|
بين الكفرة هنا ..
وهناك في الرياض
ليست الكفرة والجغبوب
وجالو وأوجلة واجخرة،
مجرد واحات وقعت العين
على أسمائها، ضمن أبناء
الجيل الذين عرفوا تركيبة
الوطن من أول علاقة مع
خريطة الجغرافيا التي
حددت أسماء
المدن
والقرى والواحات المكونة
لهذا الوطن وعلاقته مع
دول الجوار. بقدر ما
كانت إحدى المحطات الأولى
التي اختزنتهاش الذاكرة
وهي تقاس على مارواه
الأهل الذين شاءت الأقدار
أن يستقروا في واحة
أخرى تشبه إلى حد كبير
هذه الواحات ، وترتبط
بها عن طريق القوافل،
تلك التي رأى التنظيم
الإداري أن يدعوها
بالجفرة لتضم زلة الأكثر
قربا من هذه الواحات من
الشرق الجنوبي وابي
نجيم التي شيدت
بالشمال من دخل غرامة
فرضت بموجب حكم قضائي
في بعض المشاجرات
الدامية. كما يذكر
الباحث المثابر الدكتور
محمد أحمد الطوير من
كتابه عن تاريخ الزراعة
بليبيا إلى جانب ودان
وسوكنة وهون، لتكون هذه
الأخيرة بوصفها فقط الرأس
الشاهدة الأولى على ما
كان يروى عن الكفرة
والجغبوب وسيدي المهدي
الذي لم يعرف عموم
الناس أنه استشهد في
معارك المقاومة للاحتلال
الفرنسي الذي استهدف
أفريقيا وخرج إليه ذلك
الرجل الذي أتخذ من
الكفرة مقرا لحركته
الإصلاحية، فظن
الكثيرون أنه غاب وقد
يعود مما استدعى ــ على
ما يبدو ــ العمل على
إعادة رفاته في
خمسينيات القرن الماضي
وعندما تزامن ذلك مع
هبوب ريح صرصر، تطيّر
القوم واعتقدو أن للأمر
علاقة بالمساس بذلك
الرفات وأعيد من ثم إلى
الكفرة. ومعلوم أن سيرة
المهدي تذكر أنه لم
يتوقف عند خلافة والده
الذي جعل من الجبل
الأخضر منطلقا لمشروعه
الديني وإنما طوره إلى
موقف عملي تمثل في
مقاومة الفرنسيين
والانطلاق من الكفرة
والجغبوب باتجاه ما كان
يطلق عليه اسم الودان،
حيث برنو وكنو وكاورا
وقرو ودارفور تلك التي
طالم قدم منها رجال فضلا
كان لهم دورهم في خدمة
الإسلام وحركة الجهاد
وصاروا رموزا من رموز تلك
الحقبة من تاريخنا.
صحيح أن هناك من ظن أن
سيدي المهدي هو أحد
الدراويش ولا سيما عند
ارتفاع الضجيج الإعلامي
في ستينيات القرن
الماضي، وربما نظر إلى
الاهتمام بتاريخه في
حكم التزلف لتكون ردة
الفعل على ضوء المتغيرات
التي طالت الحياة في
نهاية تلك الحقبة متمثلة
في اقصائه كلية. فغدا
كل حديث عنه وكأنه
ينطوي على نزعة من
نزعات الاستفزاز أو
الحنين إلى الماضي وليس
مجرد قراءة للتاريخ.
على الصعيد الشخصي وكما
قلت في حينه، كان آخر
ما يخطر ببالي أن
أتوجه إلى الكفرة وأشهد
أنني لم أفكر في
ذلك، لولا أن جاء
يوم خميس ليضمني مجلس
ــ أثق أنه مبارك ــ خصص
لمراجعة الخطط المنتظرة
لقطاعي التعليم والصحة
وتطابق المنجز مع حاجة
المناطق، وكذلك ما طرأ
على الكفرة أخيرا من
تطاحن بين القبائل التي
تكون سكانها والطارئيون
عليها مع المشاريع الضخمة
والنهضة العمرانية التي
جعلت من البيوت المهجورة
فضاء لسكن أولئك القادمين
من نسبوا لأكثر من قبيلة
فيما كان ولاؤهم الحقيقي
للبلاد التي وفدوا
منها. كان حضوري
بمناسبة إحدى جولات
المتابعة التي يقوم بها
هذه الأيام السيد سيف
الإسلام القذافي لمختلف
القطاعات وعديد المستجدات
ومناقشة المختصين بها
مباشرة من أمثال الإخوة
ــ مع حفظ الألقاب ــ
مبارك الشامخ والحبيب
ثامر وعبدالكبير
الفاخري، في جو سادته
الحميمية ونقاش اتسم
بالصراحة والواقعية
والبعد عن كل أشكال
المبالغة والتظاهر بماسوى
الحقيقة، ليتسنى أثناء
الجولة الطويلة التي
شملت عديد المشاريع
لمضيفنا سيف الإسلام أن
يتخذ من قراءته لكتاب
السيد البشير السنّى
المنتصر عن تجربته في
العمل السياسي
والإداري قبل الفاتح
من سبتمبر أن يثير
الكثير من الأسئلة حول
المرحلة التي شكلت
موضوع الكتاب والشخصيات
التي ظهرت فيه، وكان
لكاتب هذه السطور رأي
منشور على شبكة
المعلومات ــ رحب به
المؤلف نفسه ــ إنها
الفترة التي سبقت مولد
سيف الإسلام القذافي
الذي صار اليوم رجلاً
مؤهلاً ومنجزا لكتاب
"ليبيا والقرن الحادي
والعشرون".
هي أسئلة الجيل الذي
يكوّن أكثر من ستين في
المائة من سكان ليبيا
الذين لا مهرب لنا من
ضرورة الإصغاء إليهم
واحترام رغباتهم ووضع
السياسات السليمة الكافية
لتمكينهم من أداء الدور
المطلوب والذي لابد أن
يستبعد خطة الإقصاء
وحقيقة أن أحداث التاريخ
مكملة لبعضها البعض وأن
جميع السياسات حين يراد
تقييمها فلابد من مراعاة
الظروف السائدة وليس ظروف
اليوم.
وإذا كان من غير
المطلوب أن أكرر هنا ما
تيسر قوله حول تلك الحقبة
من تاريخ بلادنا والأسماء
التي شاركت فيه حسب
ظروفها ومبلغ اجتهادها
وجملة الضغوط التي
رافقت المسيرة من
الأصدقاء والأشقاء وأهل
البلد أنفسهم، فإن حسن
الإصغاء الذي وقفت عليه
لدى السيد سيف الإسلام
وعدم الضيق من أي حاجة
والتخلص من أي موقف
مسبق، يؤكد أن استشعار
المسؤولين واضح كل الوضوح
وأن مراجعة الشأن
الداخلي لا تعني
مطالب الناس بقدر ما
تمتد إلى مسيرة الأحداث
والتعامل معها.
وأن اختيار الكفرة أو
الجغبوب لمثل هذا النوع
من اللقاءات لا يصدر عن
صدفة بل عن موقف من
التاريخ وحسبك أن اللقاء
قد ختم بزيارة ضريح
سيدي المهدي وبوجود
خميس الذي تلوح من
حديثه التابعة لكل ما
تناولته الصحافة ويثيره
الكتّاب الوطنيون. ثمة
أمل إذن بأن زمن الإقصاء
قد ولى ولم يعد له وجود
وأن الدور الأفريقي
المنتظر يقتضي
بالاستفادة من ذلك
الموروث الذي تركه
سيدي المهدي. لقد
مثلث أمي صورة للقاء
مشابه ذات يوم في
تسعينيات القرن الماضي،
كان فيه ذلك الشيخ مثالا
للمتحدث الصادق عن سيدي
المهدي و ، وكان
صدقه مدعاة لتقديره وحسن
وفادته والدليل الصادق
على أن الثورة تحترم كل
من يحترم نفسه ويحافظ
على هويته، فالأمور إذن
متصلة والمسألة مسألة وقت
ــ ربما ــ ليس غير
وددت لو سعفتني الذاكرة
بالقصيدة التي حواها
ديوان الشاعر الخالد
مصطفى بن زكري الذي
طبع لأول مرة منذ مائة
سنة مضت وعندما وجدت
الذاكرة تخونني اكتفيت
بما تيسر وكلمة أهلنا
القدامى "الشاي لله
إن شاء الله".
هناك في الرياض
تعيدني اجتماعات اللجنة
الدائمة للثقافة العربية
التي صرت عضوا بها ــ
عن الجماهيرية ــ منذ
سنوات إلى معايشة جملة من
الإشكالات المتصلة بالشأن
الثقافي ومستويات
أدائنا فيه وحجم المنجز
من التعاون بين اللجنة
الوطنية للتربية والثقافة
والعلوم المختصة بتنسيق
تعاوننا مع المنظمة
العربية للتربية
والثقافة، وقطاع
الثقافة المكلف بهذه
المهمة أمام النظائر
العربية والدولية،
فيدفعني ذلك كله إلى
تبين الفجوة الكبيرة بين
ما يقال وما يفعل،
وهي فجوة لم تتكون
بفعل طرف واحد ولا يمكن
سدها كذلك بواسطته،
ولكنها نتاج ملابسات
كثيرة ومسببات متداخلة
لن يتأتى الخروج منها
إلا بعد فترة من السنين
في حالة ما إذا شرع في
العمل على ذلك، أما
وأن الأمر لايزال حيث هو
فمن المؤكد أن الفترة
ستطول والصعوبات ستزداد
والخروج من ذلك لابد أن
يكون أكثر عسراً ..
إذن من المسلم به أن كل
ما يقال جميل للغاية
أما الذي ينفذ فإن سوءه
أكبر من أن يوصف أو
يحدد، ابتداء من ترشيح
الرموز العربية للمواقع
الدولية، مروراً
بتجربة العواصم الثقافية
والاشتراك في المناشط
التي تقام على مستوى
دولي وتطوير اللغة
العربية وصون الهوية
والوقوع في شرك
الانغلاق جراء المبالغة
في التمسك بالخصوصيات
، وأخيراً التقارب
بين الثقافات وقبل ذلك
كله هامشية الثقافة من
حيث الرعاية الرسمية
أمام غول الإعلام وما
ظل يفرزه دائماً من
أنواع التسلط على الثقافة
وعلى الإبداع العربي ،
ليس فقط على مستوى فرض
السطحي من المواضيع
ليكون في مادة لاهتمام
الكاتب وموضع اهتمامه
، فعلى خطورة ذلك وسوء
أثره هناك ما قد صار أكثر
عدواناً على هذه
الثقافة من حيث الإسهام
المكتوب حث تفرض بعض
الاعتبارات لأنواع من
النصوص كي ترتفع إلى
مستوى المثال وما هي من
المثال في شيء هي
إساءة ليست مقصودة
بالتأكيد ولكن التصور
السطحي للأمور يجعلها
تصب في هذا الإطار هي
هموم لا يستطيع من
يحضر مثل هذا النوع من
المحافل أن يقول فيها
ما يجب أن يقال ،
إذا المطلوب هو الحديث
عن المنجز ، وليس
أمام من يحمل مثل هذا
النوع من المسؤوليات سوى
أن يفرق بين آرائه
الشخصية وما يشهده
الواقع الوطني من أعمال
حتى وإن لم ترتق إلى
المستوى المطلوب فليس
أمام من يتحدث باسم
أهله إلا أن يشيد بها
ويحسن صورتها على الرغم
من أنها غير جديرة بمثل
هذه التعامل.
إن الأمثلة بالنسبة لي
كثيرة ولا سيما حين
يتحدث كل عما أنجز وما
يمكن أن ينجز على
المستوى القطري أو
القومي ، وإذا كانت
الأولى تخص غير هذا
المقام فلا شك أن المستوى
القومي أكثر إلحاحاً
ولاسيما مفردة القدس
عاصمة الثقافة العربية
لهذه السنة حيث يتوجب
قبل حلول موعد المؤتمر
السابع عشر للمسؤولين عن
الشأن الثقافي المقرر
عقده في مثل هذه الأيام
أو قبلها بقليل في
مدينة الدوحة ، ومن
الضروري أن يكون هناك
ما يقدم وتبقى مدونتنا
المكتوبة في حاجة إلى
مختصين يمكنهم الحديث
عن شخصيات رائدة في
تاريخ الثقافة العربية
وليس من المستعبد أن تكون
ألفياتهم أو نصف ألفيتهم
مفردات لأنشطة منتظرة
تقام على مستوى قومي
وسيطلب من المثقفين
العرب فرادى أو مؤسسات
أن يسهموا فيها بما
لديهم كالمتنبي وابن
خلدون والمعري
والفارابي والكندي
أو من يطلق عليهم
أعلام ما قبل " سايس
بيكو " رغم أن حضارة
سومر والكنعانيين وقرطاج
والجرمنت قد قامت قبل هذا
التاريخ ومنا من يفخر
بها بشكل قطري ، وقبل
أن نكون " خير أمة
أخرجت للناس" .
قليل من النقد والنقاد
كان الاجتماع هذه المرة
في مدينة الرياض
العاصمة السعودية الواقعة
بعيداً عن مكة والمدينة
حيث الوصول عن طريق ميناء
جدة الجوي وما ينتج
عن ذلك من إمكانية أداء
مشاعر العمرة حسب العادة
المتبعة والتزود من
الآفاق الروحية التي لا
مناص من سيطرتها على كل
من تطأ أقدامه تلك
البقاع ، فيستشعر
الخسارة إذا ما تعذر عليه
ذلك كما حصل هذه المرة
وضاعف بالتالي استنفار
الذات ولعل السلطات هناك
قد رتبت أمرها لوجود
اجتماع مشابه عقد حول
الآثار حيث شارك أكثر من
خمسين مختصاً قدموا من
أرجاء الوطن العربي تحت
مظلة المنظمة العربية
للتربية والثقافة
والعلوم ، إدارة
الثقافة تحديداً ،
فتضمنت برامج اللقاء
وجود بعض الحفلات الفنية
فرضت لوحات من التراث
العربي وكذلك الألحان
العربية بواسطة الربابة
مما يعيد المستمع إلى
مراحل التاريخ البعيدة
حيث تمثل الربابة ألا
ينسى الوحيد أمام غول
الوحدة في تلك الصحارى
البعيدة والشاسعة عندما
كان القوم يحملون
سيوفهم ويخوضون معاركهم
حاملين راياتهم القديمة
مما توسع فيه الدكتور سعد
الحمدي مندوب قطر عن
وحدة التراث بين أبناء
الجزيرة العربية ،
فكان في ذلك مناسبة
لتقديم فكرة عن المنجز
الثقافي المتصل بالتراث
الذي تبذل بجهود -
فيما يبدو - جهود
ملحوظة ، وبالذات في
مجال الجمعيات المختصة
والدوريات الفصلية مثل
دورية علامات ذات القدم
الراسخة في النقد
الأدبي كما يحدث أبرز
كتابها سلطان القحطان
المعروف بإسهاماته القوية
في المدونة الأدبية
ولاسيما الناس بين السيرة
والرواية ، والمنجز
النقدي العربي
المعاصر الذي تركه
أمثال طه حسين والعقاد
ومارون عبود ومحمد
مندور.
كنت قد حملت معي النسخة
الوحيدة التي استلمتها
من الطبعة الجديدة
لكتابي " مسارب "
الذي أعادت طباعته
المؤسسة العامة للثقافة
ضمن ما أعادت من كتب رأت
أهمية عرضها في الدورة
الحالية لمعرض الكتاب بعد
أن لقيت رواجاً لدى
المتلقي واهتماماً من
أوساط الكتّاب.
وقد جاء النشر في
مستوى يبعث على السرور
ويشجع على القراءة أو
إعادتها كما عبر الدكتور
الشريف ونحن نسير أمام
أرفف المكتبات وواجهات
العرض عقب مراسم
الافتتاح.
وقد أتاح لي وجود
كتابي هذا أن أقدم هدية
إلى الناقد سلطان
القحطاني ، خاصة وأن
كل ما كتب عن هذا الكتاب
تم جمعه في شبكة
المعلومات الدولية ليكون
متاحاً للقراءة
والمناقشة بالضرورة لا
سيما وأن الكتابات
المذكورة تمت بواسطة
كتّاب ليبيين وآخرين عرب
، فيتحقق - ربما -
شيء من التنوع وتوسيع
الدائرة ، فمثل هذه
الطريقة في الحفظ
يمكن أن تعوض عن النشر
المجمع الذي ينبغي
أن يتم إلى جانب
الكتاب أو مرافقاً له
حين تكون الكمية على هذا
النحو من حيث العدد
والتنوع ، وشيء خير
من لا شيء كما يقول
القدامى
|