عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

هـــذا العيد الذي نستعيــــده


أمين مازن

 

كان يمكن لاستقلالنا الوطني الذي وقع إعلانه في الرابع والعشرين من ديسمبر سنة 1951 على لسان المغفور له السيد إدريس السنوسي الذي قرنه بتسمية شخصه الكريم ملكا على تلك الدولة المتقدمة الى المجتمع الدولي وفي كنف من كريم رعايته بداية لانبعاث مرحلة تطورية قادرة على المضي نحو التقدم بخطوات حثيثة . بالنظر الى ما سبق ذلك الاستقلال من عظيم التضحيات التي بذلها الليبيون... في كل أنحاء الوطن . منذ أن تعرضت ليبيا في تاريخها الحديث لمخططات القوى الاستعمارية النامية ، باعتبارها منطقة من المناطق التابعة للإمبراطورية العثمانية التي لم تعد قادرة على البقاء في مصاف الدول الموثرة ، بقدر ما أضحت تتخلى عن إمبراطوريتها الكبيرة منطقة تلو الأخرى ، تمشيا مع أملاءات لم يعد الرجل المريض قادرا على التخلص منها ، بقدر ما صار سريع الاستجابة لها والتعاطي معها طبقا لما يبتغي القادمون الجدد ، الذين افلحوا في التسلل الى مقومات وجوده الدولي من الأساس ، ففي تلك المعركة التي بدأت قبل مائة سنة من الزمن ، أي منذ خضوع ليبيا للغزو الإيطالي وعقب معاهدة غير متكافية مع الدولة العثمانية العاجزة ونشوء حركة المقاومة التي لم تكن شروطها الكثيرة بالقادرة على المواصلة الحقيقية ، كان حجم الصراع الدولي والضعف الداخلي والتأمر الإقليمي ، كان كل شي يصب في غير مصلحة الليبين ، الأمر الذي كان من نتيجته أن انتهت حركة المقاومة العسكرية بالكامل ، وكادت ليبيا أن تكون جزءُ من تلك الدولة الصاعدة من الجنوب الأوروبي نحو نفوذ دولي ومشروع استعماري لا طريق له سوى تلك الشواطئ الطويلة التي تبدأ من حدود تونس الخاضعة لاستعمار فرنسا غربا الى السلوم حيث مصر الخاضعة للاستعمار البريطاني شرقا والمتحالف مع الأسرة العلوية التي لم تخف مطامعها التوسعية نحو هذه الأرض الواسعة ، ان لم يكن بواسطة قضم الأراضي المتمثلة في الواحات الشرقية فبواسطة الترتيبات المتفق عليها كما تشهد الكثير من الوثائق المحفوظة عن تلك الحقبة ، بواسطة الرسائل المتبادلة والتقارير المرفوعة وما تركته من انعكاسات على مسألة الحدود الليبية في كل الاتجاهات حيث تم نهب الكثير من الأراضي ولا سيما تلك ذهبت الى مناطق النفوذ الفرنسي ، عندما كان ذلك النفوذ أكثر قدرة على فرض شروطه وأكبر أملا في بقاء القيادة والتعاطي مع الكثير من أنواع الفتن التي تسللت في مراحل كثيرة الى الصف الليبي فقللت من شروط التحامه وزادت من شروخ انقسامه ، حيث لم يتفطن جيل الآباء وهم يتجرعون السم في الدسم ، فيرفضون ما لا يجب أن يرفض ويشككون في كل من يكون رأيه أكثر تلاؤما للقبول بالممكن أملا في التطلع نحو ما هو شبه مستحيل . وقد ظهرت أثار تلك المرحلة على نحو أكثر وضوحا عند بروز القضية الليبية في المناخ الذي أوجدته الحرب الكونية ونتائجها القاضية بإمكانية تحقق الاستقلال ان لم يكن بالقدر الذي تتطلع إليه الطموحات الكبيرة فعلى الأقل بالتي تسمح ببلوغها لاحقا مما جعل مشاريع الوصاية والانتداب وما في حكمها تتقدم على ما سواها من العروض فكان ما كان من تحرك رجال ذلك الزمان وإصرارهم على نيل الاستقلال ، مستفيدين من تحركهم في المهاجر العربية وغير العربية واتصالهم بعديد القوى المتنفذة هنا وهناك بل وإسهام بعض قياداتهم في المقاومة العسكرية سواء في مصر او تشاد الى جانب التحرك المحلي ونشوء التنظيمات السياسية الكثيرة المصرة على الاستقلال ورفض ما سواه من العروض ، ولان الظروف الموضوعية ليست مهيأة بالكامل لتحقيق ذلك الطلب على الوجه الأكمل ولأن الصراع بين القوى الكبرى على أشده فقد كان صوت العقل أكثر انخفاضا وصوت ما عداه أكثر ارتفاعا ، فقد ولد ذلك الاستقلال في ظروف بالغة الصعوبة وغير قادرة على أذكاء أي جذوة من جذوات الأمل بقدر ما كانت دافعة بكل ما تملك الى الكثير من اليأس والكثير من التشاؤم ، بحيث رافق ذلك الاستقلال ما لا حصر له من الأدبيات المشككة في كل شيء واليائسة من كل تحرك ، خاصته وأنه قد جاء متزامنا مع ذلك التغيير الذي طال أكثر الساحات العربية تأثيرا في ليبيا وأشدها التصاقا بحدودها ، وإغراء لأهلها ، الشقيقة الكبرى مصر ، حيث سقط عرش فاروق بواسطة الضباط الأحرار وظهور محمد نجيب رئيسا لذلك التنظيم العسكري وبجانبه جمال عبد الناصر ، وبروز توجه سياسي جديد يتبنى رفض الملكية كنظام للحكم ويقدم البزه العسكرية بديلا ، توجه يتبنى الإسلام ويبطش بالإخوان المسلمين ، يعادي الاستعمار ويملأ السجون باليساريين ، يلعن الديكتاتورية ويحظر الحياة الحزبية، يرفض المعاهدات ويبرم اتفاقية الجلاء ، ويعتمد لذلك كله مؤسسات إعلامية قادرة على التأثير بلا حدود في الأشقاء والجيران ، وسلطة عاجزة عن تقديم أي عون حقيقي فكان لا مهرب لذلك الكيان الوليد من أن يلقى الصعوبة تلو الصعوبة من ذلك الواقع المؤثر ابتدأ من اعتراف الجامعة العربية المسيرة من قبل السيد عبد الرحمن عزام صاحب الموقف غير الودى من الملك إدريس ، ان عندما كان يسهم في الجهاد الليبي أو إثناء هجرته الى مصر ، حيث كان عزام وراء الكثير من الأنشطة المعادية للسيد إدريس والكثير من أقاربه او وهو يستعد لاستلام دوره القيادي ، عندما سحب عزام دعمه للبشير السعداوي لمجرد تبنيه لفكرة مبايعة إدريس ، بل واردف ذلك بدعم الكثير من التوجهات والمطبوعات المعادية للسعداوي ، فكان من نتيجة ذلك كله أن ازدادت كمية المصاعب لولا أن الإرادة كانت أقوى والإصرار على المسيرة ولو بأضعف الإمكانيات كان أكثر ثباتا ، فكانت مواصلة الرحلة بالمستطاع والتغلب على الصعوبات الواحدة تلو الأخرى ولا سيما بعد الشروع في التنقيب عن النفط وما ترتب عليه من إنفاق للأموال وشروع في مخططات النمو ووجود ظروف جعلت الكيان الوليد يتقدم الى المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي بخطوات أكثر ثباتا فكان بناء الدولة المتوفرة على الكثير من شروط المعاصرة . وكانت المسيرة التنموية التي تحققت في أكثر من ميدان ولا سيما في مجال التعليم ، على الرغم من أن الانتماء الوطني لم يكن بالمستوى المطلوب إذ بقي الانبهار بالصوت الديماغوجي المفتقد لأي برنامج حقيقي أكثر جذبا للأجيال الجديدة بحيث لم تكد حقبة الستينات توشك على الانتهاء حتى شمل قلب نظام الحكم الحياة الليبية وسط جملة من المؤثرات الداخلية والخارجية التي جعلت الأمر يتم بسهولة لا نظير لها ، لتتم بعد ذلك رحلة العقود الأربعة التي قامت على فكرة الإقصاء لكل ما هو أصيل وذي علاقة بالتاريخ او مرسخ لإسهامات الأعلام ، فاعتبر كل ما سبق 1 / 9 / 69 باطلا وما تلاه هو الصحيح انها ثقافة السياسات الانقلابية التي سادت الوطن العربي عبر أنظمته الشمولية التي ألغت كل ما سبقها ليس من خلال الطعن في ممارسات السياسية وتحولاته الاجتماعية وإنما الذهاب الى أكثر من ذلك حيث ألغى الماضي بالكامل . ولم يعد في مناهج الدراسة سوى ما حدت بعد الانقلابات العسكرية التي وصفت بالثورات . رافعة شعارات الوحدة العربية والوحدة منها براء ، ومدعية السعي لنشر الإسلام وكل ممارساتها ضد الإسلام أملا في نشوء أجيال منبتة من جذورها مغيبة عن ماضيها ، والتفاصيل في هذا الصدد كثيرة والحديث بصددها يطول ، وربما أمكن الخوض فيه عبر ما تيسر الإسهام به بقدر ما سمحت به ظروف النشر وبيسرب عبر وسائل التواصل ، كلما وجدت فرصة للحديث عن تلك الفترة من تاريخنا والتي بدأت في الرابع والعشرين من ديسـمبر 1951 لعل أخرها ما نشرناه منذ سنة مضت وفي مثل هذه الأيام ، عبر فرصة أتيحت وجرت محاولة توظيفها في الإساءة للمرحوم الملك ادريس ، تحت مبرر إبعاد السيد البشير السعداوي من البلاد في الأسبوع الأول من عهد الاستقلال ، وكان أن وقع تجاوز ذلك وقصر الحديث على الواقعة التاريخية وحدها ودورها في حركة التاريخ الأمر الذي لم يخف على الكثير من المتابعين ممن لم يبخلوا بتثمين ذلك التوجه بأكثر من سبيل ، حتى كان السابع عشر من فبراير وكانت انتصاراته المتمثلة في استعادة الوطن واستعادة تاريخه ، ورد الاعتبار للخالدين في هذا التاريخ وفي مقدمة ذلك عيد الاستقلال الذي أعلن في الرابع والعشرين من ديسمبر 1951 على لسان أكثر رجال الوطن إسهاما في تلك المرحلة الطويلة ، حين عرف الآباء قدره ومستوى جدارته فقرنوا اسمه بقرارهم القاضي بإكمال الخطوات الخاصة بالدولة الحديثة ، عبر دستور مكتوب وبيعة موثقة ، وترتيبات توافقية راعت ظروف البلاد واشتراطات المرحلة ونصائح المجتمع الدولي الذي لم يبخل بإيفاد القادرين من خبرائه وعلى رأسهم السيد أدريان بلت الذي خلد اسمه على ابرز شوارع العاصمة (( طرابلس )) ويومئذ نسبت الى الملك إدريس مقولة المحافظة على الاستقلال أصعب من نيله .
وإذا كانت هذه الكلمة قد اختفت من قاموسنا السياسي ، منذ عقود أربعة خلت من تاريخنا وأعمارنا ، لتعود اليوم مع الرابع والعشرين من ديسمبر للاحتفال به كيوم شهد مولد دولتنا ، ورأينا طيلة اختفاء الكلمة من حياتنا من الأهوال ما رأينا ، فإذ ذلك ينبغي ألا يصرفنا عن استعادة ما سبق هذه الحقب طيلة الثمانية عشرة سنة التي هي كل عمر ذلك العهد ، فنتصور أنه كان خاليا من التجاوزات ا وان بعض تلك التجاوزات ما غرس آسفين الزوال من البداية ، وان شيئان من المسئولية لن يخرج منه ذلك الأب الكبير نفسه ولا مناص من التنويه به ليكون درسا وتذكره ، ان يكن أخطرها الانعزال والخروج من البلاد في الأشهر الأخيرة من تلك السنة وعدم الاستعانة بالحلفاء واخذ التعهدات المطلوبة لحماية الناس ورفض التنازل الذي اجبر عليه السـيد حسن الرضاء فلا شك أن استبعاد البيت الشريف من مسألة ولاية العهد ، وقبل ذلك ما لوحظ من تميز لبعض المناطق وخروج عن نصائح بلت في مسألة رئاسة الوزارة وعدم السماح لكل ذي برنامج إصلاحي أن ينفذ ما لديه من برامج حتى أن كل الحكومات التي سبقت سبتمبر لم يزد عمرها على عشرة أشهر ولا سيما حين يكون رئيسها من المناطق الغربية ، الأمر الذي سهل مهمة الانقلابيين وكانوا يومئذ يمثلون اكثر من طرف . ذلك يعني أننا في معرض الاحتفال بالرابع والعشرين من ديسمبر والتذكير بادوار رجاله وعلى رأسهم ذلك الرجل الصالح . لا نغض النظر عن الأخطاء ولا نتحرج من مراجعة أوجه التقصير ، عسى أن يكون في ذلك عبرة لمن يعتبر ولا سيما حين يستعاد الاستقلال ويرتفع حجم الأخطار التي تتهدده ، وبالذات عن طريق الذين أسهموا في استعادته ويسعى بعضهم الى الانفراد بمردوده .

 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية