|
ثالث المفاتيح
بقلم / أمين مازن
عندما طرحت فكرة الخروج من الوظيفة
على عدد من الأقارب والأصدقاء ، بغية التفرغ للعمل الخاص ، كان
المجال الأكثر إغراء ، قد تحدد في النشاط التجاري ، بحكم الحديث مع
أصحاب الخبرة من الذين تيسر الاتصال بهم والاستماع إلى آرائهم ،
على الرغم من أن قطاع المقاولات قد بدأ أكثر إغراء وأكبر شهرة ..
انطلاقاً من التسهيلات التي وضعت أمام من يبتغي الاقتراب من
مثل هذه العوالم ، ولا سيما الموظفين الذين لم يعد أمامهم سوى
الخروج من سلك الوظيفة ، بحكم المتغيرات التي طرأت على السلم
الوظيفي وما أتاحه الواقع الجديد من سهولة إسناد الوظائف القيادية
بعيداً عن التقيد بمبدأ التسلسل وشروط الأقدمية في الوقت الذي وضعت
فيه الحكومة جملة من السياسات التي يسرت العمل في مجال المقاولات
للإسهام في تنفيذ خطة الإنماء الطموحة والتي كان من بينها بناء
مئات المدارس والمراكز الصحية وآلاف الوحدات السكنية ، إذ صار في
مكنة أي مواطن أن يحصل على رخصته لمزاولة المقاولات ، فقط عليه أن
يوفر مهندساً مختصاً في الأعمال المدنية ولديه الحد الأدنى من
الخبرة ليتقدم إلى الجهات المختصة كي يكلف بتنفيذ مشروع من
المشاريع ويتمكن بالتالي من الحصول على أحد التسهيلات المصرفية
مقابل رهن العقد الخاص بالمشروع لدى أحد المصارف المانحة للحصول
على التسهيلات المالية الميسرة إلى جانب الدفعات المالية المقدرة
من الجهة الملتزمة بتنفيذ المشروع فور إرساء المشروع وتوقيع العقد
والتصديق عليه في الضرائب ، الأمر الذي وفر من البداية سيولة مالية
لدى الكثير من الناس ، تبعاً لكثرة المشاريع الإعمارية والمخصصات
المالية والتسهيلات المصرفية وقد انعكس ذلك كله على حياة أولئك
الذين ارتادوا هذه الأنشطة من باب التفرغ ، بل ومن ارتبط بهم لهذا
العامل أو ذاك ، وتبدو مظاهر ذلك في مناحٍ شتى "مستوى المعيشة" ،
المظهر ، وسيلة النقل ، كثرة التنقل بين مدن البلد وخارجها ، فبات
هؤلاء يجوبون شرق الوطن العربي وغربه إلى جانب المدن الأوروبية
بالطبع ، مرة للتعاقد مع العمال المهرة والفنيين المطلوبين وأخرى
لتوفير السلع المطلوبة لتنفيذ الأعمال ، هذا يتجه إلى القاهرة
ودمشق والمغرب ، وذاك يتجه إلى إيطاليا ومالطا وقد يذهب آخرون إلى
مدن بعيدة .
غير أن العليمين ببواطن الأمور كانوا يدفعوني للعمل في مجال
التجارة أو الخدمات العامة ، والحجة في هذا الصدد أن نشاط
المقاولات يحتاج إلى إمكانات مالية ضخمة لأن حجم المخصصات المالية
المقدرة من السلطة لا يعد كثيراً أمام ما تحتاجه الأعمال من الآلات
، كما أن التسهيلات المالية التي تمنح من المصارف وتغري الكثيرين
من شأنها أن تقضي على كل الأرباح المقدرة عندما تتأخر المستخلاصات
وترتفع نسبة الأرباح ، مما قد يدفع هامش الربح إلى خسارة محققة ،
فبات واضحاً أن الاتجاه إلى التجارة في حالة الخروج من الوظيفة
أكثر يسراً . بيد أن الحديث عن ذلك كله لا يجلب إلى المرء سوى
المزيد من القلق والمزيد من الخبرة على الرغم من أن كل القرائن
تؤكد أن كل نشاط يتم الاتجاه إليه سيكون أكثر جدوى من العمل
الوظيفي.
وكان الأمر على الصعيد الشخصي أكثر دفعاً نحو هذا الاتجاه ،إذ على
الرغم من عدم وجود أي شكل من أشكال الإدانة ، إلا أن سقف المسؤولية
الوظيفية قد غدا منخفضاً للغاية بالقدر الذي يوازي الأقدمية
والخبرة وبالذات في المجال الثقافي الذي يمثل المجال الأنسب .
ومن خلال عملية حسابية بشأن ما يمكن أن يُؤمَّن عن سنوات العمل من
مستحقات مالية تبين أن قيمة المكافأة المقطوعة ، مع ثمن قطعة الأرض
التي تم بيعها إزاء تأمين السكن من الأملاك المستردة يعتبر عند
الرسو على بر فى مجال العمل الخاص هو ما يمكن الانطلاق منه ذلك أن
قطعة الأرض المشار إليها موقعها المدينة السياحية وقد قررت البلدية
حصر تراخيص البناء في مسافة ألف متر على الأقل ، وهو تعديل أقدم
عليه المنفذون بالبلدية أي أن شيئاً من استغلال الوظيفة قد مورس في
الخصوص ، ومن الممكن إثارة الموضوع صحفياً ولكن التقاليد التي كانت
سائدة تستهجن إثارة أي موضوع في الصحافة لعامل المصلحة وهكذا بيعت
قطعة الأرض بالمتيسر من القيمة والوقت .
أكثر من فكرة طرحت حول النشاط الذي يمكن الانصراف إليه ، وكل يدعو
إلى المجال الذي خبره مما جعل الترجيح أكثر صعوبة .
كان الذين اقتربوا من المتغيرات الجديدة الناتجة عن ارتفاع حجم
الإنفاق على المشاريع العامة يدفعون نحو السلع والمواد المطلوبة
لهذه الأغراض ، في حين كان آخرون يحبذون المطلوب أسرياً ، كل ذلك
دون إغفال الموقع الذي سيكون منه الانطلاق وكذلك الحجم فحيث يوجد
المشاة يكون الإقبال على المواد المنزلية وما في حكمها من الأشياء
الكفيلة بلفت نظر المستهلك ، أما الشوارع الرئيسة فلها كون آخر ،
وبين هؤلاء وأولئك كافة هناك من يرون أن المتغيرات الجديدة قد قلبت
المعادلة تماماً ، فنسب كل استهلاك هو ذلك الناتج عن السير على
الأقدام ، بل إن الذين يتجولون بسياراتهم هم اليوم أكثر إقبالاً من
عداهم ، لأن هؤلاء هم الذين يمثلون المستهلك الحقيقي .
إذ ما كان يشغل البال قبل كل شيء هو الحصول على الإجراء النهائي
بشأن السكن الذي تم تأمينه عقب خروج الجالية الإيطالية والذي قدر
إيجاره بعلاوة السفر والمبيت بمعنى أن هذه العلاوة ستوقف لمجرد
مغادرة الوظيفة العمومية ، ويخشى أن يقدر الإيجار المنتظر بصافي
العلاوة ما لم تنجز إجراءات التمليك التي شرع فيها منذ أكثر من سنة
عندما بدأ المسح المبدئي المتمثل في حصر المساحات ومستوى كل عقار
وعدد حجراته وقد تم الكثير من ذلك أثناء فترة التوقيف وكان للوظيفة
أثرها في اعتبار العقار في حدود المتوسط وقد تبين أن المبلغ قد قدر
بخمسة آلاف دينار مع خصم ما يجب خصمه للموظفين وقد تيسر بعد
المراجعة التوقيع على العقد وتسديد أقساط التأمين اللازمة لتسجيل
العقد ، وهكذا لم يعد هناك ما ينذر بإمكانية دفع الساكن لفسخ العقد
عند الخروج من الوظيفة ، إلى جانب أن المساكن مازالت متوفرة ونظام
الإيجار معمول به والقاعدة العامة تؤكد أن الملك الحكومي أكثر
ضماناً مما عداه ، ومادام العقد قد وُقِّع فلا داعي للخوف ، بل
المضي نحو الاستقالة مع التمتع بالمستحقات الخاصة بالإجازة وقد
تبين أنها تبلغ الأربعة أشهر فكان لابد من التمتع بها مع الاستعداد
للخطوة التالية .
لم يسترح المسؤول الإداري لمدة الإجازة الطويلة ، فكانت دعوته
السريعة للمقابلة ، غير أنه بدلاً من توضيح السبب الحقيقي المتمثل
في الخشية من تفسير هذا الموقف من طرف الدوائر المسؤولة على أنه
نوع من التضييق على أحد الذين ثبتت براءتهم مما نسب إليهم ممن صدر
الأمر بالأخذ بأيديهم ، فقد ذهب إلى الحديث عن ظروف البلد وعن
المتغيرات ، فكان من الضروري إفهامه بأن الأمور تتجاوزه، وأن
علاقات الود مع المسؤول الأصغر الذي اعتمد الطلب دون تدقيق ، فإن
إعادة النظر ممكنة ولهذا السبب وحده مع التأكيد بأن المهمة
الحقيقية لمن يتحدث إليه متمثلة في الكتابة وهو الأمر الذي تم
الإسراع به لمجرد الخروج من المحنة ، ومن ثم فإن الوظائف الإدارية
تعتبر من الأمور الثانوية .
كان قطار العمران قد تحرك بشكل غير مسبوق ، جراء خطة التطوير
المتمثلة في تخصص مبالغ مالية سخية لكل من يقدم مشروع بناء يتألف
من أربع وحدات سكنية فأكثر ، والهدف بطبيعة الحال مساهمة القطاع
الخاص في حل مشكلة السكن التي كانت حتى هذا التاريخ تنيخ بكلكلها
على ظهور أعداد كبيرة من الناس ، فتكفلت هذه الخطة بتقديم شيء من
الحل ، وقد زاد من فعاليتها اتجاه الدولة إلى بناء المساكن لذوي
الدخل المحدود مما يقترب من المجانية ، فضلاً عن الإبقاء على
القروض العقارية فتحولت البلاد إلى ورشة عمل منتشر في كل مكان ،
نجد أن نصيب المدن كان يفوق ما عداه ، والسبب يعود دون شك إلى
نوعية الناس وأعدادهم ، فاحتلت طرابلس الصدارة ، وغدا كل حي بمثابة
مدينة من المدن ، وصارت الشوارع التي خططت في وقت سابق تشهد المزيد
من ارتفاع العمارات وأسفلها مئات المال الكفيلة بالاتساع لأي نشاط
يلوح الاتجاه إليه ، وهكذا أصبح في مقدمة الشوارع الجديدة ذلك
الشارع الممتد من باب قرقارش وحتى زاوية الدهماني أي من البحر إلى
البحر ، فهو أكثر الشوارع حركة للسيارات وهي التي تزيد في كل شهر
وبالذات بعد أن توسطه مبنى الشهر العقاري الذي أمنته مؤسسة الضمان
الاجتماعي ضمن خطها الاستثماري الكبير .
كانت العمارة التي وقع النظر عليها من أملاك الحاج أبو عجيلة أحد
أعيان المدينة وتجارها المعروفين بنشاطهم في نصرة الثورة الجزائرية
، ذلك النشاط الذي يوحي بوجود موقف إزاء ما يجري بالداخل إذ لا
يوجد ناشط في المجال القومي إلا وكان على شيء من الرفض لسوء
الأحوال الداخلية ، وقد تم استئجار العمارة من طرف قطاع الإعلام كي
تكون مقراً للهيئة العامة للمسرح التي استحدثت ضمن ما استحدث من
معالم وهيئات .
لم يكن الموقع غريباً بالنسبة لي منذ أواخر الخمسينيات عندما عمل
الصديق إبراهيم شريكاً في إحدى ورش الميكانيكا وسميت يومئذٍ باسم
الشيخة راضية تميناً بتلك الصوفية ومنارتها المتواضعة ولكن المبنى
شيد حديثاً وأبقى على ذات الاسم شأنه شأن مسجد مولاى محمد الذي جرت
أكثر من محاولة لتغيير اسم طوال الستينيات وأوائل السبعينيات وكان
هناك دوماً من ينتعر للدعوة للابقاء على الاسم التاريخي وإن لم
يتجاوب مع الإبقاء على البناء القديم .
كان الشارع قد شوفى مطالع الستينيات وقد أحيط بمجموعة من
المستودعات التي ما لبثت أن تحولت إلى مبانٍ حديثة ، أما المباني
القديمة فقد أخذت في التلاشي الواحد تلو الآخر كان آخرها ذلك
المكان الذي حوى جملة من الأكواخ الصغيرة التي كثيراً ما أجرها
المهدي منصور وهو يضطلع بالإشراف على أملاك الأوقاف بحكم الإقامة
الطويلة بالحي منذ مطالع القرن وكثيراً ما كنا نصل إلى هنا ساعين
على الأقدام في أماسٍ صيفية طويلة وكان أبو حجاج " يوسف النويري "
أكثر المجموعة حرصاً على قطع المسافات الطويلة ، كأنما كان يدرك أن
قدرة المرء على السير لا تدوم طويلاً .
يرتبط الحاج أبو عجيلة بعلاقات جيدة مع الكثير من الأقارب لكن
الاتصال به كان بمنأى عنهم جميعاً ، وقد حدد إيجار كل محل من
محلاته بمائة وخمسين ديناراً ، قال إنها لا تقبل التخفيض والحجة
متمثلة في المساحة والموقع والحركة التجارية النشطة التي لا قيمة
للإيجار أمامها ، والقاعدة المعروفة عند الناس والتي صارت تتردد
كثيراً أن " من فكر في الكراء لا باع لا شرى " .
لقد أجمع كل الذين اطلعوا على المكان وأجالوا النظر يميناً وشمالاً
قابليته لأي نشاط يمكن أن يُقام عليه ، فالطريق الطويل والمكتظ
بالسيارات كفيل بلفت نظر أي مار به وكل نشاط يحتاج إلى ما يلفت
النظر نحوه ، ولكن المشكلة التي طرأت هي أن الرجل لم يستخرج شهادة
الاستعمال من البلدية لأنها ستلزمه بتسديد الضرائب وبالأحرى ستشكل
المستمسك بشأن تاريخ الاستعمال وعدم وجود الشهادة سيحول دون
الترخيص ، وقد برزت هذه الإشكالية لمجرد التقدم بإيصال الإيجار إلى
البلدية للحصول على الرخصة والتي ستكون رخصة عامة سواء رجحت فكرة
المواد الغذائية ، أو المأكولات وما في حكمها ، والتراخيص على كل
حال من مشمولات إبراهيم المقهور أحد أصدقاء المدينة القدامى وعلي
السنوسي عراب الأقدم في سلم العلاقة منذ زمن المجلس التشريعي ، وما
من حديث يدور إلا ويوفر خبرة جديدة وعرض أجد ، فما من حديث يدور
بين الناس إلا ويدفع نحو النشاط الخاص ويؤكد أن البقاء في السلك
الوظيفي لا يعني سوى الخسارة الدائمة ، وبين الرسو على خيار من
الخيارات ، يظل المفتاح الذي تم استلامه وانضم إلى مفتاح البيت
فضلاً عن السيارة ، يمثل شيئاً آخر ، غير ذلك المفتاح الذي اعتاد
المباشر أن يمسك به عند مغادرة المكتب كل يوم . |