عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

الوحدة المغاربية مشروع يحمل الكثير

من أسباب النجاح وعوامل الاستمرار

 

أعتقد أنني لن أقع فريسة المجاملة المتكلفة أو أضيع في متاهات الملق غير الصادق إذا ما صدرت مقالي هذا حول مشروع الوحدة المغاربية بتوجيه الثناء على مجلة اليوم السابع لطرحها هذا الموضوع الحساس محور النقاش وتبادل الآراء، لأن مواقف هذه المجلة حول قضايا الأمة العربيية معروفة وتحررها من سيطرة الأنظمة بشأن الرأي والرأى الآخر ليست خافية على أحد أيضاً.
ومع ذلك فإن منطق الإنصاف يقتضي التنويه بهذه الميزة التي تتميز بها هذه المجلة خاصة وأن الشواهد على هذا القول كثيرة والإجماع حولها شبه كامل كما أن مبدأ الحرص على استمرار هذا التميز وتجذيره في حياتنا الفكرية يستلزم كذلك التوقف عنده والتنويه به عساه يعم كل صحفنا العربيية ويغدو تقليداً نعتز به.
وأعود إلى صلب الموضوع ..أو الموضوع الصلب، فأقول: إنه يتصل أولاً وأخيراً بفكرة المغرب العربيي الكبير التي طرحت ضمن ما طرح من مشاريع عربية وحدوية منذ الخمسينيات ولقيت من بعض الجهات العربيية المؤثرة ألواناً من الرفض والصدود، أدت إلى وصف الساعين إليها والقائلين بها بمختلف النعوت باعتبار فكرة المغرب العربيي فكرة استعمارية شأنها شأن فكرة الهلال الخصيب الرامية إلى توحيد سوريا، والعراق، ولبنان ..إلخ لتبقى بعد ذلك فكرة الإقليم القاعدة والقائد الملهم الذي يملك الصواب كله وما عداه باطلا وقبض الريح.. وهي فكرة لم تسد بما تهيأ لها من قوة الحجة بل ولا سلامة الممارسة بقدر ما كانت معولة على الضجيج الإعلامي وما نشيتات الصحف بالإضافة إلى بعض الانتصارات السياسية التي تمت أثناء فترة المد القومي التحرري وإن كانت لم تستطع أن تخفي ماكان يعشش فيها من أنواع الوهن وعوامل الضعف والقصور، الأمر الذي لم يجنبها الكثير من الهزات والفواجع التي عرفها التاريخ العربيي طوال الستينيات.
على أنني قبل الدخول في موضوع المغرب العربي الكبير أو الاتحاد المغاربي أحب أن انطلق من تصوري أن المواطن العربي أو الفكر العربي أو الوطن العربيي بشكل عام وبالذات في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الصراع المرير من أجل البقاء والتطور وفي اتجاه محاولاته الدؤوبة لبتر أسباب التخلف يحتاج أول ما يحتاج إلى إعادة طرح مفهوم الوحدة العربيية والخروج بها من ذلك الوهم الذي طالما صورها بمثابة الوصفة الطبية الجاهزة لحل كل المعضلات وتحقيق النعيم الأرضي بين عشية وضحاها، ابتداء من مشكلات العيش وغياب الحريات وانتهاء بقضية فلسطين ومعركة الاستعمار.
لقد نشأت فكرة القومية العربيية كجزء لايتجزأ من حركة القوميات ولقيت عطف وتأييداً لا مجال لإفكاره من مختلف القوى المتناقضة مع الإمبراطورية العثمانية التي شملت الوطن العربي قرونا عدة وقد تأسست القطرية ورسمت خطوطها وحدودها وفق مصالح القوى الفاعلة المتفقة.
بالضرورة مع القوى الأكبر واكتسبت الكيانات الصغيرة أهميتها من مجموعة العوامل البيئية والتاريخية وتكونت مصالح وتحالفات كثيراً ما اثرت في مسيرة القوى العربيية بما في ذلك الداعية إلى الوحدة العربيية حتى إن أشد هذه القوى عارضت بعض المحاولات الوحدوية التي لو قدر لها أن تتم لما تعذر فيما بعد استثمارها استثمارً احسناً في اتجاه المحتوى التقدمي والمضمون النضالي.
على أن التطورات التي طرأت على الوطن العربي في السبعينيات وإخفاق المشروع الوحدوي الأيديولوجي في تحقيق الوحدة العربيية ومن قبل إخفاق التجربة الوحدوية النواة في المحافظة على البقاء ناهيك عن المتغيرات الاقتصادية الكبيرة وما أدى إليه الوفاق الدولي من تعرية لمشكلات العالم الثالث ونحن جزء منه بلا جدال، كل ذلك أعطى الفرصة للمشروع المغاربي أن يطرح نفسه مرة أخرى غير منهيب من أي شك من الشكوك.
ومرة أخرى لا أعتقد أنني سأقع فريسة المجاملة إن ذهبت إلى القول بأن الموقف الليبي الحاسم حول فكرة الوحدة المغاربية قد شكل زخما مهماً لهذه المسألة فبعد أن كانت ليبيا التقليدية تقف في الغالب مترددة إزاء فكرة المغرب العربيي وبعد أن تخصلت ليبيا الثورة من تحفظها إزاء هذه الفكرة تمت مجموعة من الخطوات التي طرحت القضية بشكل قوي وقد تمثل ذلك في اتقافية جربة والاتحاد الأفريقي ومشروع الاتفاقية الجزائرية .
الأمر الذي هيأ لهذه الفكرة مزيداً من التوهج وعدم الإنصات للأصوات الإعلامية القديمة، ولأول مرة خرج من صلب الناصرية صوت يرى في فكرة المغرب العربي مشروعاً وحدوياً يمكن الأخذ به والدعوة إليه باعتبارها خطوة على درب الوحدة الكبرى وليس دعوة مشبوهة كما قيل عنه في الماضي.
صحيح أن الأمر قد تم في كثير من الأحيان على نحو دراما تيكي وربما رأى فيه البعض شيئاً من استحالة التنفيذ لكن المهم في الحقيقة هو تنزيه الفكرة مما ران عليها وما اثير حولها واعطاؤها صفة المشروع الحضاري الذي يمكن أن ندعو إليه الأقلام وتوضع لتحقيقه البرامج وتثار حوله المناقشات الجادة والآراء المتصارعة ووجهات النظر المتباينة.
وفي إطار المشاركة في منافشة هذه القضية وعبر متابعة دؤوبة لمشكلات الوطن العربي وقضايا الثورة العربيية والعالمية، ومن موقف فكري معلن يمكن للمرء أن يقول إن المشروع المغاربي من اقرب المشاريع الوحدوية القابلة للتنفيذ أن لم يكن أقربها على الإطلاق وذلك لما يتوفر لأقطار المغرب العربي من تخلص كامل من مختلف أسباب الفرقة ودواعي الخلاف كتعدد الطوائف واختلاف الأصول العرقية والمساحات الجغرافية ومن جهة فإن أربعة من أقطار المغرب العربيي المندرجة في المشروع الوحدوي شبه موحدة ثقافياً من حيث اللغة العربيية كلغة أولى والفرنسية كلغة ثانية كما يتميز القطر الخامس بالتحرر من أي نفوذ ثقافي أجنبي مما جعله جماهيرياً شديد الارتباط بهذه المجموعة حتى في الفترات التي كان الموقف الرسمي متساً بالتحفظ أوالتردد ليس هذا فحسب بل إن فكرة المغرب العربي الكبير بوصفها مشروعاً قام من البداية على أسلوب المراحل والانطلاق من الأسهل إلى الأصعب وتوفير الأسباب قبل النتائج جعلها دائماً ذات منهج واقعي يرفض القفز وينأى عن الخيال ويكفي أن نذكرها أنها كانت على الدوام تنطلق من فكرة التعامل الاقتصادي لما لهذا العامل من تأثير في حياة الناس ومواقفهم وأنماط سلوكهم كما يقول الفيلسوف المغاربي الكبير ابن خلدون.
في نظرية المتصلة بالعمران وبناء الدولة، بل وكما يثبت تاريخ الوطن العربي ذاته وما جرى حوله من صراع وما حتدام بشأنه من خلاف بسبب المصالح الاقتصادية والمواقع الجغرافية براً وبحراً على السواء.
غير أن كل ذلك لا يمنع من ضرورة التشديد على أهمية المشاركة الشعبية الحقيقية في تنفيذ هذا المشروع وسلامة البناءات الهيكلية داخل كل قطر مغاربي على حدة قبل البدء في بناء الهيكل العام، لأن القرارات الفوقية لا قيمة لها في القضايا المصائرية للشعوب، بصرف النظر عما يتحقق أحيانا من بعض المكاسب الآنية في ظل أي تقارب ثنائي أو أكثر من ثنائي، وتحت أي شعار من الشعارات، ذلك أن الأصل في علاقات الشعوب هو الاستمرارية، وما من سبيل لضمان هذه الاستمرارية سوى الاقتناع الصادق النابع من العقل والقائم على المصلحة في ذات الوقت، لما في مثل هذا الأسلوب من تحقيق الصمود المطلوب أمام الهزات ورياح السموم التي لا تعرف التوقف بوطننا العربيي الكبير.
حقا إننا نعلم أن المشروع قد لايرقى إلى طموح الكثيرين، وبالذات أولئك الذين يرون في الوحدة خلاصهم النهائي، وإن المشروع لا يحقق الحد الأدنى من طموحهم.. ونحن نقول لهؤلاء، لكم في المبدأ القائل مالا يدرك كله لا يترك جله.. وقد نقترح في هذا السياق بعض الإضافات التي نشعر بأهميتها في الشارع المغاربي، وفي مقدمتها أن تكون المصادقة على قرارات مجلس الرؤساء بل وبقية الهيئات الأخرى بالأغلبية المطلقة لا الإجماع الكامل، لأن اشتراط الإجماع يعني تكريس القطرية والمحافظة عليها باستمرار، من جهة أخرى إذا أريد للمشروع أن يكون جماهيريا بحق ومؤثر بحق، فلابد من دستور موحد يضمن وحدة التعليم ووحدة التخطيط وأسلوب التنفيذ، بالإضافة إلى حرية التفكير والتعبير على أسس عصرية مبرأة من أي وصاية أو حجر.
إلى جانب ذلك لابد من تحديد موقف واقعي وصريح من القوى الدولية المتصارعة يقوم على تقدير المصالح الحقيقية، ويراعي التوجهات العامة للناس، بعيداً عن تغيبب الجماهير وتضليلها.. يضاف إلى ذلك لابد من اعتماد إستراتيجية موحدة من النزاع العربي الصهيوني تعطى الحقيقة كل الحقيقة للجماهير المغاربية، وبعد ذلك الأسلوب القائم على إعلان موقف سياسي ما واتخاذ موقف سري مناقض له.
إن تحقيق مثل هذه الشروط لابد أن يدفع المرء إلى القول بأن الوحدة المغاربية ليست مشروعا مثاليا فاشلا كما يقول الدكتور نديم البيطار بقدر ما هي مشروعاً يحمل الكثير من أسباب النجاح وعوامل الاستمرار والديمومة، وقيامها أو العمل من أجلها لا يحول مطلقا دون عودة مصر، وإن كان موضوع الدور الريادي مسألة تخص مصر وحدها ورهيناً بمواقفها السياسية وظروف العصر أيضاً.
ويبدو أن الدكتور البيطار بالرغم من اعتقاده بمعاداة التفكير المثالي وقوله بالموضوعية والعقلية وكل ما زخر به مقاله من أحكام.
يبدو أن هذا الدكتور الجليل يهمل من حيث لا يدري منطق العصر الذي يرفض الفردية المطلقة والشخصية العملاقة التي تفلح في كل شيء، بقدر ما يعول على التخصص والمساهمة الجماعية، وأن الأسلوب الذي اتبع في تحقيق وحدة أمة من الأمم ليس بالضرورة أن يكون صالحاً لتوحيد أمة أخرى، وأن الزمن الذي سمح لجورج واشنطن أوغر يبالدي أو بسمارك بتحقيق ما حققوا في وحدة أممهم قد لا يسمح بتكرار تجاربهم مرة أخرى، بل لعل هذا الفهم هو الذي جعل الرئيس عبد الناصر يكفى عن استعمال القوة عشية انهيار الوحدة المصرية السورية تلك الوحدة التي كان قيامها عرساً وانهيارها مأ تما، أما دورسها المستفادة وعوامل فشلها وأسرارها العميقة فلم تفهم حتى الآن.
إن الوحدة المغاربية تحتاج إلى الديمقراطية ما في ذلك شك ولا ريب، وتحقيقها يتطلب توفير الكثير من المقترحات التي وردت في مقال الأستاذ محمد مزالي مؤسس مجلة الفكر ورئيس اتحاد كتاب تونس.. وليس امزالي رئيس الوزراء الذي حكم تونس ست سنوات وثلاثة أشهر أجرى خلالها انتخابات مجلس الأمة وعالج ثورة الخبز، وبقي طيلة هذه الفترة العضد الأول لرئيس منتخب مدى الحياة!! والذي يحاول اليوم أن يتخذ من مناقشة هذه القضية فرصة لتصفية حسابات قديمة ما كان أحراه بالترفع عنها والانصراف إلى ما هو أجدى منها وأوفر لوقته وشخصه.
ويبقى كل مشروع وحدوي يطرح فكرة توحيد بعض الأقطار العربيية شرقا أو غربا على أساس الاقتناع ومراعاة مختلف الظروف وينطلق من أسس مدروسة خطوة تقدمية على درب الوحدة الكبرى التي طالما نالت منها عوامل خارجية، وقد تدعو لها اليوم عوامل خارجية أيضاً مهما حاول بعضنا إخفاءها والمكابرة في الاقتراب منها سواء بالدراسة أو المراقبة أو العمل ولاغرو.
ألم يكن الوفاق وليد العصر الذري، وهل يمكن أن يعرف العالم سوى استمرار هذا الوفاق وتجذره أكثر فأكثر في العصر الهيدرجوني، بل عصر النجوم والكواكب؟ وهل يمكن أن يدفع ثمن الوفاق غير أكثر من أبناء العالم الثالث.
لا شك أن الشعوب الصغيرة هي الثمن، وحتى إشعار آخر سنظل جزءاً لا يتجزأ من هذه الشعوب، فلنحاول ألا نكون أصغرها باستمرار.

* أعدت كمشاركة في حوار مجلة اليوم السابع حول هذا الموضوع



 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية