عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

مصطفى بن حليم وأسئلة التاريخ


امين مازن

 

لم يتسن لي حتى يوم الناس هذا أي تواصل مع السياسي الليبي الكبير السيد مصطفى بن حليم، ثالث رئيس للوزارة الليبية في دولة الاستقلال، ولو لمجرد المصافحة إذ لم أكن من الربوع التي كان التعرف بها متاحاً، عندما كان بن حليم ملء السمع والبصر بمدينة بنغازي، ولا موظفا بالحكومة الاتحادية، ممن يتيح لهم ملاكها الاقتراب من الوزراء ورؤسائهم، ومع ذلك فقد تيسر لي أن أعرف الكثير عن بن حليم، ولا سيما ما اتسم به من سرعة البديهة وروح الدعابة والحرص على است...يعاب الخصم حتى وهو يواجه أقسى الملاحظات، في مجلس النواب، وقد جاءت هذه المعرفة ممن جالست ورويت بصدد رجال ذلك الزمان، كما كنت دائم التوجه إلى الكتابة عن تجربته المهمة عشية نشر كتابه صفحات مطوية، الذي أودعه ذكرياته في الحكم والحياة، إذ كان مطابقاً للكثير مما تكوّن لدىّ، لولا أن الأذن الليبية لم تتعود هذا النوع من الكتب السيروية، لتتبين جانبه الإيجابي كعمل استهدف التصدي لكل من اعتبر ما سبق سبتمبر 1969 لا قيمة له فاعتبرت ما صنعه بن حليم نوعا من الدعاية الشخصية، بالنظر إلى ما حمل الكتاب من كثير التفاصيل، التي أملتها فيما أرى طبيعة الأحداث، أو لنقل المشكلات التي كان بن حليم صاحب القسط الأوفر في معالجتها. ولم يكن له مهرب من الخوض فيها عند التدوين، وأشهد أنني طالما اختلفت مع الكثير ممن لم تتسع نظرتهم للوجه الإيجابي المتمثل في التمرد على الموقف الاستسلامي الذي سلكه معظم مجايلي بن حليم حين لم يوثقوا ما لديهم وقبلوا ذلك الحكم الجائر الذي خطّأ كل ما اتخذوه من قرارات وسلكوه من سياسات، ولو كانت أفضل المتاح بالقياس إلى ظروف المرحلة وما سادها من فقد الثقة بالنفس لدى أولئك الرجال، فجاء هذا الكتاب الضخم على هيئة صرخة مدوية قائلاً لكل متطاول أو جاحد نحن هنا، ولابد أن تدركوا أنكم لستم وحدكم وأن هناك من يمكنه أن يرفع عقيرته دفاعا عن ماضيه وما أفلح في المساهمة به، ولعلّي لهذا السبب لم استرح لما قرأته للأستاذ الراحل علي الذيب تحت عنوان «مؤامرة بن حليم على الديمقراطية في ليبيا» ذلك الكتاب الذي لم تسمح الرقابة الرسمية بتوزيعه لمجرد أن اعتبر ما كان قبل سبتمبر ديمقراطيا!! «فقد كان الأستاذ الديب شديد الانفعال وغير مستوعب للدلالة الكبرى وما حمل كتاب بن حليم من رسائل تتجاوز الذات، بدليل أن سلسلة من الاجتماعات الموسعة قد عقدت بعد ذلك الكتاب تحت شعار «إعادة كتابة التاريخ» كان الأستاذ الديب في مقدمة الذين دعوا إليها وحاول من البداية التهرب منها متعللا بسوء أحواله الصحية أو كما عبر عبء قلت إن عدم تواصلي الشخصي مع السيد مصطفى بن حليم لم يمنعني من تكوين فكرة جيدة عن شخصه وأسلوبه في الحكم، وقدرته على الرد المقنع، وربما المربك لمن يجلس منه مجلس الخصم،فقد اقتضى عملي بالمجلس التشريعي لولاية طرابلس وحرصي على تنمية مهاراتي وخبرتي أن أتابع جلسات مجلس النواب والحرص على قراءة المحاضر المجمعة والمنشورة صحفيا، شأن الكثير من المهتمين بالشأن العام من أبناء جيلي الذين ارتبطت بهم واستفدت من تجاربهم، وقد كان السيد بن حليم يولي عناية كبيرة لتلك الجلسات، حضورا أو مناقشة للناشطين من أعضائه ليس فقط من خلال النقاش في الجلسات، وإنما عبر اللقاء في الردهات والتي تتم عادة بالناصية القريبة من كرسي الرئاسة، ومقاعد النواب المشهورين بالموقف المختلف أو المعارض، حين كان السيد بن حليم يحرص على الوقوف مع السيد عبد العزيز الزقلعي الرمز المعارض، حيث يظهر الاثنان في أقصى درجات الأناقة من البدل اللافتة وربطات العنق المثيرة التي كانت بالنسبة لجيلنا تعني الكثير فيما كانت حواراته مع الآخرين أكثر تفصيلاً مثل السيد بن شريعة الذي كثيرا ما روى تعليقات بن حليم اللاذعة وكذلك ردود بن شريعة وغيره ومن بينها أن السيد بن شريعة عندما قّدمه بن حليم لنائب الرئيس الأمريكي نيكسون واصفا بن شريعة بالمعارض فما كان من بن شريعة إلا أن رد بأن السيد بن حليم يريد أن يضفي على حكمه صبغة الديمقراطية لأن الديمقراطية تشترط وجود الأحزاب كما انتم في أمريكا لا نحن الذين ليس لدينا أحزاب فضحك الاثنان وكذلك الحديث الذي دار حول قصة استقلال ليبيا وموقف مندوب هاييتي في الأمم المتحدة الذي دُعي ذات مرة لزيارة ليبيا فتجدد الحديث عن دور هاييتي ومندوبها، وحدث أن أسهب الذي حضر تلك الحادثة حول تفاصيل دوره مع سان لو، فقال ذلك الليبي لم أترك سان لو حتى ولو يذهب لقضاء «حاجته» فما كان من بن حليم إلا أن رد ساخراً «هذا علاش الاستقلال ريحته عافنة» وما ذلك إلا لأن بن حليم يدرك أن هاييتي لم تكن أكثر من صوت ضمن أصوات المجموعة الأمريكية التابعة للولايات المتحدة التي التقت مصالحها مع استقلال ليبيا، فألقت بثقلها وضمنت النتيجة المحبطة للمناورات المتمثلة في الوصاية والانتداب التي تحمّس لها عدد من الأصدقاء والأشقاء متأثرين بمصالحهم ووجدوا لها الكثير من المعاذير، طبيعي أن بن حليم لم يتخلّ عن السياسة العامة الرامية إلى ضمان الأغلبية المريحة في مجلس النواب والذي حان يومئذ موعد انتخاب هيئته الثانية إلا أنه فضّل سياسة الترغيب بدلا من الترهيب، فكان فوز ما يزيد على ثلث المجلس بالتزكية مع عدم المساس بالثوابت في طرابلس وبنغازي من حيث فوز المعارضة التقليدية ويكفي أن الشيخ محمود صبحي قد فاز في تلك الانتخابات، كما أن اللجنة الطرابلسية المعروفة بعدائها للملك إدريس فسعى إلى إرضائها بالكامل وكانت عودتهم إلى البلاد، فلم تبق بعد ذلك قوة للخصوم، ومن بينهم السيد عبدالرحمن عزام الذي اتخذ من موقعه كأمين للجامعة العربية سبيلا للكثير من أهدافه التي لم تكن منسجمة مع المصلحة الليبية، وإن ادعت الحرص عليها، وعلى نفس التوجه كان تأسيسه للجامعة الليبية وتلبيته للقضاء، إذ كان الاعتماد في هذين النشاطين قائماً على غير الليبيين فكان من اعتبر تأسيس الجامعة نوعا من الحد من العلاقات العربية، وكذك إسناد منصب النائب العام لعنصر ليبي مساساً بالقضاء. فرأينا التساؤل في مجلس النواب ويأتي رد بن حليم نوعا من كسب الرهان، صحيح أن الرجل قد أبرم الاتفاقية الأمريكية و الأمر ذاته بالنسبة للفرنسية وبعدها الإيطالية، وقليل حولها مجتمعة ما قيل ولكن انفتاحه على ثورة الجزائر من مدخل التناقص الأمريكي الفرنسي إلى جانب الحرص على مد الجسور مع الكثير من الأشقاء العرب والمسلمين ولا سيما تركيا أظهره العرب في صورة زاهية أو على الأقل غير سيئة، كان الرجل مدركا لضرورة التخلص من النظام الاتحادي، على الأقل بالحد من صلاحيات الولاة ولو باختيار أكثر العناصر ليونة بالنسبة لطرابلس، وكذلك موقفه من الحدود بين ولايتي طرابلس و فزان، وما دفع به من ردود على مناقشة الشيخ القلهود بجلسة مجلس النواب،
كما شهدنا في حينه، حين كان القهلود والزقلعي وخليفة عبدالقادر وبن شريعة يخوضون في مختلف الشؤون وبن حليم يرد عن زملائه الوزراء فقد كان الرجل والحق يقال غير منقوص الكفاءة ويتوفر على الكثير من صفات رجل الدولة الذي يستطيع حين يريد أن يؤدي دوره على أكمل الوجوه، وأنه خير من يعرف أقدار الرجال وضرورة الحفاظ على هيبة الدولة كما حدث مع الكونونيل صادق الملحق العسكري المصري حين حاول الاستخفاف بالسيادة الليبية فكان بن حليم في مستوى المسؤولية والتصدي للتطاول، غير أن هذه النظرة القائمة على الاعتراف بما توفر للسيد بن حليم من حسن الأداء وصدق الرواية لا تحول دون إبداء جملة من الملاحظات حول ما حمل الكتاب من أحكام تخص بعض مجايليه، ففي معرض إدانته لحكومة السيد محمد عثمان الصيد نجده ينكر للحكومة ما تزامن مع وجودها من خبرات لا تقل عن حكومته إلى بن حليم، فحسبه أنه أقنع السيد عبد المولى لنقي ليكون وزيرا معه وهو ومن معه من جميع الوجوه ، وقل مثل ذلك على السيد عبدالقادر البدري ويونس عبد النبي بلخير وقد كانوا جميعا أعضاء بمجلس النواب وفي الانتخابات الفريدة التي أجراها السيد عبدالمجيد كعبار وجاءت ببرلمان أسقطه شخصيا، وأنه أجرى التعديلات الدستورية التي سحبت من الولايات كل الاختصاصات حتى لقد أصبحت صورية، الأمر الذي كان نتيجته أن استقال السيدان حسين مازق من ولاية برقة وعمر سيف النصر من ولاية فزان وقيل ذلك عن نقله لعدد من المسؤولين كانوا قبل مجيء بن عثمان شبه مؤبدين ولا يقترب من بحث نقلهم أحد فإذا به ينهيهم الواحد تلو الآخر وعلى رأسهم السيد عبد الرزاق شقلوف الوكيل الدائم لوزارة المالية كما أن ما كنّ له من ثناء على الدكتور فكيني، فبقدر ما يستحقه كشخص كفؤ إلا أنه لا ينسجم مع أداء الحكومة التي كان تشكلها محكوما بإرادة شقيقه، وليس في من اختارهم شخصيا سوى الأستاذ عبد اللطيف الشويرف، كما أن تدخله في انتخبات رئاسة مجلس النواب كان خطأ فادحا إذ لو كتب لمحمد عثمان الصيد أن يرأس ذلك المجلس لتجسدت إرادة النواب بدلا من الحكومة،
وعلى ذات النهج فإن الثناء المطلق على الملك إدريس لا ينفي حقيقة أن الرجل قد خرق ما اتفق معه في مطلع بناء الدولة الليبية من حيث حصر البيعة في شخصه وأبنائه من بعده، وأن إبعاده لأسرة الشريف ليس مبررا بالمطلق كما أنه اختار الحسن الرضا وحجب الصلاحيات عنه وعدم حظه على التزود بالعلم والخبرة جعل منه شخصية محنطة سهلت على الانقلابيين ما أقدموا عليه أما ما ذكره من تربئتة للولايات المتحدة الأمريكية مما جرى في سبتمبر 1969 فالحق أنه تزود مجانبة لا تصمد أمام حقيقة أن الانقلابات دائمة أمريكية اللهم إلا مرة أومرتين، لقد كان دور الملك إدريس في استقلال ليبيا يفوق مجايليه لكن عدم سماحه للسلطة التنفيذية بالاستقرار واضطهاده لأبناء عمومته وتركه للأمور بيد حاشيته ولا سيما آل الشلحي كان على حساب المصلحة العامة، وإذا كنا قد أحجمنا عن الخوض في مثل هذه الأمور تشيعا للسنوسية أو تنزها عن شبهة التماشي مع العهد المنهار فإن ذلك لا يعني المضي في الصمت باستمراره ويبقى قبول السيد بن حليم للتعويض على أملاكه قبل السابع عشر من فبراير وهو المقيم بالخارج والمحاط بأكثر من رعاية كريمة يدخل ضمن اختيار العاجلة على الآجلة، ولكنها على كل حال إرادة من الذي ندعوه أن يطيل في عمر الرجل ويمدنا وإياه بتوفيق منه.
 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية