|
ليبيا من نهاية القرن التاسع حتى
1969
هذه
هي الطبعة الثانية من هذا الكتاب الذي نقل إلى اللغة العربية
قبل واحد وعشرين سنة مضت وذلك في إطار الجهود العلمية الجادة
والرصينة التي ما انفك الأستاذ الجامعي المعطاء الدكتور عماد
الدين حاتم يثري بها مكتبة التاريخ الليبي تأليفاً وترجمة
وحواراً إلى جانب عمله الأكاديمي . إنه العطاء الذي لم يفت في
عضده ما يشيع في واقعنا من انعدام العدالة في مختلف الفرص حيث
ينصرف الإغداق المادي والمعنوي دائماً إلى من هم أقل من هذا
الأستاذ شأناً وأضعف إسهاماً لمجرد أن أولئك المحظوظين عرفوا
كيف يقدمون أنفسهم لأصحاب القرار الثقافي غير الموضوعيين في
أحكامهم وعطاياهم ، وكذلك المتنفذين لديهم وما أكثرهم بكل
الأسف هي جهود طالما كان فضاؤها مركز الجهاد الليبي حيث كانت
الطبعة الأولى من هذا الكتاب في ذلك التاريخ لتأتي بعد ذلك
الطبعة الثانية بين منشورات الكتاب الجديد وتوزيع دار أويا
الليبية للطباعة والنشر والتوزيع والتنمية الثقافية ، أما
المؤلف فهو نيكولاي إيلتش بروشين الذي تشير إحدى مقدمتي الكتاب
أنه أمضى في إعداد كتابه هذا زهاء عشر سنوات وقد بلغت صفحاته
خمسمائة وثماني وستين صفحة بما فيها ثبت المراجع قسمت جميعها
إلى أربعة فصول رئيسة ، وسمى أولها بعنوان ليبيا عند تخوم
القرنين التاسع عشر والعشرين .. وخصص الثاني نضال الشعب الليبي
ضد المستعمرين الإيطاليين .. وانصرف الثالث إلى تشكيل الدولة
.. ليخلص الرابع والأخير للنضال في سبيل الاستقلال السياسي حيث
جمع بين التسلط الأجنبي والنظام الملكي .
وعلى الرغم من أن المترجم قد أثبت في هذه الطبعة المقدمة
الأولى والثانية ووصف طبعته الجديدة هذه بالمنقحة ، إلا أن
الكتاب جاء كما هو في الطبعة الأولى خلوا من أي تعريف بشخصية
المؤلف وكيفية المدة الزمنية الطويلة التي أمضاها في إعداد
عمله هذا وما إذا كان قد وجد في ليبيا تحت مظلة العمل السياسي
الرسمي أو في إطار التفرغ الدراسي الأكاديمي حيث يكون عادة
لغرض الحصول على إجازة
من الإجازات العلمية لقاء التفرغ الطويل للحصول على أكثر من
شهادة ، وفي أي تاريخ صدر باللغة الأصلية " الروسية " وكلها
إضاءات بالغة الضرورة للتيسير على كل من يطمح إلى إعداد قراءة
تتوخى الموضوعية وتسعى إلى أن تكون منصفة فيما تتوصل إليه من
الأحكام .
وأيا ما كان الأمر فإن هذا الكتاب الذي تمت ترجمته قبل عقدين
من الزمن أي قبل انفراط عقد المنظومة الاشتراكية أعد كما هو
واضح على هدي من النظرية الماركسية بوصفها المعتمدة رسمياً
داخل ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي ، وليس النظرية الماركسية
التي تمثل شكلاً من أشكال المناهج العلمية والتي لايزال
الكثيرون لايخفون استفادتهم من اجتهاداتها وهم يسعون إلى
الاسهام في تحليل مختلف الظواهر الاقتصادية والاجتماعية أو
تحقيق الإضافة بالمنجز الإبداعي الإنساني على اعتبار أن هؤلاء
لم يكونوا في اقترابهم من تلك النظرية منبهرين بالسلطة
السوفيتية ولم تتأثر اجتهاداتهم بعد ذلك بضعف تلك السلطة ومنهم
من لم يخف اختلافه والكثير من ملاحظاته إزاء ما رآه سلبياً في
تلك المرحلة التاريخية الطويلة . ومن هنا فإن الهوية الماركسية
للمؤلف تبدو في مواطن كثيرة وكأنها مفروضة من الخارج وليس
بواسطة التمثل الواعي والاستيعاب المقتدر حيث يلاحظ الإقحام
لآراء لينين في أكثر من موضع وفي شيء من القسر ، حيث تزامن
وجود ذلك المفكر على رأس الدولة السوفيتية وأثناء احتدام معارك
الجهاد الليبي وكان له أكثر من تصريح أيد فيه الموقف الليبي
وأدان العدوان الإيطالي وقبل ذلك التقصير التركي ، غير أنها
لاتخرج عن المعالجة الإعلامية ولا ترتقي إلى مستوى التحليل
العلمي الناضج وحسب المرء أن يتوقف أمام وصفه لبعض القيادات
الليبية بالإقطاعية الأمر الذي لا يتمشى مع الواقع إذاما
احتكمنا إلى تعريف الإقطاعي بذلك الذي يمتلك المساحات الواسعة
من الأرض ويتخذ من ملكيته هذه سبيلاً للتحكم في حاجة الناس
وتوجيه سياساتهم ومواقفهم وهو مالايمكن إثباته في تاريخ النضال
الليبي وواقع الزعامات الليبية . إذ يلاحظ عليه وهو يصدر
الكثير من أحكام القيمة هذه لايدعم أيا منها بما هي في حاجة
إليه من الشواهد الملموسة التي تسند ماذهب إليه من أنواع
الإدانة الخالية من الدليل بعكس ما تعرض له بصدد التطرف
المسيحي الذي وسم الكثير من السياسات الايطالية أثناء غزو
ليبيا سواء ما نشرته الصحف الإيطالية في الخصوص أو ما ثبت
بواسطة ما صدر عن مؤسسة الفاتيكان من البيانات التي جسدت
الانحياز إلى الغزو بل واعتباره ضمن مشاريع التبشير المسيحي
ومقاومة المد الإسلامي بل وتصفية الحسابات القديمة ، ففي هذا
الجانب من الكتاب يفصح المؤلف عن استيعاب ملحوظ ووعي ملموس
وقدرة على التفريق بين الكلام النظري والتطبيق العملي ، إنه
الوعي الذي يتجسد أكثر فأكثر من خلال متابعته لما ساد الحرب من
فترات المهادنة التي كثيراً ما قبل بها هذا الطرف وذاك فأثبت
مقدرته على النفاذ إلى الجوهر ولاسيما من حيث الفوارق الموجودة
بين برقة وطرابلس ، فضلاً عن تبين الخطوات الإيجابية التي نتجت
عن بعض الاتفاقات وما أدت إليه من فكرة الحكم الذاتي وحتى
المستقل وذلك في إطار المتاح محلياً ودولياً وبروز سياسة
الخطوة خطوة تلك التي يقع الجهر بها وإنما ظهر الكثير مما يدل
على وجودها ، حيث تؤكد الوثائق أن قادة الجهاد لم يكونوا مجرد
أشخاص جاءت بهم الجمعية الدينية وما في حكمها ولكنهم أولئك
الذين وعت عقولهم معنى الحكم المستقل وكان لهم نحو ذلك أكثر من
برنامج أو اجتهاد ، كما أن الاتصال بالقوى الدولية الذي تم هنا
أو هناك لم يكن بواقع العمالة بقدر ما جاء بحكم الصعوبات
الموجودة وعلى هدي من نظرية فن الممكن بكل ما في هذه الكلمة من
المعاني ، بدليل أن القادة الليبيين لم يتقبل أبرزهم صلة
بالأتراك " السيد أحمد الشريف" سحب الأسلحة من التراب الليبي
على خلفية الاتفاق الإيطالي التركي بل لقد انسحب الرفض على
مواقف لاحقة ، ومن بينها الهجوم على الجبهة المصرية ، حيث تؤكد
المراجعة أن هذا القائد قد استدرج إليها أو أجبر على القبول
بها وليس كما روج أنه ذهب إليها مختاراً أو راغباً بل إن ما
يظهر من خلال السرد الضافي والمراجعة الدؤوبة أن ما طمح إليه
هذا الرجل وما اضطلع به من المواقع لم يكن فقط من خلال مكانه
داخل أسرته وتراتبية شجرة العائلة وإنما هو نتاج الإمكانات
القيادية التي أهلت الرجل للوصول إلى منزلة ظفر بها من خلال
إسهامه الخاص ، كما أن انتشار الزوايا قد امتد إلى الصحراء
الغربية داخل الحدود المصرية بحيث تم الاتفاق بين الطرف الليبي
والإنجليزي على التوقف عن تأسيس الزوايا دون المساس بحق الحصول
على ما يتوفر بها من الدخل المالي المترتب على الأوقاف مما
يجعل من الفرمانات التي صدرت لاحقاً من الأستانة بحق هذا الرجل
إنما جاءت ثمرة الشراكة الحقيقية مع تلك السلطة التي وإن تكن
قد بلغت يومئذ آخر مراحل وجودها إلا أنها من جانب آخر لم تخرجه
نهائياً من المسرح ومن مسيرة الأحداث ، وقل مثل ذلك عن مفاوضات
الزويتينة واتفاقية الرجمة واجتماعات فندق الشريف ومسلاتة
وغريان وفكرة الإمارة الإسلامية ومواقف سليمان الباروني ومحمد
بن عبد الله البوسيفي ومحمد فرحات الزاوي وسيف النصر الكبير
والمريض والسويحلي واحترام الصراع بين مختلف الزعامات
الطرابلسية باعتبارها نتاجاً لمستوى الوعي وتعبيراً عن الفارق
الكبير بين المجتمع المدني والآخر النقيض وليس بالضرورة عن
رغبة في المخالفة كما توهم الكثيرون ، صحيح أن واقع المناطق قد
فرض وجوده وأن الكثير من المواقف غير المرضية من طرف بعض
القادة وإنما هي مما استشعر من حجم الخطر الناتج عن الهجمة
الاستعمارية وما اتسمت به من العنف وانعدام الرأفة واختلاف
الإمكانيات الدافعة للاحتمال كما أن إيطاليا هي الأخرى لم تكن
قادرة على حسم المعركة وفقاً لما قدر قادتها من البداية ، وما
عودة جيوشها إلى الشطوط وترك الصحراء لأهل الصحراء إلا لما ثبت
للغزاة من عنيف المقاومة وما أمكن تكبيده لهم من الخسائر
المروعة ، تلك الخسائر التي أكدت صحة وجودها الإحصائيات التي
استعان بها المؤلف والتي شملت ضمن ما شملت الأسلحة والفرسان
بمعنى أن ما حمله الكتاب من الآراء حول الحرب مرده إلى مرجعية
محددة ومصادر شديدة الوضوح ، ومن الممكن أن نفهم من خلالها
حقيقة الأحداث التي ما لبثت أن ظهرت في فترات لاحقة ، كما هو
الحال بالنسبة لشخصية البشير السعداوي الذي أظهر وعياً سياسياً
مبكراً وكذلك السيد عبدالرحمن عزام الذي ارتبط بحركة الجهاد
الليبي من البداية وغدا يتابع مصير البلاد أثناء عرض القضية
على أروقة الأمم المتحدة وظهور أكثر من مشروع يتصل بالمصير
ويحتمل أكثر من اجتهاد مما جعل من مواقف عزام ما يتسع للكثير
من التأويل بما في ذلك وصفه أي عزام بأنه صاحب طموح شخص بل
وموضع اشتباه في الكثير من الممارسات ابتداء من اتهامه بالعمل
على توسيع دائرة الخلاف بين أهم القيادات الليبية الأكثر قدرة
على التحرك لصالح القضية وفقاً لما كان متاحاً من الظروف
وانتهاء إلى ما ظهر عليه من عدم الحماس لاحتياجات الدولة
الناشئة وبالذات أثناء عرض أمر دخولها إلى الجامعة العربية حين
كان المذكور أمينها العام ، وقبل ذلك تخليه عن البشير السعداوي
عندما ارتأى أن يعدل عن دعوات عزام المتشددة أو غير الواقعية
من حيث نظام الحكم وشكل الدولة وكلها محفوظة في أدبيات ذلك
الزمن وفيما تركه شهود المرحلة من آراء مكتوبة وروايات شفوية
على أن أهم ماحمله الكتاب هو ذلك المتعلق بشروع الدولة
المقترحة وما رافقها من الهياكل المطلوبة .. الأمر الذي صحح
الكثير من الأحكام الخاطئة حول مفهومها لدى القادة وما بدر
عنهم من الممارسات وما طرح كذلك من قضايا تتصل بالتنظيم
الإداري وما في حكمه وما يشيء به من مستوى الوعي لدى كل الذين
تقدموا صفوف الحياة.
لقد أملت النظرة شبه الرسمية للكتاب أن يلجأ في الفصل الأخير
المتصل بالحديث عن نضال الشعب الليبي للاستقلال وإسقاط الحكم
الملكي إلى التعويل على ما دأبت على تناقله وسائل الإعلام
المختلفة ، فكان وصفه للواقع الاقتصادي بالكثير من الأوصاف
التي لا تنطبق عليه من حيث الهوية الطبقية إذ لم يكن الاقتصاد
الليبي أكثر من اقتصاد ريعي الذي يفتقد البارزون فيه إلى أي حس
طبقي ، فأقصى ما لديهم كان هو الكسب اليومي ليس غير كما أن همه
في مواقف كثيرة كان منصرفاً إلى تلميع صورة الاتحاد السوفييتي
ولربما ليس له من المواقف من ذلك على سبيل المثال الموقف من
استقلال ليبيا ، حيث كان هم روسيا الأول منصرفاً إلى من يمكن
أن يتولى الوصاية وليس إلى الاستقلال ، أما الحديث عن تأمين
الثورة وعن التصدي لمن خامرتهم فكرة التدخل فالحق أن كل
المعلومات التي توفرت عقب الفاتح ٦٩ لم تذكرما ذهب إليه المؤلف
من قريب أو بعيد ، وبالتالي فإن الكتاب على ما اكتسبه من
الأهمية خلا من التثبت أو الدقة في هذا الجانب .
وتبقى بعد ذلك كله كلمة حول الترجمة وهي وإن كانت تحتاج إلى
معرفة اللغة التي ترجم عنها العمل من حيث الأمانة أو الصدق أو
الدقة ، إلا أن سلاسة الأسلوب العربي تدل بكل القوة أننا أمام
عمل ليس بالبسيط وجهد يستحق الكثير من التقدير والكثير من
الثناء ، فيتعين في مختتم هذه السطور أن نزجي الشكر للدكتور
عماد الدين ، مع أطيب تمنيات الصحة والتوفيق.
|