|
الرقابة والخيار
الأسلم
كان موضوع الرقابة
الرسمية على الإنتاج
الأدبي والفني، وما يزال
موضوع نقاش بين النّخب في
الكثير من المجتمعات، حيث
يشتط العاملون خارج الأطر
الرسمية في اعتراضهم على
هذه الرقابة تحت أيّ مسمى
من المسميات، فيما يكون
للمنضوين داخل هذه الأطر
من مؤيد لها في المطلق
وداع لتقنينها ،وجعلها
أكثر عملية ومراعاة
لمقتضيات الحال وثمة من
ينتقل من النقيض إلى
النقيض طبقا لما تشهده
حياته العملية من
متغيرّات وما يفرضه كذلك
ما قد يطرأ على موقف في
السلطة الاستشارية
والتنفيذية وما يلوح كذلك
من بعض الطموحات مما حدا
بالدولة الليبية ومنذ أن
تأسس اتحاد الأدباء
والكتاب الليبيين في
النصف الثاني من سبعينيات
القرن الماضي إلى أن
تُصدر أكثر من توجيه
بضرورة إسناد هذه المهمة
إلى الكتاب أنفسهم حتى أن
مصلحة المطبوعات قد ألغيت
ذات مرة بالكامل ودمجت في
قطاع النشر، لولا أنها ما
لبثت أن أعُيدت من جديد
في التسعينيات بالتحديد
ووسط جملة من التطورات
التي شهدها قطاع الثقافة
وصار دور الآدباء أكثر
حيوية سواء بما أنيط
بالرابطة من مطبوعات أوما
بادرت به من طرح لقضايا
أكثر اشتباكا مع الواقع
كندوة الثقافة والتغيير
الاجتماعي وما تلاها من
مناشط، مما جعل موضوع
الرقابة هذا يشهد الكثير
من الحوار وبالذات فوق
أعمدة مجلة "لا" التي
صارت من مَشمولات
الرابطة.
وعندما رأت نقابة
المحامين "الأمانة العامة
وأمانة طرابلس" أن توسّع
من نشاطها الثقافي بحيث
يشمل بعض القضايا الأدبية
والفكرية، بالنظر إلى
وجود الكثير من أعضاء هذه
النقابة الذين يجمعون بين
القانون والأدب من حيث
التعبير، كما أنهم
يرتبطون في ذات الوقت
بأمْتنِ العلاقات مع
الكثير من الرموز التي
تؤمن بأن الثقافة في
حقيقتها لا يمكن أن تكون
محصورة في النص الأدبي
بقدر ما ينبغي أن تكون
ذات صلة وثيقة بالشأن
العام والتنظيمات
الثقافية المهتمة به
وأولها نقابة المحامين،
فكان أن انتظم موسم ثقافي
بالغ الخصوصية اتخذ من
فضاء نقابة طرابلس وحسن
رعاية النقابة العامة جمع
بين القراءات الشعرية
والمعالجات النقدية
ومناقشة عدد من القضايا
أبرزها موضوع الرقابة،
فانتظمت ندوة لهذا
الموضوع أريد لها أن تكون
مشتركة بين الشريحتين،
فحضر يومئذ عدد كبير من
المحامين والأدباء لبحث
موضوع الرقابة هذا من حيث
المشروعية القانونية
والضرورات العملية، كان
المرحوم كامل المقهور
أكثر الساعين في هذا
السبيل ويومئذ تعذر على
أمانة الرابطة حضور
الندوة المشار إليها
لأسباب لم نشأ الخوض في
تتبع أسبابها بقدر ما كان
الاهتمام منصرفا إلى
المشاركة في الندوة
المذكورة، فكانت هذه
الورقة ضمن الأوراق التي
القيت في أشغال الندوة
ونالت ما نالت من التصويب
والإضافة وحتى الاعتراض
ولكنها كنص مكتوب لم توضع
كاملة أمام القارئ،
فاقتضى الاتساع الناتج عن
وجود "أويا" في أيامنا
هذه أن ننشر المداخلة
بالكامل عسى أن يكون فيها
ما يدعو إلى بحث القضية
من جديد: "أود في مستهل
هذه المشاركة أنْ أعبر عن
جزيل شكري للجنة الثقافية
للنقابة على تنظيمها لهذه
الندوة الفكرية المهمة
مكبرا في الوقت ذاته هذه
المؤسسة العريقة التي
اشتهرت عبر تاريخها
الطويل بالنضال المستميت
من أجل صون المهنة
وتطويرها والحرص على وضع
هذه الشريحة الفاعلة في
ضفة العمل الوطني والقومي
والذي يجعل من هذه المهنة
والمنضوين تحت لوائها
فصيلا رياديا في حركة
التنوير ومعركة التطور
وذلك من خلال الدفاع عن
القانون وتوظيفه لخدمة
الناس وصون حقوقهم ليس
فقط في الحرية بل
وبالدرجة الأولى في
الحياة المعيشية الكريمة.
ولاغرْوَ فالذين ولجوا في
بلادنا باب المحاماة هم
دائماً الذين حملوا قبل
هذه المهمة حجرة المعرفة
بأيديهم ونهضوا قبل ذلك
بمسؤولية النضال منذ أن
بدأت المساعي الرامية إلى
بعث كياننا الوطني في
مطلع النصف من (هذا
القرن) وقد تبين من
البداية أن من أولى
أولويّاته كيف يمكن
للقانون أن يسود سواء من
حيث مؤسسات التشريع وضمان
سلامة تأسيسها أو من حيث
السطلة التنفذية التي
ستضطلع بتنفيذ القانون
وقبل ذلك كله جوهر
المضمون الذي ينبغي أن
ينطلق منه أو يبنى عليه
ذلك القانون وما ذلك إلا
لأنّ معركة الوطن العربي
في عمومه وطوال تلك
الفترة بل وقبلها بقليل
كانت في حقيقة الأمر
معركة القانون ومعركة
سيادة القانون أمام جملة
من الهجمات الشرسة التي
طالما قادها ويقودها نفر
من أبناء هذا الوطن
العربي الكبير تحت مبررات
كثيرة في اتجاه تغيب
القانون ومطاردة العاملين
في حقله بشتّى الطرق
عندما شاعت الظروف
الاستثنائية
وتفننت القوى المهمينة
عليه من أبنائه بالطبع في
إيجاد المزيد من المبررات
الكفيلة بالتهديد لهذه
الظروف كي تسود لدرجة أن
بعض الانتصارات التي
تحققت لتحرير الأرض لم
تحل دون العمل بقوانين
الطوارئ ربما في أحسن
الظروف.
من هنا كانت علاقتنا على
الرغم من انعدام التخصص
التي يمكن وصفها مع موضوع
القانون ومع الفترات التي
غاب فيها هذا الحلم
الجميل وكان انزعاجنا
الكبير من كل محاولة قد
تنال من هذا الخيار
الإنساني الذي يعتبر
البداية الحقيقية لكل
مسعى إصلاحي وكانت كذلك
دعوتنا إلى جميع القوى
الحية لتقف صفا واحدا كي
تسود سلطة القانون وأعني
بذلك سلطة القضاء وهي كما
يعلم الجميع تتكون دائماً
من خصمين يتحاجان بهذا
السلاح إلى جانب آخر
يُمثّل الحق الأكبر
والكلمة الفاصلة ولايتردد
في النطق فلا نملك إلا أن
َنْمثل لحكمة ولا مكان
لنا تحت الشمس مالم نقبل
نتائج هذا الحكم ولانطعن
فيه إلا بما يحدد القانون
وبالكيفية التنظيمية
المعلنة فيه ودون أي شكل
من أشكال الغوغاء.
إن كل محاولة تنال بطريقة
أو أخرى من هيبة من يحكم
باسم القانون وأقصد بذلك
رجل القضاء لن يكون لها
من مردود سوى تعطيل حركة
التطور وتوجيه العربة إلى
الخلف، ومامن شك أن كل
الشرور التي ابتلينا بها
والمعوقات التي عطلت
مسيرتنا والسلبيات التي
عشناها ونعيشها في عالم
اليوم هي ثمرات من ثمرات
ذلك الزرع غير الكريم
الذي ترعرع في زمن العبث
بسلطة القانون ومن يصدر
الحكم باسم القانون
وطغيان الثقافة التي
لاتُقِيم وزنا للقانون.
لقد أثيرت هذه الإشكالية
على نحو خاص في السنوات
الماضية وبالتحديد في
ندوة الثقافة والتغيير
الاجتماعي وبصدد كتاب
البيان بالقرآن تحديداً و
والذي ارتأى بعض
المشتغلين بالقانون طرح
ماحمله من آراء أمام
القضاء لما حملته من مساس
بالمقدس ويومئذ رآي بعض
المشاركين في الندوة أن
تكون لهم وقفة مع الكتاب
فكان لهم ماأرادوا و دون
أن يحول ذلك دون الحديث
عن جوهر القضية والتي
انطلقت فيما بعد عن فرضية
ترى أن القضاء جوهر
الحرية بمعنى أن اللجوء
إلى القضاء في مثل هذه
الأمور لايمس مبدأ الحرية
بالقدر الذي ينتج عن
القرارات الإدارية وكانت
المحاولة في هذا العدد
منصرفة إلى إنعاش الذاكرة
الثقافية لتلك المعارك
التي شهدها الفكر العربي
في العصور الأخيرة وسجّل
التاريخ السياسي بسلطة
القضاء تلك المعارك التي
بدأت عندنا بمظاهرات سقوط
العدالة التي استنكرت حكم
المحكمة العليا ببطلان حل
المجلس التشريعي لولاية
طرابلس الغرب بموجب قضية
رفعها أبرز المثقفين
الليبيين الذين دخلوا في
ذلك الزمن سلك القضاء ومن
ثم المحاماة هو الاستاذ
علي الذيب أحد مؤسسي هذه
النقابة وأول من اضطلع
بتمثيلها في عديد المحافل
الدولية ثم المظاهرات
التي عرفتها القاهرة سنة
67م متضمنه استنكار
الاحكام التي صدرت في حق
المسؤولين عن هزيمة تلك
السنة وبين هذه وتلك بعض
الكتب التي عرضت على
القضاء أحدثها في النصف
الثاني من هذا القرن كتاب
الأستاذ خالد محمد خالد
"من هنا نبدأ" الذي برأه
القضاء المصري مما نسب
إليه. الأمر الذي لم يرق
للصديق الدكتور علي فهمي
خشيم الذي بادر بكتابة رد
مطول اختار له عنوان
"الحرية جوهر القضاء"
محذراً من خطورة ماذهبت
ليس فقط لأن الرأي صادر
من أحد الكتاب وإنما لأنه
يحمل من الصفات
الاعتبارية مايحمل فإلى
جانب أنه الرابطة، أمانة
مجلة الفصول ومجلة "لا"
ومجلة الكاتب العربي!
وها أنتم هؤلاء تثيرون
اليوم هذه الاشكالية مرة
أخرى ضمن هذا الموسم
الثقافي الذي ينتظم في
اطار المزاوجة بين
الثقافة والقانون وتشاء
الاقدار أن يكون الصديق
علي خشيم على رأس رابطة
الأدباء والكتاب فيتولى
من خلالها مسؤولية إصدار
"الفصول "وكذلك مجلة "لا"
ويعومن عن المسؤوليّة
العربية التي كنت أشغلا
بأمانة مجمع اللغة
العربية وقبل ذلك كله
وزنه الثقافي في الخاص
المترتب على دوره الأدبي
والاكاديمي مما يجعله في
فسحة من المقدرة ليسخر
هذه الامكانات مجتمعة في
الدفاع عن وجهة نظرة التي
جهر بها ذات يوم ازاء ما
أبديته من المواقفة على
القبول برأي القضاء في
مسائل النشر والذي خشي من
توظيفي لما حملته من صفات
للنيل من حرية الرأي او
هكذا فهمت لولا أنه لسبب
لا أعلمه فضل عدم حضور
هذه الندوة والدفاع عما
رأى وأعود إلى جوهر
المسألة فأقول إن من أسهل
الأمور أن يرفض المرء كل
القيود وأن يعتبر كل
إجْزاء من الإجراءات
ينطوي على شيء من المساس
بالحرية إلى غير ذلك من
الآراء التي كثيراً ما
نتحمس لها ونحن نكتب ولكن
الصعوبة حقّا كيف يمكن
للمرء أن يوطن نفسه على
الإصغاء للاخرين وبالذات
حين يكون في موقع
المسؤولية وأضيف هنا أنني
مع الحرية في المطلق مع
عدم المصادرة مع رفع
الرقابة ولكنني من موقع
المسؤولية لن أعدم
المبررات للإبقاء على
ماوجدت أو مافرضت الصفة..
نعم إن ماقلته بالإمس وما
أصرّ عليه اليوم لايتصل
بتبرير الرقابة على
الكتاب ولكنه يتصل بجملة
الخيارات المطروحة في
مجال التعاطي العملي إذ
قد تعارفت المجتمعات على
ثوابت اعتبرتها في حكم
المسلمات وأوكلت مهمة
الدفاع عنها لمؤسسات
معينة ومن بينها في
المجال الفكري والمطبوع
تحديداً هو الكتاب وحددت
قواعد لتسويقه وانسيابه،
وقبل ذلك إجازته، وسلكت
في هذا الاتجاه أكثر من
مسلك واستحدثت أكثر من
أسلوب ابتداء من المصادرة
وحجز الكتاب وربما الكاتب
وعدم طباعته أو شرائه
بقصد الإتلاف.
مثل هذا الإجراء ليس هو
الأمثل بدون شك ولكنه
قائم على كل حال فمن الذي
يمكنه أن يتولى مسؤولية
مراجعة الكتاب وتقرير ما
إذا كان مع الثوابت أو
ضدها؟ هل هو رجل الأمن؟
هل هو مدير المطبوعات
الذي يكون في أحيان كثيرة
لا صلة له بالكتاب، هل هو
عضو إحدى اللجان التي
كثيرا ما تشكل ضمن
أولويات ليس من بينها
الشأن الثقافي.؟
من هنا كان القول بأن
اللجوء إلى القضاء، بصدد
التعامل مع الكتاب يعتبر
الإجراء الأسلم وأن
الأحتكام إلى القانون هو
الأصوب، ذلك أن القضاء في
الغالب يستعين بعديد
الخبراء في كل شأن من
الشؤون التي تحال إليه
بما في ذلك لجان الأدباء
والكتاب والعلماء
والأئمّة فهو على الاقل
يستند في الكثير من
اجراءاته إلى أصحاب
الاختصاص.
على أن الأمر في الحقيقة
أكبر بكثير من كتاب يكتب
أو حديث يقال، فهو حسبما
حاولنا وسبقنا إلى ذلك
آخرون ممّن تعلمنا منهم
وحاولنا اقتفاء آثارهم
يتصل بحركة المجتمع في
عمومه، في المنظومة
العامة التي تربت على هذه
الحركة، ابتداء من المحلة
وحتى الوطن الأكبر، وكيف
يمكن للقضاء أن يكون صاحب
الكلمة الفاصلة بداية من
الأحوال الشخصية وحتى
القرارات الإدارية
والمصيريّة، وكيف يمكن
لهذه الشؤون أن ترتب
بواسطة القانون، كيف
ينتظم ذلك في المرجعية
الشاملة التي تدعى بقانون
القوانين، أو الأب الأكبر
للقوانين، وهو في الحقيقة
البداية السليمة لكل نهضة
مرجوة، كل تطور منشود،
فالقانون على قسوته أفضل
من غيابه والقضاء على
علاتة أرحم مما سواه. ولا
أريد هنا أن أتحدث عن
الشواهد أو أطيل بالقرائن
مّمن نتشرف بالحديث إليهم
أعلم ومنهم من يؤخذ
النصح.
وبشيء من الايجاز يمكن
القول إن كل نص يرفض
المحاكم الاستثنائية
ويحضر العقوبة البدنية
وتنص عليه وثيقة من
الوثائق لابد أن يكون
جديرا بالاحترام، كما أن
القوانين التي تحدد بعض
الجرائم السياسية
بالبطاقة والخلية
وتتجازوها بعض الأحكام من
الأمور التي تقتضي التوقف
وحتى المحاسبة.
في هذا الإطار إذن يكون
القبول بالقضاء في كل شأن
من الشؤون هو الخيار
الأسلم. ذلك ما قلته
بالأمس وما أقوله اليوم،
وأرجو أن أكون أكثر
توفيقا وثباتاً للتمسك به
في الغد، والقدرة
الحقيقية دائما في كيفية
اختيار أخف الضررين.
ترى هل يفلح هذا النشر في
إثارة ما نطمح إليه من
الحوار في ضوء ما يشهده
الواقع من حراك أم سيمر
الأمر مثلما مر في
الماضي؟
ذلك ما ستثبته الأيام.
|