاجتماعية الجيدة فهي‮ ‬تدين الشعوذة‮ ‬،‮ ‬وتسخر من المتاجرة بالدين‮ ‬،‮ ‬وتفضح الذين‮ ‬يتظاهرون بالفضيلة ويبطنون خلافها‮ ‬،‮ ‬فتؤهل مسعود لزواجه هذا مقابل استقامته وتدفع وردة إلى القبول به على الرغم من معرفتها لسر العاهة التي‮ ‬يشكو منها كتفه إذ كانت بسبب تلك العصا الغليظة التي‮ ‬هوت عليه من بوليس العهد المباد عندما كان‮ ‬يشارك في‮ ‬إحدى المظاهرات‮ ‬،‮ ‬وثمة تعاطف ملحوظ بين هذه النماذج وكاتب النص من خلال إيجابياتها وكذلك فعل وهو‮ ‬يدين ما لوحظ على مواقفها من السلبيات ولكن دون الوقوع في‮ ‬مستنقع الحقد والكراهية‮ ‬،‮ ‬وقد تسلح الكاتب بقاموس لغوي‮ ‬جيد‮ ‬،‮ ‬قاموس نأى به عن الإسفاف وإرساء الجمل كيفما اتفق‮.. ‬وكذلك الوقوع تحت طائلة الابتذال والسوقية‮ ‬،‮ ‬فالعبارة عند خليفة حسين عبارة منتقاة والجملة بين‮ ‬يديه مشذبة وغير معقدة في‮ ‬ذات الوقت‮ . ‬إنه‮ ‬ينشغل بأسلوبه انشغالاً‮ ‬واضحاً‮ ‬،‮ ‬فكلماته متوثبة وأوصافه حسنة وثمة قدرة ظاهرة لديه على التشويق‮ ‬،‮ ‬كما أن البناء الروائي‮ ‬العام خالٍ‮ ‬إلى حد كبير من العيوب كالانتقال المفاجئ والاقحام القسري‮ ‬والمواقف المسبقة‮ .‬
على أنه بالرغم من ذلك كله‮ ‬،‮ ‬لايزال مشدودا إلى الكثير من تقنيات القصة فهو شديد التعويل على الومضة السريعة والإشارة العابرة‮ ‬،‮ ‬والإعادة البسيطة ومثل هذا الانشداد‮ ‬يجعل منجزه الروائي‮ ‬مثقلاً‮ ‬بعدد من السلبيات وهي‮ ‬سلبيات‮ ‬يصعب‮ ‬غض النظر عنها‮ ‬،‮ ‬حين تجيء من كاتب متمكن من أدواته شديد الارتباط بفنون الإبداع وأمهات الفن الروائي‮ ‬أو هكذا‮ ‬يفترض أن‮ ‬يكون‮ .‬
وأرى أننا لا نظلم هذا الكاتب ولا نقسوا عليه ولا نحمله مالا‮ ‬يحتمل‮ ‬،‮ ‬إذا قلنا إن قلمه الجيد لم‮ ‬يستطع أن‮ ‬يقدم لنا في‮ ‬هذا الرواية ما‮ ‬يفترض وجوده من شخصيات ذات أبعاد إنسانية واسعة‮ ‬،‮ ‬حري‮ ‬بها أن تتألق في‮ ‬مثل هذا العمل الروائي‮ ‬المكرس إلى حد كبير لهذا النوع من الفئات الشعبية المتجانسة والقريبة من بعضها البعض كما هو الحال بالنسبة لحي‮ ‬مثل حي‮ ‬الشارع الغربي‮ ‬حيث مولد خليفة حسين ونشأته والأسس الأولى لنمو تجربته والذي‮ ‬حدا به وهو‮ ‬يخوض تجربة الكتابة الروائية أن‮ ‬يختار منه شخصياته‮ .‬
وعن هذه الناحية فإن القول بجودة الدلالة الاجتماعية لرواية المطر وخيول الطين‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬ينفي‮ ‬حقيقة أن الكثير من نماذجها قد وردت في‮ ‬حاجة إلى الكثير من التطوير والكثير من التكثيف‮ ‬،‮ ‬كي‮ ‬تحقق الارتفاع إلى الغاية السامية التي‮ ‬سعى الكاتب إلى التعبير عنها في‮ ‬عمله هذا‮ ‬،‮ ‬وقبل ذلك في‮ ‬الكثير من قصصه التي‮ ‬طالما دأب على تقديمها للمكتبة الليبية فليس هناك‮ ‬–على سبيل المثال‮ ‬– أي‮ ‬تعميق لشخصية الأستاذ عبدالحفيظ ذلك الرجل الذي‮ ‬أقدم على دعوة مسعود إلى بيته ليعرض عليه الزواج من ابنته وردة‮ ‬،‮ ‬فلا السرد‮ ‬يعيننا على فهم أبعاد هذه الشخصية ولا الحوار‮ ‬يأذن بإضافة معانٍ‮ ‬جديدة‮ ‬،’ بل إنه على العكس من ذلك‮ ‬يظهر في‮ ‬صورة الإنسان التقليدي‮ ‬الذي‮ ‬يرى في‮ ‬الأنثى مجرد مدعاة إلى القلق‮ ‬،‮ ‬حتى نراه‮ ‬يجبر ابنته على قطع الدراسة في‮ ‬السنة الرابعة أو الأخيرة بالأصح وهي‮ ‬تستعد للحصول على دبلوم المعلمات‮. ‬وليس حظ‮ ‬مسعود الذي‮ ‬هيأه الكاتب للزواج من وردة وبرغبة من والدها أحسن حالاً‮ ‬من‮ ‬غيره في‮ ‬المعالجة الروائية‮ ‬،‮ ‬فقد جاء مثالاً‮ ‬للإنسان الساذج الذي‮ ‬لم‮ ‬يستفد من تجربة الحياة شيئاً‮ ‬مذكوراً‮ ‬،‮ ‬فلم تدفعه تلك الضربة القوية التي‮ ‬هوت على كتفه من ذلك البوليس الظالم وهو‮ ‬يسير في‮ ‬المظاهرات السياسية إلى الإحساس بأي‮ ‬جرح عميق في‮ ‬نفسه ولم تفجر في‮ ‬وجدانه أنه أي‮ ‬لون من ألوان العذاب الإنساني‮ ‬أو الاستعداد لرد المظلمة‮ ‬،‮ ‬حتى اقتناع وردة بالزواج‮ ‬يأتي‮ ‬مفروضاً‮ ‬من الخارج وليس عن طريق أي‮ ‬تطور ملحوظ في‮ ‬تفكير أي‮ ‬منهما‮ . ‬وما‮ ‬يقال عن هذه الشخصيات الأساسية في‮ ‬الرواية‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقال عن أولئك الذين انعكست عليهم الأحداث‮.. ‬فلا حرمان الحاج‮ ‬ينال حظه من معالجة الكاتب ولا عذابات مبروكة الخياطة تفصح عن أي‮ ‬صراع داخلي‮ ‬لدى تلك المرأة إذ في‮ ‬مثل هذه الأحوال تتصارع القيم مع الحاجة والظاهر المزيف من الباطن الحقيقي‮ ‬،‮ ‬فيؤدي‮ ‬ذلك كله إلى إغـناء التجـربة وإكــسابها المزيد مـن الــتوهج‮ .‬
ولعل القول بأن الكاتب لايزال مشدودا إلى عوالم القصة القصيرة ولاسيما في‮ ‬تعويله على الوقفة السريعة والومضة الخاطفة‮ ‬،‮ ‬لايظهر في‮ ‬شيء كما هو الحال في‮ ‬تصوير شخصية الشيخ ذلك الإنسان الذي‮ ‬يختلس الفرصة للتعبير عن مشاكله الحقيقية‮ ‬،‮ ‬أو الذي‮ ‬يصر البعض على وصفه بهذه المشاعر عند اقترابه من وردة‮ ‬،‮ ‬وكذلك العبارة التي‮ ‬أطلقها أحدهم بصدد الحديث عن زواج مسعود من وردة وهو‮ ‬يصرخ في‮ ‬وجوههم هل فكر أحد منكم في‮ ‬الزواج منها قبل النفط ؟ فهذه المعالجة فيما أرى تأخذ بأسلوب القصة القصيرة أكثر من أن تطبق على فن الرواية حيث تلعب التفاصيل الدقيقة دورها الأساس والفعال في‮ ‬اعتناء التجربة الروائية وإكسابها ما هي‮ ‬في‮ ‬حاجة إليه من الأبعاد الإنسانية التي‮ ‬لانشك أن الكاتب كبير الطموح لزرعها في‮ ‬المجتمع عبر النسيج الفني‮ ‬وبواسطة أدواته الفنية ورؤيته الخاصة‮ ‬،‮ ‬وهناك في‮ ‬المدونة الروائية العربية التي‮ ‬لا شك في‮ ‬في‮ ‬إطلاع الكاتب على الكثير منها ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يشكل المثال الجدير بالاقتداء‮ ‬،‮ ‬عندما استطاع مبدعوها أن‮ ‬يحققوا من خلالها المثل الذي‮ ‬يدعون إليه‮ . ‬نعم إن الكاتب قد‮ ‬يتعلل بأن طبيعة شخصياته لا تسمح بإعطائها الأبعاد التي‮ ‬لا تنسجم مع مستوياتها العقلية وطبيعة تكوينها‮ ‬،‮ ‬وقد‮ ‬يذهب إلى أكثر من ذلك فيدفع بأن الصدق الفني‮ ‬يفرض عليه ألا‮ ‬يلبس شخصياته لبوساًَ‮ ‬لا‮ ‬يطابق واقعها المعاش وعندئد سنعود إلى الكثير من النصوص العربية التي‮ ‬تساعد على عدم قبول هذا الدفع وقد نتخذ من حنامينا وما اتبعه بشخصية مثل الطروسي‮ ‬عندما صنع منه بطلاً‮ ‬ثوريا في‮ ‬رواية الشراع والعاصفة فاستطاع أن‮ ‬يقاوم الظلم بأدواته البسيطة عبر البحر وفي‮ ‬اتجاه التمسك بذلك الخلق الرائع إزاء مجموعة الصيادين‮ ‬،‮ ‬فإذا كان حنامينا‮ ‬يعتبر كهلاً‮ ‬أو شيخاً‮ ‬في‮ ‬دنيا الأدب العربي‮ ‬فمن الممكن الاستشهاد بكاتب مجايل لخليفة حسين مصطفى هو الروائي‮ ‬التونسي‮ ‬محمد صالح الجابري‮ ‬الذي‮ ‬استطاع أن‮ ‬يضع من دربال‮ ‬بطل رواية البحر‮ ‬ينشر ألواحه ومن خلال علاقته لحبيبة أبرز شخصيات ذلك النص الجميل وبالذات فيما‮ ‬يتصل بإبراز القدرة على التخلص من أوروبا والعودة إلى الجنوب التونسي‮ ‬وذلك لأن المزاوجة بين الالتزام بالقضية الاجتماعية والواقع كان شديد الاتقان‮.‬
ليتعين بعد هذا بالطبع أن نتناول المؤثرات التي‮ ‬تأثر بها خليفة حسين وهو‮ ‬يكتب عمله الروائي‮ ‬هذا وهو أمر لايتسع له المجال الآن‮ ‬غير أن ذلك لا‮ ‬يعني‮ ‬عدم الإشارة السريعة بأنها مؤثرات محلية وربما كان ذلك في‮ ‬مقدمة ما جعله مشدودا إلى عالم القصة القصيرة‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬جميع الأحوال فإن عمل خليفة حسين هذا‮ ‬يفصح عن بداية جيدة ويبعث على انتظار الكثير من العطاء وبقدر ما‮ ‬يستوجب الترحيب والدعوة إلى المزيد من المعاناة والمزيد من الصبر عسى أن‮ ‬يكون أحد أهم فرسان الرواية الليبية وربما‮ ‬يتقدمهم جميعاً‮ .‬
هذه قراءة كتبت قبل ربع قرن حول أول نص روائي‮ ‬للكاتب خليفة حسين مصطفى الذي‮ ‬فارق دنيانا منذ سنة وبعض السنة بعد إسهام في‮ ‬المدونة الروائية فيه الكثير من الفرادة وكان موضع اهتمام الكثير من الدارسين الأكاديميين فضلاً‮ ‬عن المجايلين والنقاد ومن المؤكد أن الجدل حول هذا الكاتب سيستمر فليالي‮ ‬نجمه والأرامل والولي‮ ‬الأخير من الأعمال التي‮ ‬قالت الكثير وصمتت عن الكثير أيضاً‮ ‬وبالتالي‮ ‬فلابد أن تكون مثيرة ودعوة مفتوحة للتعامل مع التاريخ وحضوره في‮ ‬المتن الروائي‮ ‬الكامل‮.‬
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية