عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

صنع الله إبراهيم متلصصا‮

 

تعتبر رواية التلصص واحدة من أحدث النصوص الروائية ذات المستوى الفني‮ ‬الرفيع التي‮ ‬دأب على إبداعها المثقف التقدمي‮ ‬المعروف والمناضل المصري‮ ‬البارز صنع الله إبراهيم،‮ ‬أحد أبرز الروائيين العرب المنغمسين بفنهم الروائي‮ ‬وإسهامهم الأدبي‮ ‬في‮ ‬مشكلات الواقع العربي‮ ‬عامة والمصرى على وجه التحديد‮. ‬
ذلك الانغماس الذي‮ ‬لم تزده الإجراءات الجزائية من طرف السلط إلا إصراراً‮ ‬على المضي‮ ‬في‮ ‬الموقف المبدئي‮ ‬الرافض لكل المغريات،‮ ‬ولو كان ذلك على هيئة جوائز مالية شبه مجزية،‮ ‬كثيراً‮ ‬ما أسالت لعاب البعض من كتاب هذا الجنس الأدبي‮ ‬عندما رأوا فيها هدفاً‮ ‬من الأهداف التي‮ ‬يبذل في‮ ‬سبيل الظفر بها الجهد‮.. ‬بل وتتعدد المواقف أو تتغير بالكامل،‮ ‬لايهم إن كان ذلك بصدد الموقف الوطني‮ ‬أو القومي‮ ‬أو الإنساني‮ ‬إن جاز لأحد أن‮ ‬يفرق بين هذا وذاك‮. ‬وقد صدرت هذه الرواية عن دار المستقبل العربي‮ ‬بوصفها المؤسسة التي‮ ‬طالما عنيت بنشر هذا النوع من الأدب الموسوم بالموقف التقدمي،‮ ‬وهؤلاء الكتّاب الذين لايرحب بهم في‮ ‬اوساط كثيرة،‮ ‬حيث تنعدم بين الطرفين‮- ‬على مايبدو‮ - ‬الروح التجارية القادرة في‮ ‬أحيان كثيرة على استيعاب كل ذي‮ ‬موقف طري‮ ‬فيصار إلى تطويعه بكل اليسر،‮ ‬ولو عن طريق التسويق الذي‮ ‬لاينتج عن إيصال المنتج الأدبي‮ ‬إلى أكبر عدد من الناس،‮ ‬بقدر ماتتضاعف كميات الطبع دون أن تزيد أعداد القراء،‮ ‬ولو شئنا أن نضرب الأمثلة لما اتسع لنا المكان ولتعددت أنواع المصادرة لكل رأي‮ ‬لايتفق مع تيار التسويات المشبوهة والخيارات اللا وطنية بل والمخجلة في‮ ‬أحيان كثيرة‮.‬
حدد موضوع هذه الرواية في‮ ‬المرحلة الأولى من السيرة الذاتية لصنع الله إبراهيم ذاته والتي‮ ‬هي‮ ‬بالضرورة سيرة المرحلة التاريخية بالكامل،‮ ‬وهي‮ ‬بالتحديد أربعينيات القرن الماضي‮ ‬وفي‮ ‬الأحياء المهمة من مدينة القاهرة التي‮ ‬شهدت معظم الأحداث المتصلة بالشأن العربي‮ ‬العام،‮ ‬حيث تتحرك معظم الفاعليات وتدلي‮ ‬بما لديها في‮ ‬مختلف الشؤون ومن بينها بالطبع صنع الله إبراهيم نجل خليل بك الذي‮ ‬يتمتع بهذا اللقب والذي‮ ‬لم‮ ‬يكن من الدرجة الأولى لينعم بامتيازاته كاملة ولكنه بالمقابل ليس شخصاً‮ ‬عادياً‮ ‬من عامة الناس ولكن على درجة ما‮ "‬تفضل‮ ‬ياخليل بيه‮" ‬
يجيب في‮ ‬وقار،‮ ‬حَنْمُرّ‮ ‬واحنا راجعين الشارع من جديد‮" ‬بائع‮ ‬يانصيب علق أوراقاً‮ ‬على الحائط،‮ ‬يخرج أبي‮ ‬ورقتين من جيبه ونظارة القراءة،‮ ‬يقارن أرقامها بدفاتر البائع،‮ ‬يكمش الورقتين ويلقي‮ ‬بهما في‮ ‬الطريق،‮ ‬يشتري‮ ‬ورقيتين جديدتين‮. ‬
كوم من النظارات القديمة فوق جريدة على الأرض‮. ‬البائع‮ ‬يرتدي‮ ‬نظارة طبية مكسورة من المنتصف وملحومة بقطعة بارزة من الصفيح‮ ‬ينحني‮ ‬أبي‮ ‬ويقلب بين النظارات،‮ ‬يختار واحدة ويطلب مني‮ ‬أن ارتديها أضع النظارة فوق عيني‮ ‬وأتطلع حولي‮ ‬أجرب نظارة أخرى ثالثة بيضاوية في‮ ‬إطار رفيع من معدن مذهب،‮ ‬أشعر بتحسن في‮ ‬الرؤية‮ ‬يفاصل أبي‮ ‬في‮ ‬ثمنها ويشتريها‮ "‬ص7"
بداية بالغة الدلالة حول ظروف الطفل الصحية‮ ‬غير المطمئنة كما تظهر من ضعف البصر،‮ ‬وكذلك الوالد محدود الدخل الذي‮ ‬يسد نقص احتياجات ابنه من الأشياء المستعملة ولكنه على أي‮ ‬حال مستوى من مستويات التدبير وإدراك النقص في‮ ‬وقت مبكر‮. ‬
يمكن القول أن أسلوب الكتابة هو الآخر من حيث اعتماد ضمير المتكلم في‮ ‬الحكي‮ ‬بدأ شديد الملاءمة للمرحلة موضوع الرواية وما أحدثته من أثر في‮ ‬تشكيل شخصية الراوي‮ ‬وتكوين الأسس الأولى لاختياراته المستقبلية وقد بدأت كما أراد لها أن تكون مع بداية الوعي‮ ‬بالحياة والأحداث جنباً‮ ‬إلى جنب مع النشأة الشخصية والاحتياجات اليومية حين لايكون أمام كل من كان في‮ ‬تلك المرحلة من العمر سوى أن‮ ‬يتلصص على من حوله بل ويجد المتعة في‮ ‬تصرفات كثيرة تقبل عليها أطراف المجتمع في‮ ‬تلقائية ويتيسر للأطفال عادة أن‮ ‬يقتربوا منها،‮ ‬كل منهم حسب ظروفه،‮ ‬وموقف الآخرين منه،‮ ‬وما توفره عادة جملة من الاعتبارات مما أجاد صنع الله إبراهيم في‮ ‬حسن توظيفه لما ابتغى أن‮ ‬يبلغ‮ ‬عنه لنا معاشر متلقيه عن حياة الناس والجماعات وما توفر لها من قوة الالتصاق بحياة الراوي‮ ‬معاشة هذه الحياة بحق،‮ ‬كما جاء في‮ ‬الرد أو متخيلة كما تقتضي‮ ‬في‮ ‬أحيان كثيرة شروط المستهدف من الكتابة عبر السرد المعتمد على التفاصيل الكثيرة الملتقطة من حياة الفتي‮ ‬الشخصية والمحيط الذي‮ ‬يدور فيه،‮ ‬المدرسة الأولية،‮ ‬جلسات خليل بيه المنهك من الزمن وضغوط الحاجة،‮ ‬المجتمع الذي‮ ‬يتحدث فيه الناس عما‮ ‬يجري‮ ‬وعما تكتب الصحافة حول الشأن العام ويتحدث القراء وترصد العين المتلصصة لمجمل الأشياء الكبيرة من خلال السمع والأكثر قرباً‮ ‬من الملامسة‮.‬
فالمرحلة الزمنية هكذا‮ ‬،‮ ‬طفولة‮ ‬يغشى بموجبها الفتى صنع الله الصفوف الأولى‮ ‬،‮ ‬وحياة لا وجود فيها للأم ولا وضوح لسبب الغياب‮ ‬،‮ ‬فقط الوالد المهتم بطفله هذا والمتكفل بتوفير جميع‮ ‬احتياجاته بدءاً‮ ‬من احتياجات الحمام والإفطار وما في‮ ‬حكمه إلى الدراسة والواجبات التي‮ ‬تحتاج إلى مساعدة ذلك الوالد ومزاوجة لافتة بين سن الطفل واهتماماته وأسئلته وحتى ملاحظاته وواقع ممتلئ بأكثر من تناقض تتولاه سلطة شديدة التقصير في‮ ‬أداء الواجب والإصرار على طلب الطاعة ترغيباً‮ ‬وترهيبا‮.‬


في‮ ‬جمال الربيع عيدك أقبل‮ ‬
أنت أبهى من الربيع وأجمل‮ ‬


نكرر النشيد خلف مدرس الموسيقى‮ ‬يتدلى من جيب سترته منديل كبير ملون‮ ‬،‮ ‬سيصحبنا إلى قصر عابدين في‮ ‬عيد الميلاد الملكي‮ ‬يعطوننا سندويتشات من الجبن الشيستر الأصفر والحلاوة الطحينية‮ ‬،‮ ‬فيوم الاثنين نصف‮ ‬يوم‮ ‬يكتب مدرس اللغة الإنجليزية التاريخ فوق الصبورة‮ ‬،‮ ‬أرى المكتوب بوضوح بفضل النظارة‮ ‬يبدأ الهرج في‮ ‬المقاعد الخلفية‮ ‬يستدير المدرس ويتجه إلى كرسيه‮ ‬،‮ ‬ملابسه‮ ‬غالية وأنيقة‮ ‬،‮ ‬ثنية رجلي‮ ‬بنطلونه عريضة حسب الموضة‮ ‬،‮ ‬منتصبتان فوق قدمي‮ ‬حذائه دون ترهل‮ ‬،‮ ‬تغطيان نعل الحذاء من الخلف حتى نقطة‮ ‬تماسه مع الأرض‮ ‬يقول دون أن‮ ‬يتطلع إلى أحد اللي‮ ‬مش عايز الدرس‮ ‬يتفضل بالخروج‮ .‬
ينهض تلاميذ الصفوف الخلفية الكبار‮ ‬يغادرون الفصل أخذ مسدسي‮ ‬من الدرج وأتبعهم،‮ ‬الحق بالتلاميذ إلى السلم متسللاً‮ ‬إلى الفناء الخلفي‮ ‬أخلع النظارة التي‮ ‬ألصقت بي‮ ‬اسم‮ ‬غاندي‮".‬
النظارة التي‮ ‬وضعها طفل ذلك الزمان على عينيه هي‮ ‬التي‮ ‬أشرت إلى شخصية كان في‮ ‬ذلك الزمن أو قبله بقليل‮ ‬يسمى‮ ‬غاندي‮ ‬قاد كفاح الشعب الهندي‮ ‬إلى الاستقلال وجايله في‮ ‬ذات الفترة محمد علي‮ ‬جناح الذي‮ ‬اتجهت رؤيته إلى تأسيس باكستان الإسلامية‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يكن منتظراً‮ ‬من طفل ذلك الزمان ولا الواقع الذي‮ ‬يعيش فيه أن‮ ‬يعرف شيئاً‮ ‬عن‮ ‬غاندي‮ ‬وربما كان تشبيه الأطفال لصنع الله بشخصية‮ ‬غاندي‮ ‬ليس من قبيل ما‮ ‬يرى ولم تسعف المخيلة هذا الراوي‮ ‬أية إضافة‮ ‬،‮ ‬لعله الصدق الموضوعي‮ ‬وقد‮ ‬يقول البعض الصدق الفني‮ ‬كذلك أيضا‮ ‬،‮ ‬لكن التلصص‮ ‬يطال أموراً‮ ‬أخرى كثيرة مثل الحديث عن علاقات الملك فاروق مع فنانات ذلك الزمان وظهوره على أعمدة الصحف مع عشيقاته ومقالات فكري‮ ‬أباظة حول تحديد ملكية الأرض ونقد عباس العقاد وشعر أحمد شوقي‮ ‬وهو الذي‮ ‬لا‮ ‬يجد‮ ‬غضاضة في‮ ‬التغزل بإحدى عشيقات الملك فاروق كما قلنا آنفاً‮ ‬بعكس مواقف المحامي‮ ‬والمثقف البارز الدكتور محمد مندور وهو‮ ‬يستعد لخوض معركة الانتخابات عند ما شكل اجراؤها مطلباً‮ ‬وطنياً‮ ‬ناضل من أجله معظم السياسيين وخشي‮ ‬من نتائجه زعماء الأقليات السياسية عندما كان الوفد بعبعاً‮ ‬يخشاه الجميع ويتحالف ضده الجميع ولكنه القادر على اكتساحهم كلما وجد الحد الأدنى من حياد السلطة ولهذا فإن رهانهم الدائم على استمرار حالة الطوارئ ويبدو مندور منحازاً‮ ‬لذلك التكتل الشعبي‮ ‬الكبير دون أن‮ ‬يتجاهل ما كان‮ ‬يسوده من تأثير بعض القيادات وما ذلك إلا لإيمانه بأن الوفد ليس سراج الدين ومن على شاكلته وإنما هو‮ ‬غير هؤلاء جميعاً‮ ‬،‮ ‬والراوي‮ ‬هنا‮ ‬يشير إلى الطليعة الوفدية التي‮ ‬تدين بالفضل لمحمد مندور وعزيز فهمي‮ ‬وآخرين والتي‮ ‬كونت النواة الأولى للقوى التقدمية في‮ ‬مصر‮ ‬والتي‮ ‬كان من الممكن أن‮ ‬يكون دورها أكثر تأثيراًِ‮ ‬لو لم تقدم بعض القوى إلى ما‮ ‬يمكن وصفه بحرق المراهل‮ ‬،‮ ‬حين لم تقبل الاستمرار في‮ ‬صفوف ذلك التجمع الشعبي‮ ‬الكبير القادر علي‮ ‬توفير أوسع الفضاءات للكفاح الجماهيري‮ ‬،‮ ‬فاتجهت إلى تجمعات أكثر خصوصية وأيسر طريقاً‮ ‬للقوى المتربصة كي‮ ‬توجه ضرباتها الموجعة عندما وجدت من أدبيات التطرف ما ساعدها على المبادرة بالبطش مستفيدة من بعض القوى الحليفة من اليمين الذي‮ ‬لم‮ ‬يتفطن إلى قواعد اللعبة فسكت على ما لحق بالبعض‮ ‬غير مدرك أن ذلك هو البداية الطبيعية كما سينوبه حين‮ ‬يتوفر الوقت المناسب والذي‮ ‬لم‮ ‬يطل انتظاره بل سرعان ما أزف وقته بدخول الاغتيالات السياسية التي‮ ‬تبودلت بين عديد القوى سواء ما لحق بالأستاذ حسن البنا وقبله أحمد ماهر ومحمود فهمي‮ ‬النقراشي‮ ‬حيث كان للأقلية السعدية دورها منذ انفصال مكرم عبيد في‮ ‬وقت سابق عن الوفد وهو الذي‮ ‬يوصف على لسان سعد باشا بالابن‮ ‬،‮ ‬فإذا به‮ ‬يفضل الانسحاب ويصدر خطابه الشهير ويبقى ضمن أحزاب الأقلية التي‮ ‬طالما وجدت في‮ ‬الملك فاروق الحليف الأول ووجد فيها من جهته خير معين على كل تحرك‮ ‬يتطلع إلى الحد من سلطاته وجبروت كبار الملاك المنضوين تحت عرشه والذين لم توجه إليهم ضربة ذات أهمية اللهم إلا تلك التي‮ ‬بدأت عشية معاهدة‮ ‬1936حين فتح بموجبها باب الكلية العسكرية وتسللت منه الأسماء التي‮ ‬حملت نجمة الملازم ثاني‮ ‬ولعبت أدوارها المختلفة في‮ ‬تاريخ مصر الحديث مستفيدة من أفكار أحمد حسين وبعض انتصارات هتلر والإنجليز فيتعرض البعض للسجن ويحاصر بعضها الآخر في‮ ‬الفالوجة اثناء حرب فلسطين تكون هذه الاحداث مجتمعة حديث الرأي‮ ‬العام في‮ ‬مختلف الاوساط الشعبية ومن بينها بالطبع خليل بيه والد صنع الله ابراهيم ومن معه من شرائح المجتمع في‮ ‬تلك الاحياء حيث المهني‮ ‬المتفوق والافندى المتابع والعامل البسيط المرتبط اوثق الارتباط بالصحف التي‮ ‬تنقل اخبار الدنيا أولاً‮ ‬بأول كل حسب اختصاصه ودوره والفتى المتلصص‮ ‬يتابعها جميعاً‮ ‬هذه تكتب عن محاكمة السادات كاحد المتهمين بالتعاون مع المحور وتلك تتحدث عن اخبار الفنانين وذكرى رحيل اسمهان ومن اتهم باغتيالها فضلاً‮ ‬عن تغزل العقاد بالفنانة التي‮ ‬اعتبرها فاروق احدى عشيقاته تماماً‮ ‬مثلما‮ ‬يتلصص على أم محمد التي‮ ‬تزوج منها والده وام بسمة ونساء اخريات كثيرات ارتبط بهن الفتى صنع الله وهو‮ ‬يعيش تلك الطفول التي‮ ‬يسرت له أن‮ ‬يقترب من ذلك العالم في‮ ‬وقت مبكر ومن خلال نافذة الطفولة التي‮ ‬وفرت العطف واتاحت مايمكن العودة اليه عن استعادة الذاكرة والحديث عن تلك العوالم المليئة بالعلاقات الإنسانية البسيطة والتي‮ ‬يمكن بواسطتها التعويض عن الاحساس باي‮ ‬نقص في‮ ‬المشاعر او حرمان من الاتصال بل وحتى التحالفات التي‮ ‬تحدث بين بعض الساسة والقوى المؤثرة في‮ ‬المجتمع حين‮ ‬يجيب القسيس سائله حول الانتخابات المنتظرة بأن قد اعطى الكلمة للمرشح السعدي‮ ‬ربما في‮ ‬اشارة الى تخلي‮ ‬بعض الاقباط الحلفاء الطبيعيون للوفد بتأثير السياسي‮ ‬مكرم عبيد ابرز الذين انشقوا عن الوفد عندما آلت زعامته إلى مصطفى النحاس واسسوا احزاب السعديين الذين طالما تحالفوا مع الاحرار الدستورين وغيرهم في‮ ‬مواجهة الوفد لتتضافر هذه مجتمعة على تجذير العمق الشعبي‮ ‬للوفد وطليعته الوفدية التي‮ ‬شكلت المضلة للقوى التقدمية بحيث افلحت في‮ ‬انجاز الكثير من اهدافها تحت شرعية الوفد ودون أن توفر الفرصة للمتربصين بهذا النوع من التوجهات كي‮ ‬تكتشف حقيقتها وتعمل على تصنيفها في‮ ‬وقت مبكر وبالجملة فان تلصص صنع الله ابراهيم قدمت البانوراما العامة عن مصر الاربعينيات بما سادها من قلق سياسي‮ ‬وصراع اجتماعي‮ ‬ومعاناة معاشية شهدها المجتمع المصري‮ ‬وكان ضحيتها الى جانب الشغيلة طبقة صغار الموظفين الذين واجهوا حالات البؤس في‮ ‬صبر لافت وتحمل منقطع النظير وكان ذلك بواسطة سرد ميسر ولغة خالية من التعقيد مترفعة عن الاسفاف متوسلة بمضمون ناجح قادر على دحر الكثير من محاولات الاقصاء التي‮ ‬سادت التاريخ المصري‮ ‬الحديث وبالذات عقب سنة‮ ‬52 وما بعدها عندما اعتبر الماضي‮ ‬غير جدير بالذكر بل ووضع الساسة التقليديين في‮ ‬سلة واحدة سواء من ضرب اروع الامثال في‮ ‬نظافة اليد وكفاية الأداء مثل نجيب الهلالي‮ ‬ومن سلك نهجه القويم او من اتخذ من معادة الجماهير خياره الابدي‮ ‬مثل اسماعيل صدقي‮ ‬محمد محمود فالتلصص والحالة هذه ليس عنوانا من العناوين التي‮ ‬وضعت كيف اتفق وانما هي‮ ‬تصوير أمين لمرحلة مهمة من تاريخ مصر تطابق فيها العنوان مع طريقة التناول او اسلوب الرد بحيث امكن التخلص من الروح القسرية التي‮ ‬كثيراً‮ ‬ما تفرض فكرة المؤلف على شخصياته او تتناول الماضي‮ ‬بعقلية اليوم فاعتمدت مصطلح التلصص لتمرر صورة الماضي‮ ‬وهي‮ ‬تفيد اليوم وتفصح عن تلاحم اصل معه وهكذا فمثلما قرأنا صنع الله ابراهيم وهو‮ ‬يرصد المراحل القريبة من تاريخ مصر سيرته الذاتية ها نحن نقرأه في‮ ‬تجربة بعيدة ماكان له أن‮ ‬يقدمها بهذه الكيفية ويمكن أن‮ ‬يكون عنوان هذه القراءة صنع الله ابراهيم متلصصا ولكن من أجل ماذا؟
من أجل استعادة مرحلة زمنية من تاريخ مصر في‮ ‬اربعينيات القرن الماضي‮ ‬حيث الحرب الكونية التي‮ ‬روعت حياة الناس وطالت معيشتهم وامنهم وهناءهم واحتياجاتهم اليومية دون أن تفقدهم الأمل او تقتل فيهم الاصرار على التفكير في‮ ‬الاسلم من الخيارات فكان فيهم من‮ ‬يدين قبول الهدنة في‮ ‬الحرب الأولى ومن‮ ‬يتابع ماجرى في‮ ‬دير‮ ‬ياسين وكان فيهم كذلك من‮ ‬يحض الناس على مقاومة مرض الكوليرا فيتهم بالنشاط الهدام ويداهم بيته في‮ ‬الفجر ليكون كذلك البذور التي‮ ‬جعلت من صبي‮ ‬ذلك الزمان صنع الله ابراهيم روائياً‮ ‬بامتياز‮ ‬يزاوج بين ظروف الحياة الصعبة‮ ‬وبدايات الوعي‮ ‬ليقدمها مرة أخرى مؤكدا أن إرادة الحياة أقوى من إرادة الموت وان الانتصار الحقيقي‮ ‬يبدأ من الانسان حين‮ ‬يرفض الهزيمة ويرفض الاستسلام لعوامل الاحباط ويستطيع بواسطة الفن الرفيع ان‮ ‬يتخذ من جميع لحظات الحياة واحزانها المريرة وفقرها المدفع فضاء الانتاج ادب‮ ‬يضج بإرادة الحياة،‮ ‬إرادة الحق إرادة الانتصار ولكن من خلال الحكي‮ ‬المقنع المتخلص من كل أنواع العنتريات والافتعال واعتماد البساطة وليس التبسيط ولهذا لم‮ ‬يجد صنع الله إبراهيم‮ ‬غضاضة في‮ ‬التصريح‮ ‬بأن الوالد خليل بيه من بين اليائسين من قدرة الاحزاب على فعل أي‮ ‬شيء وبالذات حزب الوفد الذي‮ ‬سيطرت عليه في‮ ‬فترة من الفترات طبقة كبار الملاك التي‮ ‬اتسمت سياساتها بالرشوة وفساد الذمم مما جعله‮ ‬ينحاز إلى أولئك الذين‮ ‬يرون امكانية الحل عن طريق الاحزاب الاقلية ولاسيما السعديون الذي‮ ‬اكتسبوا مكانتهم من خلال ثقة فاروق في‮ ‬المقام الأول،‮ ‬فالتلصص والحالة هذه نص اعتمد احداث وفق سياقها العام،‮ ‬بيد أن هذا الاعتماد بقدر ماتخلص من اللغة المحايدة بقدر ماتنزه عن فجاجة الموقف المسبق الذي‮ ‬طالما جعل من النماذج القصصية مجرد دمى بيد الكاتب‮ ‬يحركها كما‮ ‬يشاء ويضع الكلمات على افواهها بلا حياة فجمعت بين الدلالة والمتعة وحب النص الأدبي‮ ‬أن‮ ‬يعبر عن الدلالة الإنسانية من خلال‮ ‬الصياغة الممتعة والحكى الاسر‮.‬
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية