|
حلم المفكرون فكانت الحضارة
طوال رحلته الشاقة المريرة كان مواطن محارة كستكرة .. ومثار
حملات عدائية ظالمة .. تعقبت خطاه مرة ، وسخرت منه مرات
٠
الجماهير التي يموت من أجلها لاتعبأ منه متسفه آراءّ
والأنظمة التي يحاول ان يقوم إعجوتجتها ويحد من ظلالها
تعترض طريقه فتجبره على الصمت أحياناً ... وتنزعه من
من الحياة أحياناً أخرى .
ومع
ذلك ، مع كل مقيه من بني جنسه من صنوف التنكيل
وألوان الوبال ومن شقى من أجل سعادتهم كان المفكر
يبذل جهوده من اجل تأكيد المعرفة .. وتوسيع دائرتها ...
وكلما سقط فارس حل محله فارس جديد
ولو أردنا ان نستعرض قائمة شهداء الفكر منذ عصر سقراط وحتى
وقتنا الحاضر لمووجدنا إلى ذلك سبيلاً... وحسبنا ان
نذكر هنا الحلاج ونهايته الأليمة . وأبن جنبل
ومآساته المروفة وجاليلو وخاتمته .
كان المفكر دائماًيحاول ان يرسم الغد المشرق ..
وكانت المجتمعات تستفيد من تلك المحاولات وتبطش بأصحابها
في ذات الوقت ، وقد وصل الأمر بالمجتمعات في فقرات
تخلفها وسباتها الحضاري أن جعلت الفلسفة مرادفة للخيل
.. ويكفي أن يقال عن إنسان ما بأنه فيلسوف حتى
يظن بأنه إنسان غير عادي .. ولقد حرفت كلمة
الفلسفة إلى [ فلسفة ] كما يقول العوام
وكان آخر ما إكتشفته المجتمعات .. تلك الفكرة
القائلة بأن الفيلسوف يقول آراءلايمكن تطبيقها في
عالم الواقع وكان ان تسقط البعض كلمة المثالية
التي ثقالت بها الفلسفة المادية لتنال من كل جهد
فكري حاول ان يقدم وجهة نظر ما ... ولم يكن ذلك
بدافع الحوار الفكري .. بالطبع وإنما كان تبرير
إجراءات ما عرفها عالم الواقع وراى بعض المفكرين
إمكانية تغييرها لهذا السبب أو ذاك .
ولسنا بصدد إستعراض هذه القضية وذلك لأن مجالها
ايتسعه المقام الآن ، غير إن الذي أريد ان أشير
إليه ان الصراع بين الفلسفة المثالية وغير المثالية
نفذ منها أكثر من مفهوم لا هو بالذي يرجع هذا
الجانب وا هو بالذي يرجع ذاك ولاهو باالذي يقوم
وجهة نظر جديدة تضيف إلى التجربة الإنسانية شيئاً ما
.
ومع ذلك ... تظل آحلام الفلاسفة هي الوجه المشرق
لجهود الفلاسفة وتصورهم عالم لا مكان فيه للظلم ..
ولامحال فيه للأحزان والمواجع
وتظل رسالة المثقف الحقيقي ، وفي العالم الثالث
على وجه الخصوص
الإنتصار لتلك الجهود الخيرة التي بذلها آولئك الرواد
العظام ودفعوا حياتهم ثمناًلها سواء كانت هذه الجهود
مدعاة لسرورنا أو على العكس .
ذلك لايعني ان نأخذ كل ما قال به آولئك الكبار بالرضا
والتسليم ونقلع عن مناقشة آرائهم وتبين مواطن الخلاف معهم
..فاالنقاش وتحديد مواطن الخلاف من أهم ما نحتاج إليه
بلا جدال 0
بيد أن الذي لابد منه هو ان يتم ذلك في تواضع جم
.. وفي إكبار عميق تلك الجهود الرائعة العظيمة
التي بذلها شهداءالفكر عبر رحلتهم الطويلة .. سواء
كان ذلك في نطاق الفلسفة المثالية أوغير المثالية
إنا ابد أن نؤمن إيماناً عميقاًبأن مواقفنا الفكرة
لاتنزال هشة أمام تلك المحاولات الرائدة العظيمة
وإن ما يتراعى لنا اليوم من مواطن ضعف في
بعض الفلسفات إنما جاء نتيجة جهود أخرى ما كنت
لتظهر لو لم يبذل أنصار الفلسفة المثالية الكثير
، وبضدها تتميز الأشيائكما يقولون ولعلنا بحد ذلك
جنكون مجافين للحقيقة إذاقلنا إن القول بأن :-
/ مشاكل العالم لايمكن أن تحل بواسطة الحلم ..
وإن الرفض والغضب والتمرد مفاهيم لم تعد نبيلة
وإنها تحولت إلى موضة .... ولنها إفرازات لحضارة
أوروبا التي تعاني المرض والشيخوخة ، إلى آخر
ما جاء في مجموعة الأحكام العامة تحت عنوان {
حلم المفكرون فإنها حضارة } هو قول جائر وغير
موضوعي ... إن كاتب المقال الأخ إبراهيم الكوني كان
طالما فب أحكامه اتلي ساقها في مقاله سالف
الذكر 0
فاالذين رفضوا والذين غضبوا والذين تمردوا هم
وحدهم الذين إستطاعوا أن يقدموا أشياـدلمجتمعاتهم
، بل حتى الذين لعترضوا على الفلسفة المثالية
وإمكنهم أن يقدموا شيئاًمن خلال إعتراضهم لم
يكونوا في بداية رحلتهم أكثر من متمردين غاضبين
.
ومن هنا فإن تجريد كل اولئك الغضبين الرافضين من جهودهم
وكفاحهم لمجرد إن الفلسفة المثالية لم تعد مقبولة هو قول
غير منصف كما جاء في مقال الأخ الكوني .
والحقيقة إن الأخ الكوني كان يمكن ان يكون
منطقياً وربما قد نتفق معه و طرح المسألة على
أساس الواقع الليبي ...وترك الفلسفة لحالها أعني
لو تعرض إلى مشكلات الواقع وقال إن على المثقف
الا يقف المعارضة لمجرد المعارضة ، فتلك حقيقة
لا مجال فيها للشك ، بل وتحتاج إلى من يركز
عليها ويتناولها إما لن يطلق لنفسه العنان لينال
من التجارب
الإنسانية العظيمة ....ومجرد المواقف الإنسانية من
نيلها وتصاعتها متسترا بجناح الفلسفة غير المثالية ،
منتهياًإلى نهايات غائمة وغير محددة فكتفيا بترديد
بعض الأبجديات ، كاالقول بإختلاف الظروف تبعا
لإختلاف الأنظمة السياسية ، فاالحق إنه بمثابة
الذي يدور في حلقة مفرغة وينتهي إلى نفس
النهاية التي تنتهي إليها الفلسفة التي يهاجمها
في مقاله ويعتقد إنه على خلاف معها ، في
حين إنه أقرب إليها من أي شيء آخر
|