عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

نحو حياة أدبية مزدهرة

 

أشرت في مقالي الذي تناولت فيه مسيرة التكريم في تاريخنا الثقافي إلى بعض ما أذعته ونشرته في سبعينيات القرن الماضي ، وأعيد هنا من قبيل إنعاش الذاكرة ما أرى أنه جدير بلفت النظر ومزيد التناول .

نحو حياة أدبية مزدهرة

 

كثيرون هم الذين يتساءلون عن أفضل السبل لإثراء الحياة الادبية كثيرون هم الذين يقلقهم غياب الكاتب عن الكثير من أنواع التعبير ، ومختلف المسائل التي تطرح على الساحة ، ويفترض أن يكون لهذا الكاتب دور بارزفي تمحيصها وإعطائها المزيد من الإيضاح والشرح .
وقد تنوعت هذه التساؤلات وتعددت وتباينت فيها وجهات النظر ، وكانت في أغلب الأحيان بعيدة عن جوهر المسألة .
البعض يعتقد أن الكاتب قد تقاعس عن واجبه ، ولم يدرك خطورة دوره ، ولم يتفاعل مع المرحلة التاريخية الخطيرة التي بمر بها المجتمع وبالتالي يسرف في كيل التهم بلا حساب .
والبعض الآخر يتساءل عن حسن نية ، ويناقش في أسلوب هادئ وخال من أي نوع من أنواع الاتهام ، ولكنه لايدرك أبعاد القضية ، فيظل نقاشه غير مجد في أكثر الأحيان .
وليس غريبا أن يتساءل البعض عن حكم مسبق ، وإصرار مقصود على المغالطة ، وليس غريبا كذلك أن يتساءل البعض الآخر في طيبة وحسن نية ، فالصراع بين هذين المفهومين قديم قدم الإنسان نفسه ، وليس مجتمعنا هو
المجتمع الوحيد الذي تطرح فيه مثل هذه الأمور .
ذلك هو منطق التاريخ . سؤال يطرح يقصد الوصول إلى جواب مفقود . وسؤال يطرح بقصد الوصول إلى جواب وارد في دائرة التفكير فهل حقا أن الكاتب عندنا قد صمت ؟
هل حقا أن هذا الصمت يشكل إدانة لهذا الكاتب ؟
الواقع أن صمتا مقصوداً لا يستطيع أحد أن يجزم به . ولو فعل ذلك أحد لكان ظالما لنفسه قبل أى شيء آخر .
ومن هنا فإن ما يلاحظه البعض الآن ليس سوى استمرار للأزمة القديمة التي يعيشها العمل الإبداعي ، وأعني بها تلك المتمثلة في ندرة الإنتاج الأدبي من قصة ومسرحية وقصيدة ، وبالطبع سيترتب على ذلك نقص في المقالة الأدبية ذات الاتجاه النقدي ، التي لايمكنها أن تترعرع إلا بوجود عمل إبداعي ، وإلاخرجت عن الواقع واتجهت إلى ألوان أخرى من الإبداع لا تعكس هموم الناس في هذه الأرض ، الذين ما جاء الأدب إلا لتصوير حياتهم وتطوير واقعهم إلى الأمام .
وقد أثيرت هذه القضية في الماضي أكثر من مرة ، وشارك في نقاشها أكثر من قلم . على مدى التسع سنوات الماضية بقدر ما سمحت به ظروف النشر أو بالأصح ظروف وسائل الإعلام .
وقد تولى الأستاذ يوسف القويري على وجه الخصوص إجراء سلسلة من المحاورات مع عدد من المثقفين ، أذكر منهم الدكتور مختار بورو والأستاذ كامل المقهور والمحامي محمود نافع ،وأذكر أن القضية قد سيطرت على اهتمام المتقفين لدرجة أن غدت الموضوع الأساسي في حوارهم المكتوب وغير المكتوب .
وقد رآى البعض أن السبب يعود إلى عدم استيعاب الكاتب للواقع الجديد الذي ترتب على تفجر الثروة النفطية وما احدثته من خلخلة في البنية الاقتصادية والاجتماعية ، وما تولد عن تلك البناءات من قيم جديدة ، وهموم جديدة تختلف عن تلك التي كانت سائدة عندما بدأ كتاب الخمسينات يأخذون طريقهم نحو الابداع . وكان أكثر الناس اهتماماً بهذه المسألة الأستاذ كامل المقهور الذي ما لبث أن نقل هذه القضية إلى ملتقى القصاصين بالحمامات بتونس سنة 1969 م .
وقد اعترض آخرون على التعبير بالازمة ، على اعتبار أن ثقافتنا لم تتكون بعد أوانها لازالت في البداية وكان صاحب هذا الرأي الأستاذ يوسف القويري.
ومنذ أن بدأت وسائل النشر تتجه رى مناقشة الواقع الفكري عقب قيام الثورة ، اثيرت هذه القضية مرة أخرى . غير أن هذه الأثارة لم تنطلق من منطلق سليم ، بحيث يكون النقاش استمراراً لما اثير في الماضي وإنما طرحت وكان الأمر قد جد بعد قيام الثورة ، زى كما لو كان هذا الركود قد كجاء بعد الثورة ولم يسبقها .
ولا شك أن طرح القضية على هذا الأساس لا يخدم حياتنا الأدبية ولايسهم في توضيح ما ينبغي توضيحه ، ولكنه على العكس من ذلك يؤدي إلى مزيد من البلبلة والمغالطة وسوء الفهم ، والحقيقة أن حركتنا الأدبية لم تكن في يوم من الأيام مطالبة بان تتحرك مثلما هي مطالبة الآن ، ولم تكن في يوم من الأيام في حاجة إلى الدراسة وتقصي سبل التشجع وخلق الحوافز مثلما هي الآن .
فنحن نخوض الآن معركة ضارية من أجل ضمان مستوى أفضل من العيش للناس ، ونحن نخوض معركة ضارية من أجل التخلص من أسباب التخلف التي سيطرت في الماضي ، والأدب بدون شك سلاح فعال في كل هذه المعارك .
والإنتاج الأدبي الذي تحددت ملامحه في السنوات الماضية بدأ يعاني من الركود والندرة ، وقد تضافرت عوامل عديدة على تقهقر هذا الإنتاج ، ولم نعد نراه يتقدم بالشكل الذي وددناه له .
والسؤال الآن ما هو السبيل إلى الخروج من دائرة الركود التي نعاني منها .
قد يقول قائل بأننا نحتاج إلى تشكيل لجنة خاصة على غرار اللجنة العليا لرعاية الفنون والاداب التي كانت مشكلة في الماضي وأعني بذلك فئات الشعب المختلفة ، وفي مقدمتهم المثقفون أنفسهم .
إن هذا لا يعفي وسائل الإعلام من المسؤولية بالطبع ، ولكنه فقط يحذر من الانصراف بالقضية إلى غير وجهها الحقيقي .
أن على المثقفين الآن تقع مسؤولية جماعية الحوار وذلك بإرساء تقاليد جديدة للنقاش .
إننا لابد أن نتذرع بشيء من الصبر ونحن نناقش قضايا الثقافة في بلادنا ، لابد أن نعود أنفسنا على مواجهة الحقيقة وتقبل الرأي النقدي الصارم فلم يعد مستساغا أن ترتفع الأصوات لتأويل الكلمات أو تحميلها غير ما تحتمل ، إن سحابة من حسن النية ، ينبغي أن تظلل الوسط الثقافي وإن مزيداً من الروح الرياضية العالية ينبغي أن يتزود بها الجميع .
أن الحوار هو سبيلها الوحيد لإثراء الحياة الفكرية وأن تذويب الخلافات إشاعة روح الحب هو الكفيل بتشييد صرح هذا السبيل .


ولكن .


أليست هناك شروط أخرى ؟ لعل هذا يكون موضوع مقلل قادم .
ـ تعرضت في المقال السابق إلى الاقتراح القائل بتشكيل لجنة متفرغة على مستوى لجنة الفنون والآداب التي كانت موجودة قبل قيام الثورة وأحسب أنني بحاجة إلى القول الآن بأن العلاج لا يمكن إطلاقا أن يتحقق لمجرد تشكيل لجنة يعهد إليها بمسؤولية التخطيط للفكر . تماما مثلما هو الأمر بالنسبة لموضوع التفرغ الذي قد يدفع به البعض ، فرغم البريق الذي يمكن أن يزين فكرة التفرغ إلا أنني أعتقد أن إشكالات التنفيذ من شأنها أن تجعل الأمر أكثر تعقيدا بلا جدال .
على أن هذه أمور أخرى نحتاج إلى مزيد من التفضيل ومزيد من التأني والتوضيح ، وما أريد أن أتناوله هو موضوع ندرة الإنتاج الأدبي والذي يصفه البعض بأنه تكوس من الكاتب ولون من التقاعس عن أداء الواجب .
ومن الواضح أن ندرة الإنتاج الأدبي المتمثل في الإبداع إنما تعود إلى مرحلة ماقبل الثورة، وأن ذلك هو الذي جعل هذه القضية مثار أن تقتفي المشكلة ياتري؟
وإذا كان من الواقع أن يكون غياب الكاتب مثار نقاش وتساؤل من قبل متتبعى أثره الأدبي فإن الأروع من ذلك والأجمل أن يتصرف هذا النقاش إلى حيث يفيد الكاتب وإلى حيث يكون للنقاش جدوي وللكلام أثر . وإلا أصبحت المسألة مجرد رغبة في الكلام ورغبة في النشر ولو كان ذلك على حساب تجاوز الواقع وعلى حساب القضية المطروحة للنقاش.
لقد قلت فيما مضى إن الحوار هو السبيل الأمثل نحو حياة أدبية مزدهرة ، وأن كلمة تكتب وتتم عن وجهة نظر إيجابية خير وأجدى للفكر من كلمة تلقى في جلسة خاصة أو كلمة متعجل يطلق هنا أو هناك فهذه أمور تزيد من دوامة البلبلة وتضاعف أزمة عدم الوضوح.
والسؤال الآن: من أين ينبغى أن نبحث المشكلة ياتري؟
من أين ينبغي أن نثير حماس الكاتب ونستنهض همته ونعطية دفعة جديدة؟
في تصوري إن العودة إلى العمل الإبداعي لكلمة كاتب هي السبيل الأمثل لتحقيق هذا الغرض النبيل بل إن كل محاولة تهمل هذا الجانب من شأنها أ يكون لها أثر إيجابي على الحياة الأدبية ، وأن تهمل من واقعنا الأدبي فعلى مدى العشرين سنة الماضية كان للحركة الأدبية دورها الفعال في شحذهمم الجماهير وزرع بذور الثورة في وجدانها من خلال العمل الإبداعي المكتوب وإن كل قراءة للإنتاج الأدبي المنشور في كتب أو الذي لايزال مبعثراً في الصحف والمجلات لتؤكد هذا القول.
لقد كان بارزاً حقاً ذلك الدور الذي لعبه الكتاب الشباب في منتصف الخمسينيات ، وذلك عندما راح بعضهم يقدم المثال من خلال دراسة أعمال الشعراء المتمردين على جتمعهم. والذين لهم من قضية الإصلاح الاجتماعي وراح بعضهم الآخر يجسد النضال من قضية الإصلاح الاجتماعي موقف وراح بعضهم الآخر يجسد النضال من العمل الإبداعي المتمثل في القصة القصيرة الموهبة والقصيدة الجديدة المعّبرة.
وإنا لنلمس مضموناً رائعاً في هذا الأدب، وتستشعر دعوة عميقة إلى التغيير ، ونبدا للواقع الاجتماعي المتعفن ، والبناء السياسي المنحرف ولئن كان خط المقالة أقل ، فيما ذلك إلا لما تتميز به من الوضوح والمباشرة مايجعلها أكثر تعرضاً للمطاردة والحذف.
على أن أضخم ماتميز به أدب الشباب أنذاك سعيهم المستمر إلى العمل الجماعي وذلك لإيمانهم العميق بأن العمل الفردي مهما كانت قوة تأثيره فهولايرتقي إلى مستوى التحرك الجماعي.
ولعل أحداً لم ينس بعد تلك النشاطات الجماعية التي تمثلت في الموسم الثقافي لرابطة المعلمين ، حيث كان الشابي محور نقاش طويل بوصفه أحد الشعراء المجددين واكانت أشعاره الثائرة تُملى على التلاميذ في مدارسهم وكذلك النشاط الجماعي الذي تمثل في الموسم الثقافي لمدرسة طرابلس الثانونية حيث خلد الأدباء الشباب ذكرى الدكتور أحمد زكي أبوشادي بوصفه أحد مؤسسي جماعة (أبوللو) ذات النزعة التجديدية في الشعر بل ذات الفضل الكبير في دخول الشعر العربي إلى عوالم لاعهد له بها . هذا فضلاً عن ندوات نادي الشباب الليبي وإقامة مهرجان الشعر الليبي وندوات نادي الاتجاه وتخليد اسم الشهيدة معيتيقة في كثير من الإنتاج الأدبي.
لقد اتخذ الأدباء يومئذ من تلك المناسبات سبيلاً إلى التعبير عما في مكنوناتهم من رفض للتخلف ومعارضة للرجعية وتطلع نحو آفاق المستقبل.
ولم يكن ذلك ليتم في غفلة من أجهزة المراقبة التي مافتئت تلاحق المثقفين وتبعدهم عن مجالات تخصصهم سواء تلك التي اكتسبوها بالدراسة أو المران . لقد كانت هناك معارضة لكل محاولة تستهدف تجميع المثقفين ولو كان ذلك في جهاز واحد.
وثمة نصوص كثيرة مكتوبة نجد جميع هذه المواقف تجسدها أصدق تجسيد بعضها كما قلت الكتب وبعضها لا يزال في الصحف والمجلات إن أدب الشباب هو أدب الثورة وأن كٌتب الشباب هي كتب الثورة ولقد كان حظ هذا الإنتاج من الدراسة ضئيلاً كل الضآلة.
وإني لاقطع بأنه أحرى بأولئك الذين يقلقهم غياب الكاتب أن يعودوا إلى ذلك الإنتاج فيتناولوه بالنقد والتحليل ويكتشفوا عن جوانب الجمال فيه والإبداع مما تعذر الحديث عنه في الماضي ويوسعوا في تلك التي طرفت آذاثهم بذلك. سيشعرون الكاتب بقيمة ما كتب ... ويضاعفوا من إحساسه بالمسؤولية عندما يتقاعس.
لقد صمت نجيب محفوظ عقب حركة 23يوليو ثلاث سنوات كاملة لم يجرؤ أحد من الكتاب المصريين على نعته بأي صفة تنال منه وإنما انطلقت الأقلام تجري معه المقابلات وتسلط الأضواء علي إنتاجه المنشور وكان عندئذ من الندرة بمكنن، ولم يقل أحد أن نجيب محفوظ قد أفلس أو تخلى عن واجبه.
ونحن لايمكن أن تسى أبداً ذلك الموقف الذي وقفه المرحوم أنور المعداوي على صفحات مجلة الآداب وتلك المعركة الأدبية التي خاضها دفاعاً عن أدب نجيب محفوظ وموهبته الروائية التي التقت إليها المعداوي قبل غيره.
لقد كان المعداوي يقف يومها في صف وكان نفر من المثقفين المصريين يقفون في صف آخر مبهورين ببعض الكتابات الأخرى، وكان من نتيجة الحوار الذي دار حول أدب نجيب محفوظ والصمت الذي صمته نيجب نفسه ، كان من نتيجة ذلك أن عاد هذا الفنان العظيم أكثر تألقا وأكثر تمكناً من السيطرة علمى أدواته، وكانت سلسلة أعماله الروائية الشامخة التي بلغت ذروتها في أولاد حارتنا) ميرماراً (ثرثرة فوق النيل تماماً مثلما وقفت إلى جانب ذلك مجموعة من الكتب التي ألفت عن هذا الكاتب وتناولت رحلته الفنية وتجربته في عالم الإبداع وأبرزها بلا شك تلك الدراسة الناضجة التي كتبها قلم محمود أمين العالم الرجل الذي كان له قبل عشرين سنة مضت موقف متخفظ من نجيب محفوظ.
إننا الآن على أبواب مرحلة جديدة تحتاج بالتأكيد إلى رؤية أشمل وفهم أعمق ومن هنا فإن مسؤوليتنا الأساسية هي تقييم الماضي وكشف الجوانب السلبية فيه وإبراز الجوانب الإيجابية التي يزخر بها إذن فهم الماضي كما هو معروف هو السبيل الأمثل لتحديد معالم المستقبل ووضوح الأسس التي ينبغي أن يٌبنى عليها الغد.
لقد كانت مسيرة طيبة تلك التي قطعها الحرف في بلادنا وأحسب أننا قبل أن غرق في الإتهام ينبغي أن تفتش عن الأسباب فذلك هو الطريق الأسلم والفهم الأصوب.
إذا كنا نرى أن الحياة الأدبية في بلادنا تحتاج إلى عدة شروط كي تزدهر وتؤتى أُكلها .. وإذا كنا نرى أن هذه الشروط تتصل أول ما تتصل بالكاتب نفسه، من حيث ضرورة متابعة ما قدمه في السنوات الماضية من عطاء فكري ارتبط في عمومه بمصالح الأغلبية من أبناء المجتمع، وجند نفسه بالدرجة الأولى للتعبير عن تلك المصالح طموحا وأملا وعملا.
وإذا كنا قد طرحنا مجموعة من التساؤلات في هذا السبيل وأعلمنا فكرنا في الوصول إلى الأجوبة التي تدعو إلى ازدهار الحياة الأدبية على نحو يؤدي بها إلى المزيد من التطور والمزيد من العطاء.
وإذا كنا نؤمن بأن تطورا كبيرا قد طرأ على بلادنا خلال السنوات الأربع الماضية، وأن سلسلة من التغييرات الجذرية قد شملت مختلف مناحي حياتنا فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن. ماذا عن دور الفكر في هذه المرحلة؟ إلى أي حد سيشارك هذا السلاح الفعال في تحديد أبعاد المرحلة المقبلة وتوجيه مسيرتها إلى الأمام؟.
ومثل هذا السؤال لا يطرح نفسه عبثا، وليس هو من قبيل الأسئلة التي تطرح دون تفكير عميق في الجواب وتقدير صادق لقيمة الأمر المطروح في السؤال، ولكنه على العكس من ذلك يطرح نفسه من خلال الإدراك الواعي لدور الفكر في المستقبل انطلاقا من دور الأدب الذي دأب الأدباء في بلادنا على أدائه .. نعم الفكر هذا السلاح القوي الذي يملكه الإنسان .. هذا السر الذي أوتى لنخبة كريمة فشقيت به وسعدت في ذات الوقت.
ولعل أحدا قد يعتبر أن هذه القضية تعتبر مكررة من قبل كاتب هذه السطور، إلاّ أنها بقليل من التفكير الواعي لن تكون كذلك على الإطلاق.
ذلك أن الحديث المعاد يمكن أن يكون مملا في كل شيء عدا عن دور الفكر الوطني، وأثره في صيانة المسيرة الوطنية وحماية المكاسب الشعبية أنه هنا يبدو جميلا مهما تكرر، وجديداً مهما أعيد، ذلك أن الحديث في مثل هذه القضية يعني ببساطة الحديث عن المستقبل.
ومن الواضح أن كل نظرة إلى تاريخ الأمم التي سبقتنا إلى النهوض وكل شعب أمكنه أن يستيقظ بعد سُبات إنما تؤكد لنا أن الدور الأساسي إنما كان للفكر ورجال الفكر، للأدب الذي أعطى الكتّاب والشعراء والفنانين.
والأمثلة على ذلك كثيرة وهي تشمل الحركات التي سعدت بها البشرية مثلما تشمل تلك التي تسببت في الشقاء والألم. حتى الفاشية التي استعبدت بلادنا ردحا من الزمن كان لها مفكروها وأدباؤها وحسبنا أن نذكر ذلك الدور البارز الذي قام به الشاعر (دانونزيو) الذي جند شعره للتغني بعظمة ايطاليا وأحاطته بالتالي قوى الفاشية بهالة كبيرة من الإجلال خفنت معها سمة كثيرة من الأدباء العظام الذين يفرقونه إبداعا كما هو الحال بالنسبة لكاتب مثل بيراندللو كما تقول المصادر التي صدرت للأدب الإيطالي بالدراسة. كما أن النازية نفسها كان لها كتابها وأدباؤها المتحمسون لها. وما المفكر الكبير نيتشه سوى واحد من أولئك الذين استفادت منهم تلك الفلسفة التي قدر لها أن تسود في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وحتى الحرب العالمية الثانية وسقوط المانيا الهتلرية.
لكل هذه الأسباب وغير هذه الأسباب نتساءل الآن عن دور الفكر في بلادنا.
والحقيقة أننا قبل الإجابة على هذا السؤال لابد أن نستبعد عن أنفسنا الغرور فنزعم أن هذا الفكر قد بلغ الحد الذي نبتغيه له ونطمح إليه.
تلك الحقيقة لابد من التسليم بها، غير أن استبعاد الغرور وارتفاع الطموح ينبغي كذلك ألا ينتهي بنا إلى اليأس، فنبخس جميع أشيائنا ونظن بأن فكرنا الوطني لم يولد بعد كما يقول بعض المتشائمين.
وانطلاقا من ذلك نستطيع أن نقول إن فكرنا الوطني بخير ، وإننا إذا آمنا به وصممنا على تطويره وإثرائه فسيمكنه أن يصنع الكثير.
ومما لا شك فيه إنه من الصعب بل من المستحيل أن يحدد إمرؤ ما إطارا للفكر الوطني، بمعنى أن يصنع له مواصفات محددة. وذلك لأن كل فكر يقبل بذلك سيفقد أهم خاصة من خصائص الفكر، ومع ذلك فإن من الممكن أن يقول المرء في نطاق التخطيط العام إن الفكر (ويدخل ضمنه الأدب بالطبع) وهو هنا هدفنا في المقام الأول ينبغي أن يضطلع بمهمة صيانة المكاسب الوطنية في المقام الأول، وهو على هذا الأساس سيدعم تيار التقدم، ويدعو إلى ترسيخ الوحدة الوطنية وتقوية جذورها، لينطلق بالتالي إلى تأكيد الخط القومي ومعاداة الاستعمار الذي تسبب ولازال يتسبب في كثير من مشاكلنا وآلامنا وهمومنا.
ومن البديهي أن الفكر لن يكون قوميا ما لم يكن قبل ذلك وطنيا ولن يكون هذا وذاك ما لم يكن إنسانياً والرؤية المدركة الواعية هي التي تستطيع أن تفعل ذلك كله، وتسلم في ذات الوقت من التشويش والتداخل وعدم الوضوح.
على أن السبيل إلى ذلك يسير كما قد يتصور البعض، فهو بالحق طريق المتاعب، طريق المصاعب .. طريق الجهد والعرق، ولكنه في النهاية ليس ظلما يستعصي حله، وليس لغزا يحتاج إلى ساحر يدرك أسراره إننا نطمح في أن يكون لفكرنا الوطني دوره البارز، ونمضي في الطموح حتى نتصور حدود ما لهذا الدور.
ونعتقد في يقين أن ذلك الدور ليس من الصعوبة بمكان بالنسبة لقدرات هذا الفكر الذي يبدعه أدباؤنا وكتابنا والذين ما فتئوا يقدمون فنونا منه.
والحق أنه ما من شيء يستطيع فكرنا الوطني بواسطته أن يحقق الدور المطلوب منها مهما اختلفنا في تحديد نفس الدور، سوى انفتاح على الفكر الإنساني، سوى التزود من معين المعرفة الإنسانية الذي لا ينضب.
إننا لابد أن ندرك أن كل محاولة لميلاد فكر منعزل عن التيارات الفكرية.
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية