عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

مصطفى

محمود البوسيفي

 

لاتبدو عليه علامات تشي بعمره .. لكنه يحمل في عينيه ما يمكن وصفه بالطمأنينة القلقة وهو ما يثير الدهشة في أول الأمر قبل أن تتفكك مفاصل الاستغراب في مواجهة ابتسامته الرائقة نحيل بلا تجاعيد .. غير أنه لم يعد هناك سواد في شاربيه الودودين لا أكاد أصدق أن ثمة من يعجز عن فهمه مباشرة فهو يمد إليك يد العون منذ المصافحة الأولى ويهبك مفاتيح قلبه وكأنه يتوسل إليك أن تطمئن ..
اسمه مصطفى بلعيد وكنا أطفالاً في حي العمروص بسوق الجمعة نطلق على بيتهم (حوش الشمباشي) وهي رتبة تعادل نائب عريف كان والده يحملها في سلك الشرطة كان العجوز يبدو حانقاً على الدوام وكنا نتجنبه ونخشاه وهو يقتعد مكاناً أمام بيته في عشيات الصيف حيث تتحول الأزقة إلى ملاعب للكرة والركض الطفولي المزدحم بالنزق الذي يتحول إلى ذعر والرجل الهرم يلاحقنا بعصا وسباب ووعيد ..
حصل مصطفى على الثانوية بينما كنت والصديقين نصر الدين القاضي وبشير زعبية قد تخلصنا للتو من زغب الابتدائية وعرفنا الطريق إلى المراهقة الإعدادية نكتظ بالتوق للمعرفة والقبض على تفاصيل ما تيسر لنا وفقاً لإمكانياتنا المادية الشحيحة .. هنا ظهر مصطفى الذي حول (مربوعة) بيتهم إلى مكتبة عامة فتح لها باباً على الشارع وبسط على أرضيتها حصائر وفرشاً يتيح لك الاتكاء إذا شئت وأنت تلتهم صفحات من كتاب ..
تحولت المسافة التي يشغلها جدار البيت الخارجي من منطقة نقطعها عدواً وركضاً إلى ملاذ نستظل به بعد أن أنهك المرض العجوز الحانق وأجبره على أن يلوذ بالفراش صارت المربوعة حقلاً نفترش سنابله ونحن نصنع من حبات بذاره عقوداً لحبيبات تلوح قاماتهن وراء الأبواب المواربة .
كانت ملامح مصطفى مناوئة في العادة للغضب ولكنه حينما يفعل يتحول إلى قطع من لهب بركاني لا ينطفئ إلا بعد الحصول على إجابات لحمم أسئلته التي يقذفها بهدوء محموم بحزم أبوي ذات مساء شتائي باغتني انفجاره وهو يستفسر عن خططي التي قال إنه سمعها من أحد الأصدقاء للتوقف عن مواصلة الدراسة بعد الشهادة الإعدادية للبحث عن عمل حصلت يومها على أول محاضرة عن قيمة العمل الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال تقديره في غياب ميزان المعرفة ..وأدركت وأنا أتابع استشهاداته ومقارباته التي ينظمها منطق غير عصيّ على الفهم أن النسبية قانون الحياة فالرجل الذي يقتطع ساعات من زحام يومه ليطمئن قلقي لا يكبرني في واقع الأمر إلا بسنوات قليلة لا تتجاوز الست ويكتسب وجهه وهو يؤثث محاضرته بقصائد من نهارات مغسولة بالعذوبة مهابة الأب الصديق ...
كان يقطع مسافات طويلة وفي مناخات متعجرفة لشرح معادلات في الرياضيات التي كان مميزاً بها ولم تتح له الظروف لاستكمال علومها لصديق متعثر في دروسه .
حكَّاء من طراز مدهش تراه وهو ينسج طزاجة الأشياء يعتمر عمامة ابن بطوطة مرة وقبعة ماركو بولو مرة وغبار حسن الوزان مرة ثالثة يرحل بك صوب مرافئ تقودك دائماً إلى مرافئ الاطمئنان افعل ما تراه مناسباً وأنت مطمئن هذا كان درسه الأول .
مازال الرجل النحيل راعي عذوبة الألفة يلقى كراريس القراءة في النوافذ المسهدة ويطرح مذاق الأغاني في غرغرة الأطفال ..
من ميزاته وهو يتنفس وداً أنه لم يكتب الشعر حتى وهو يرسم الظلال على ضفاف البهجات .
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية