عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

 مقالات

 

 

 التليسي .. الوطن .. التاريخ
 

أمين مازن


واصل الأديب الكبير الأستاذ خليفة التليسي جهوده الرامية إلى إغناء المكتبة العربية بنقل نفائس الإنتاج العالمي المكتوب بغير اللغة العربية ، تلك الجهود التي بدأها منذ خمسين سنة مضت ، عندما ترجم الكثير من النصوص الأدبية انطلاقاً من قصص الأديب الإيطالي العالمي لويجى بيرنديللو ، ومن ثم المراجع الكبرى المتعلقة بالتاريخ الليبي لأسماء معروفة مثل بيرينا وروتسي وكاكيا ، إلى جانب دواوين كبار الشعراء العالميين أمثال طاغور بابلو نيرودا ، لوركا وغيرهم كُثر، إنها الجهود التي قوبلت من المؤسسات العلمية العالمية بما تستحق من التقدير والاجلال ، تمثلت في منحه أرفع الجوائز الأدبية إلى جانب الدكتوراه الفخرية من ذات الجامعة الإيطالية التي أجازت ذات يوم الدكتور طه حسين ، كما نص على ذلك في تقرير اللجنة العلمية التي منحت التليسي شهادة الدكتوراه المُشار إليها .
ومن جهة أخرى كان من ثمرتها دراسات التليسي المتميزة عن اعلام الأدب العالمي ، وقاموسه عن اللغة الإيطالية إلى جانب بحثه النقدي الرائد عن " قصيدة البيت الواحد " المُعبرة هي الأخرى عن مستوى من مستويات الفرادة في تذوق الشعر وتحديد مفهومه عن طريق الاحتكام إلى النص الذي يقدم الدليل الملموس على صحة الحكم النقدي بدلاً من الأحكام التعميمية المطلقة .
أحدث إضافات الأديب الكبير جاءت في كتاب " البحر المتوسط " حضاراته وصراعاته الذي ترجمه عن الانجليزية وقامت بنشره اللجنة الشعبية العامة للثقافة والاعلام ، والذي يمثل أربعة كتب في كتاب إذ تجاوزت صفحاته الـ"665" من الحجم الكبير ، حوى إلى جانب النص المُعد من المؤلف والمرفق بمقدمة المؤلف تقديماً مركزاً من المترجم وبحثاً حول تاريخ البحر سبق للتليسي أن أسهم به في مجلة العربي الكويتية إلى جانب بعض الهوامش الضرورية لمساعدة القارئ ، فنفهم من المقدمة أهمية الكتاب وميزته المتمثلة في مقاربة الموضوعية مما لم يتوفر في الكثير من المؤلفات التي أصدرها نظراؤه ، في حين نعيش معه وهو يأخذ على العرب تقصيرهم في كتابة تاريخ البحر المتوسط وعدم إدراكهم لأهميته مع أن الأجداد الأولين كانوا قد تنبهوا لذلك كما فعل بن خلدون الذي ادرك هذه الحقيقة وكتب عنها ، ومعلوم أن التليسي من المدافعين عن الدور الذي مثله البحر المتوسط في الدفاع عن الوجود الإسلامي وبالذات في الفترة التي سيطر فيها مشاهير القادة الإسلاميين من أمثال درغوت وبربروس وآخرين لم يغمطهم صاحب الكتاب حقهم التاريخي فكان ذلك - ربما - من بين ما دفع الأستاذ إلى العكوف على ترجمة هذا العمل الضخم ، فإذا كانت هذه المناسبة لا تسمح بالإفاضة في الحديث عن هذا الكتاب القيّم ، وإذا كانت الترجمة كما هو معروف كثيراً ما توصف بخيانة الأصل غير المحفورة ، فإن خيانة المترجم إن وجدت فقد أعطت القارىء العربي كنزاً من المعارف المُصاغة بأسلوب جذاب ولغة ثرية وقدرة فائقة على المزج بين المشاهدة والعودة إلى التاريخ حول كل اليابسة التي وطأتها قدم المؤلف واستدعاء لجميع العهود التي توالت على هذا البحر والصراع الذي احتدم بينها بواسطة عين راصدة وعقلية مركزة ورؤية متفتحة على كل المعارف ، فالتحية كل التحية للتليسي الأديب والأستاذ والمسكون دوماً بحب الوطن انطلاقاً من البحر الذي يمثل أهم بواباته ومصدر حياته .

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية