عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

عن الدستور والذاكرة العربية


امين مازن

 

يجد القارئ الكريم في القسم الثاني من الحيّز الذي استأنفت كتابته هذا بعد توقف دام طوال معارك التحرير المريرة التي كللت بإسقاط النظام المنهار وإصدار صحيفة فبراير، مقالة بعنوان الدستور والذاكرة العربية، وهي مقالة اكتفيت بإدراجها في الموقع الذي امتلكته منذ سنوات ثلاث بشبكة المعلومات الدولية، لأعيد فيه نشر ما أسهم به أحيانا أخرى ، فشكل في حينه مصدر قوة لتوسيع دائرة المشاركة والتقليل من ضغوط التنفيذ، جل وأتاح الفرصة للكثير من الواقع أن تقف... على ما نسهم به كما شهد بذلك الكثير من المصفين الذين قاموا بمهمة المقاومة خارج الحدود على مدى العقود الماضية ، ممن ارتبطنا مع بعضهم بأوثق العلائق، وكان لما دأبوا علية من إظهار الاحترام وتبادل ما ينشر بالتعليق أو إعادة النشر أثره الجيد في توسع الدائرة والحد من محاولات التضييق الماكرة ولن يخفى على كل من يعيد قراءة المقالة المذكورة إن كان قد سبق له الاطّلاع عليها أو سيراها لأول مرة ، وعلى ضوء المتغيرات التي طالت البلد وفتحت أبواب الحوار على اتساعها ما قامت عليه هذه المقالة من معالجة تتعلق قبل كل شيء بالواقع الليبي ، وبالحوار الذي عرفته الحياة الليبية انطلاقاً من مدينة بنغازي التي تفجرت منها الثورة وتمكنت من تحريرها مبكراً وباشرت قواها الحية في طرح كل ما يجب طرحه مما يتعلق بالواقع ابتداء من مؤسسات المجتمع المدني وتأسيس الكثير منه أو بالخوض في الأمور المتعلقة بإعادة تنظيم البلد انطلاقاً من استعادة التاريخ المتمثل بالأعياد والذكريات الخالدة ووصولاً إلى الأخرى المتعلقة بالتشريع وعلى رأسها الدستور ، فكان لابد أن نقدم هذه المقالة التي استهدفت التركيز على أهمية الدستور من حيث هو قيمة تنظيمية وشرط لا مناص من توفره لكل حكم يدير شؤون الناس، بحيث أمكن التشكيك في كل حكم يغيب فيه الدستور أو ترتفع الأصوات المقللة من أهمية الدستور أو جدوى الدستور كما كانت وسائل إعلامنا تردد باستمرار من تلك المقالات السفيهة التي شككت في الدستور وقللت من أهمية الدستور وسفهت فكرة النيابة ، وعجزت عن أن تبقى عليها ولو هيئة شكل غير فعال فكان لابد من التوقف أمام هذه القضايا الحساسة ولو على هيئة صياغة تتعرض للوطن العربي في عمومه، ولعل مما يعطي مثل هذا التناول أهميته ما رافقة من إعراض مستمر عن الخوض عبر أي حديث مذاع أو مقال مكتوب أو نص ينزع إلى الإبداع في ذلك ما يعطي للكتابة التي تفعل ذلك أهميتها أو لمن يقدم عليها منزلة مميزة أمام الأقران ، فقد ظلت هذه التوجهات بعيدة عن التناول ، فكان الصمت حولها يمثل أضعف الايمان وأضعف الايمان أحيانا يكون أقوى مما عداه ، ذلك أن السباق كان كبيراً أو المغريات أيضاً كانت كبيرة ، أما الضغوط فلا شك أنها لم تكن دائماً قوية فلا أحد أجبر كي يكون عضواً في جمعية من الجمعيات التي سخرت لما اصطلح على تسميته بالنشاط النظري ، وليس كل من قلد وساماً من الأوسمة جاءه ذلك دون سعي ففي كل هذه الأحوال ثمة قدر كبير من النسبة التي تبين حجم الحماس الفردي من عدمه فعبر هذه الرحلة الطويلة كان هناك من اضطر للقيام بما قام به مكرها أو شبه مكره ، أو على الأقل لم يلاحظ عليه الحماس وما في حكمه ، وكان هناك من رأى في ذلك مفخرة من المفاخر أو ظهر عليه حجم الاستفادة ، ذلك أن الواقع غني بالشواهد ومتابعة ذوي الرأي ليست بسيطة أو غير قادرة ، وإن اعتقد البعض أنها ليست كذلك وأذكر أنني سمعت من أكثر من متابع ومنذ ثمانينات القرن الماضي أن من المواطنين من يوثق بالصوت والصورة معظم أو كل ما تذيع وسائل إعلامنا المصورة من برامج ذات طبيعة توجيهية أو تحريضية أو دعائية لا يهم الوصف ولكن المهم أنها ليست موضع قبول المجتمع إن لم تكن مثار سخطهم ، وكيفما كان الأمر فكل امرئ بما كسب رهين وليس من كان أمله في المستقبل وأهمية التاريخ كمن فقد هذا الزاد الروحي وأيا كان الأمر فتبقى الكلمة ، وتبقى شهادتها فوق كل الشهادات ،فهي بالنسبة لواقعنا ذاكرة الوطن حيث لا مهرب ولا محيص .
عادت الاستحقاقات الدستورية إلى الظهور مرة أخرى في الكثير من الأقطار العربية ، إن عن طريق النخب المتعلمة فضلاً عن القيادات الشعبية الحريصة على وجودها أولا والمحتجة على غيابها أو تعطيل فعلها ثانياً ويأتي ذلك ضمن ما تطرحه الأنظمة الحاكمة وهي تواجه الاحتجاج من وعود الإصلاح ، والتصدي لما تنذر به رياح التغيير من عنيف الزوابع وقوي الأعاصير .
ومعلوم أن الحياة الدستورية كانت قد منيت بانتكاسات متكررة في معظم الأقطار العربية إن لم نقل جميعها على مدى الستين سنة الماضية وما شهدته من تنامٍ في الأنظمة الشمولية التي عمدت ضمن ما عمدت إلى النيل من هذه الحياة وكانت يومئذ في طور النشوء وهو نيل لم يتوقف عند سوء التطبيق وحسب ولكنه امتد إلى فكرة الدستور من الأساس ، بحيث لها تعد القرارات المتعلقة بشؤون الناس وطريقة حكمهم وإنفاق ثرواتهم لا تبحث لها عن سند يسوغها من خلال مواد هذا العقد الذي اصطلح العلم على وسمه بالدستور ، ولو كان هذا السند شكلياً على الأقل ، بل لقد عمدت الكثير من هذه الأنظمة إلى تجاوز ما تحويه الدساتير من قيود ومبادئ إلى التشكيك في جدوى الدستور وأكثر من ذلك إسقاط الهياكل المرتبطة بهذا العقد ، فلم تعد الصحف أو لنقل وسائل الإعلام عامة تنشر أخبار الطعون المقدمة حول دستورية القوانين ولا الأحكام الصادرة بخصوصها كما لم تعد المجالس والهيئات المختصة بحماية الدستور والحرص على تطبيقة تتناول ما يمكن أن ينقص هذا الإجراء أو ذاك حين يثبت عدم انسجامه مع مبادئ الدستور .
وقد استفحلت هذه الوضعية المعادية للدستور فكرة وتطبقا عقب نكبة العرب الأولى المتمثلة في ضياع فلسطين إثر هزيمة ظل العرب طوال هذا التاريخ يتبادلون التهم حول مسؤولية حدوثها بين بعضهم بعضاً دون أن يخطوا خطوة واحدة في الطريق الذي يمكن أن يخرجهم منها ، بل لقد رأيناهم يكررونها أكثر من مرة وفي أكثر من مجال .
وقد تم عقب تلك الهزيمة إسقاط أكثر من حاكم تقليدي، إن بابعاده من الحكم أو بإبعاده من الحياة الدنيا لتقضي بعد ذلك حقب من الزمن ولم يحفل التاريخ السياسي بشيء من الأقطار العربية ، حيث لا سيادة إلا لحالات الطوارئ و التدابير الاستثنائية التي طالما تجددت من تلقاء نفسها وفي مقدمتها بالطبع تعليق الدساتير أو إلغاؤها أو تعديلها بما يطال حقوق الشعب ويزيد من تغول السلطان ، فكادت كلمة الدستور هذه أن تختفي من قواميس السياسة العربية تستوي في ذلك الأنظمة التقليدية والأخرى المختلفة معا والتي تفوقها بصدد استحقاقات الدستور لتأتي بعد ذلك مجموعة الانفجارات التي طالت أكثر من قطر عربي فتبين أن على رأس أسباب ما حدث إنما إلى غياب الدستور وترسيخ السلطة التي تحتكم إلى الدستور إذ بات مؤكدا أن في ذلك المخرج الأنسب لتجاوز الأزمة والعرض الأكثر إغراء لإثارة اهتمام الجماهير وكسب ثقتها وضمان المطلوب من تعاونها والسلامة من ويلات غضبها وبالذات تلك التي خرجت عن صمتها وأفلحت في تحقيق ما كانت في حاجة إليه بصدد تغيير أحوالها فكان ما كان من حديث عن الدستور ولا سيما عبر الفضائيات التي أتاحت لكل متابع أن يجد نفسه في قلب الحدث من مغرب الوطن العربي إلى مشرقه منظماته وجمهورياته لجان تشكل واستفتاءات تنظم و مشاريع صيغ توضع أمام مختلف الشرائح والقوى الفاعلة فلا حديث يعلو على الحديث بشأنه كل ذي قلم يستشعر المسؤولية في هذا العالم الذي يعاد تخريطه والوطن الذي لن يستطيع أحد فيه أن يكون بمنجاة من عواصفه العاتية ومتغيراته المتلاحقة وما من سبيل أمام الكثير من أنظمته المأزومة كي تظهر بأقل الخسائر سوى أن تدرك أن زمن الحكم المطلق قد ولى إلى الأبد وأن الاعتراض على فكرة التأبيد صارت تطال مقدسات الناس ما بالك عن شؤونهم الدنيوية فلا مناص والحالة هذه من الاسترشاد بما يجري به العمل في أرقى مجتمعات العالم ،إن الاستفادة بالمنجز العلمي في مجال التقنية والطبابة وكذلك محاكاته تقتضي بالضرورة وبعيدا عن المكابرة مراعاة المنجز الفكري فليس أمام ملكيات الوطن العربي سوى أن تكون دستورية لا يتجاوز فيها الملك صفة الرمز الذي يسود ولا يحكم فلا تنفيذ لمراسمه ما لم تكن موقعة من الوزير المختص فرئيس الوزراء حين تكون هذه المراسيم متعلقة بشؤون الدولة ولا شرعية لهؤلاء ما لم يكونوا نتاج انتخابات شفافة وبحضور مراقبين دوليين يشهدون على نزاهتها وقبل ذلك التحضير لها والأمر نفسه بالنسبه للجمهوريات فلا بد لها إن أراد القائمون عليها أن يكون اختيارهم نتاج الانتخابات ولدورة محددة لا تتجدد لأكثر من مرة ولا مجال فيها لما يطلق عليه النظام الرئاسي الذي يجعل من رئيس الوزراء شكليا أو غير موجود البتة ولم يعد مقبولا أن توصف بعض الوزارات بالصفة السيادية التي تنيط اختيار شاغلي حقائبها بالملك أو الرئيس بل لابد أن يكون الجميع من اختيار رئيس الوزراء وقبل ذلك لابد أن تفصل السلطات وتحدد الصلاحيات المتصلة بتخفيف الأحكام كما أن المجالس النيابية من جهتها لابد أن تكون من غرفتين أولهما تختار بنسبة السكان وثانيهما يراعى فيها الوضع الجغرافي لكل قطر من الأقطار وضمن رؤية لا تسمح باحتكار الواقع لإقليم دون آخر أو طائفة أخرى أو مذهب بعينه فالمواطنة حق للجميع والمواطنة تعني الشراكة في المسؤولية والقرار والثروة وغير هذه النقاط كثير وكثير جدا بصدد توزيع السلطات وتحديد الصلاحيات عندما يتم التحرك نحو الدستور الذي هو في حقيقة الأمر ليس أكثر من عقد يمكن لكل ذي بصيرة أن يدلي فيه بدلوه ولا مجال للتعلل بالاختصاص القانوني لأن الاختصاص يعني سلامة الصياغة أما تقييد الصلاحيات فأمر يمكن أن يسهم فيه كل ذي رأي يملك صاحبه أن يصدح به.
بقي أن يدرك جميع أصحاب الجلالة والفخامة ومن في حكمهم من المهيمنين على القرار أن الحاكم العادل هو الذي يعاديه نصف الناس فليس أمامه والحالة هذه إلا أن يجيد الإصغاء لهذا النصف المعادي ولم يعد مقبولا في القرن الحادي والعشرين أن يظن أحد في نفسه ولي الأمر الذي لا يجوز الخروج عليه أو أمير المؤمنين يجمع السلطة والأمانة فقد انتهى زمن الفتح اللهم إلا في عالم الأحلام

 

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية